تقنيات كأس العالم.. قطر تسخّر التكنولوجيا لقهر المناخ وصناعة التاريخ

ها قد اقتربت ساعة الصفر وباتت صافرة البداية على وشك إعلان انطلاق البطولة الأغلى في عالم الساحرة المستديرة، ولا شيء آخر يوحد جماهير كرة القدم حول العالم مثل نهائيات كأس العالم، فكل قارة تقدّم ممثليها الأفضل لتشريفها في هذه البطولة العريقة التي تُلعب ضمن 64 مباراة خلال 29 يوما، وهذا كفيل بأن تحمل البطولة معها كثيرا من الإثارة واللحظات التشويقية.

وعلى موسيقى “التانغو” الأرجنتينية رقص “السيليساو” رقصة السامبا الشهيرة، وصدح زئير أسود “التيرانغا” وسط صخب عمل “المانشافت”، وفي ليلة أخرى أظهر محاربو “الساموراي” فنونهم القتالية أمام طوفان “الماتادور” الإسباني، وأما “الطواحين” الهولندية فما زالت تعمل بهدوء بأسلوبها الممتع الكلاسيكي القديم في مجابهة الديوك الفرنسية حامل اللقب الماضي (2018). ومع فائض من المتعة والإثارة في مبارزات أخرى، فإنّ الحكاية قد بدأت للتو.

هذا بالإضافة إلى مشاركة رباعية عربية تتمثل بالعنّابي القطري صاحب الأرض، والأخضر السعودي، ونسور قرطاج، وأسود الأطلس، للمشاركة في نسج الملحمة الكروية لكأس العالم 2022.

ولسنا هنا بصدد الحديث عن المتعة التي تقدمها البطولة، بل عن التقنيات والتكنولوجيا التي ساهمت في إثراء هذه المتعة وتقديمها بأفضل شكل ممكن، فكما ترى صحف كروية مشهود بها، فإن هذه البطولة في قطر ستكون حدثا ثوريا، ليس على مستوى كأس العالم فحسب، بل على مستوى كرة القدم، لما تحمل معها من تقنيات مستحدثة تعزز من متعة الرياضة بالنسبة للمشاهد، وكذلك تساهم في ترسيخ العدالة بالنسبة للاعبين.1

وفي مدة زمنية قياسية منذ الإعلان عن توليها مهمة استضافة كأس العالم لعام 2022، استحدثت قطر وأدخلت أنظمة تقنية على عدة أصعدة، ابتداء بالملاعب المستضيفة للمباريات، واعتماد التكنولوجيا في حسم القرارات الحرجة، ثم توفير أفضل تجربة ممكنة للمشجعين، وفي خارج الملعب اعتماد الطاقة المستدامة على نطاق واسع وغير ذلك.

“الرحلة”.. ثلاث سنوات من التطوير تثمر كرة ذكية

لا يخفى على أحد طابع البطولة الفني الذي أخذ صبغة عربية واضحة في عدد من الجوانب، كشعار البطولة ذي العقدة الشريطية المستلهمة من وشاح الصوف العربي “الشماغ”، والنقوش العربية التي تظهر دائما في المحافل والمناسبات، وحتى كرة البطولة المعتمدة التي أُعلِن عنها في وقت سابق برعاية شركة “أديداس” الألمانية وبمشاركة النجم الأرجنتيني “ليونيل ميسي”، وقد أخذت اسم “الرحلة” (Al Rihla).

كاميرات مثبتة في ملاعب المونديال لتتبع الكرة ومراقبة تموقع 29 نقطة من أجسام اللاعبين

لكن المثير لا يكمن في الشكل الجمالي والاسم العربي، بل إنّ هذه الكرة تُعد منتجا ثوريا بذاته، بسبب المستشعرات الموجودة بداخلها، إذ تبقي المسؤولين والحكام المساعدين “فار” (VAR) على اتصال مباشر للكشف عن حالات التسلل التي تستعصي على العين المجردة.

أطلقت “أديداس” منتجها الثوري في مارس/آذار لاعتماده في كأس العالم في الدوحة للمرة الأولى في تاريخ البطولة، وذلك بالتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” وشركة “كينيكسون” (KINEXON) الرائدة في مجال شبكات الاستشعار والحوسبة المتطورة. وقد أطلق على هذه التقنية “نظام أديداس للإيقاف” (Adidas Suspension System)، لتساهم في إمداد الحكام بحالات التسلل ببيانات فورية تلقائيا بدقة عالية تصل إلى 500 مرّة في الثانية، عندما يلمس اللاعب الكرة.

ويعلق “يوهانس هولزمولر” مدير تكنولوجيا كرة القدم والابتكار في “فيفا”: هذه التكنولوجيا هي ثمرة عمل ثلاث سنوات من البحث والاختبار والتدقيق من قبل “فيفا” وشركائنا في “أديداس” لتقديم أفضل تجربة ممكنة للحكام والفِرق واللاعبين، وللجماهير المتوجهين إلى قطر في وقت لاحق من هذا العام. نتطلع إلى رؤية تقنية (كشف التسلل شبه الآلي) في بطولة كأس العالم القادمة.2

تقنية التسلل شبه الآلي.. معجزة تقنية تدشن في دورة قطر

في وقت سابق من عام 2018 أدخل نظام الحكم المساعد (VAR) إلى لعبة كرة القدم، وهي تقنية تساعد الحكام على الكشف عن حالات التسلل وبعض اللقطات الجدلية مثل ضربات الجزاء أو طرد اللاعبين، باستخدام شاشات توجد داخل الملعب.

لكنها سريعا ما لاقت انتقادات واسعة ولاذعة رغم الخدمة الكبيرة التي تقدمها للحكام، لعدة أسباب منها؛ الوقت المستغرق والتأخير الطويل عند فحص حالة التسلل، وسوء تقدير الخطوط واختيار أجزاء الجسم المتسللة، أو حتى اختيار الوقت الصحيح لاحتساب التسلل.

وعليه فإنّ الفيفا قد مرت بكامل ثقلها لحل هذه المعضلة وأدخلت نظاما مستحدثا.. إنه “تقنية التسلل شبه الآلي” (Semi Automated Offside Technology)، وتأمل بواسطة هذا النظام أن تحل أكبر معضلتين وهما:

أولا: لا يمكن تحديد اللحظة الدقيقة المناسبة التي يلمس بها اللاعب الكرة عند تمريرها بسبب معدل الإطارات المستخدمة في الكاميرات، وهي 50 “إطارا في الثانية” (FPS).

ثانيا: تحديد النقطة الأبعد بين الخصمين، والتي ينبغي عليها تحديد حالة التسلل.

وحلّ هاتين المشكلتين يكمن في الذكاء الصناعي القادر على اتخاذ القرار ذاتيا، أي دون تدخل بشري، وهو ما تقدمه تقنية التسلل شبه الآلي، ذلك باستخدامها كأداة لمساعدة “الفار” في اتخاذ القرارات من خلال تحديد الموقع (النسبي) للاعبين تلقائيا في اللحظة التي يتم بها تمرير الكرة.

تقنية “التسلل شبه الآلي” تحدد اللحظة الدقيقة التي يلمس بها اللاعب الكرة عند تمريرها

ولشرح التقنية بشكل مبسط، فإنّ 12 كاميرا يقع تنصيبها أسفل سقف الملعب لتتبع الكرة ومراقبة تحركات اللاعبين وتموقع أجزاء أجسامهم عند 29 نقطة، الأجزاء التي تؤثر على التسلل مثل الركبة والقدم والصدر والرأس وغيره ما عدا اليدين والمرفقين.

وبدمج هذه البيانات الملتقطة بمستشعر الكرة التي تحدثنا عنه آنفا، فإنّ الذكاء الاصطناعي قادر على تحديد موقع اللاعب بدقة متناهية في لحظة تمرير الكرة، ومقارنتها بلاعب الخصم، ثمّ اتخاذ القرار الصحيح. وذلك كله يحدث في ثوان معدودة.

ويشير مجددا “هولزمولر” إلى أن تقنية التسلل شبه الآلي ستستخدم في بطولة كأس العالم في قطر لمساعدة المسؤولين في غرفة “الفار” على اتخاذ القرار السليم في غضون ثوان قليلة بعد الحادثة، وعلى ذلك سيبلغ حكم الساحة بالقرار النهائي بشكل سريع.3

تبريد الملاعب.. تقنية تقهر أجواء الخليج الدافئة

ربّما هو حديث الساعة الذي تزامن طرحه مع إعلان قطر المرشح الأبرز لاستضافة كأس العالم، فكيف لمنطقة تعاني من ارتفاع الحرارة أن تستضيف حدثا عالميا كبطولة كأس العالم؟ لا سيما أنها كان مخططا لها أن تقام في فصل الصيف بعد انتهاء فعاليات البطولات المحلية للأندية، أي أنّ الحرارة والرطوبة تكونان في أعلى مستوياتهما، وهذا ما يؤثر سلبا على أداء وسلامة اللاعبين.

وبدا ذلك تهديدا حقيقيا قبل أن تفصح الدوحة في تفاصيل ملف التقديم أنّ علاج هذه المشكلة يكمن في أمرين:

تأجيل البطولة من فصل الصيف إلى الشتاء، إذ تكون درجة الحرارة أكثر اعتدالا. استحداث تقنية التبريد المبتكرة (Advanced Cooling Tech)، فتكون قطر الدولة الأولى على مستوى العالم التي تعمل على تبريد ملاعبها المخصصة للبطولة.

الدكتور سعود عبد العزيز أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة قطر صاحب تقنية تبريد ملاعب مونديال 2022

ويُعد الدكتور سعود الغني أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة قطر، العقل المدبر وراء هذا المشروع التقني الثوري. فعلى حد تعبيره فإن تبريد مدينة بأكملها أمرٌ محال، لكن من الممكن تبريد مناطق معينة على نطاق أصغر مثل الملاعب، وذلك بإيجاد علاقة إيجابية بين المناخ والملعب.

وتعتمد عملية تبريد الملاعب المفتوحة على خلق فقاعة مناخية داخل الملعب فتحافظ على درجة حرارته، ولعلّ أكبر التحديات التي واجهها فريق الدكتور سعود الغني هو منع تسرب الهواء الساخن إلى الداخل أو تحجيم كميته، فتبرز هنا أهمية تصميم المنطقة أو الفتحة التي تربط بين الفقاعة المناخية الصغيرة بالمناخ الكلي الخارجي.

وقد اعتمد المهندسون في بحوثهم على نماذج مصغرة من الملاعب الحقيقية، فقد وضعوها داخل نفق هوائي تحت ظروف مناخية محددة تحاكي الواقع، وبدراسة العلاقة الديناميكية الهوائية بين الرياح الصناعية والملعب المصغر، فإننا نحصل على بيانات تساعد في فهم وإعادة تصميم الملعب لتقليص الهواء المندفع إلى الداخل، وعلى هذا النحو يحافظ الملعب على درجة حرارته.

ليس هذا فحسب، بل ذهب المهندسون إلى أن تبريد الملعب بأكمله غير مُجدٍ، بل اعتماد الساحة التي تضم اللاعبين والمدرجات بما فيها من جماهير يُعد كافيا، مع إهمال بقية الملعب، وهو القسم العلوي الذي يمثل الجزء الأكبر من التصميم. فبهذا الشكل يجري توفير تكاليف عملية التبريد.

وبتمويل من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، استطاع الدكتور سعود الغني برفقة زملائه أن يصلوا إلى النموذج المثالي لتوزيع المبردات، فكانت على امتداد الملعب فوهاتٌ بحجم كرة القدم تضخ الهواء البارد نحو اللاعبين، ومخارج صغيرة تحت مقاعد الجماهير لتوزيع الهواء على مستوى الكاحل. كما لم يكن تصميم هذه الفتحات عبثيا، فقد أخذوا بعين الاعتبار أهمية خروج الهواء بصورة انسيابية لتسهيل عملية تدفقه وجريانه.4

وتضم جميع الملاعب الثمانية التي سيُلعب عليها مباريات البطولة تقنية التبريد المبتكر باستثناء “ملعب 974″، ذلك بفضل عملية التهوية الطبيعية الموجودة بسبب موقعه بالقرب من الساحل.

وفي وقت سابق تحدث اللاعب الإسباني السابق ولاعب ليفربول “لويس غارسيا” عن تجربته الشخصية في مقابلة أجراها الموقع الإلكتروني العالمي “جول” (Goal)، وقال إن الهواء كان باردا داخل الملعب، ومشيرا إلى هذه التقنية ستتغير قواعد اللعبة بالنسبة للاعبين في كأس العالم.5

“بونوكل”.. تقنية تجعل المكفوفين في قلب الحدث

في أحدث التسهيلات المستخدمة، سيحظى المشجعون الذين يعانون من إعاقة بصرية بأفضل تجربة ممكنة لمشاركتهم المتعة، بواسطة تقنية “بونوكل” (Bonocle)، وهي أول منصة ترفيهية بطريقة ” بريل” (نظام كتابة للمكفوفين) في العالم، مزودة بجميع التقنيات المساعدة لضعاف البصر للوصول إلى المحتوى الرقمي.

ولن تكون التسهيلات ضمن مرافق الملاعب فحسب، بل ستنتشر على نطاق واسع لتضمن أكبر قدر ممكن من سهولة التنقل والوصول من مكان إلى آخر. وتعد شركة “بونوكل” إحدى الشركات الناشئة المحلية التي شقت طريقها نحو كأس العالم لاعتمادها كإحدى المنشآت الأساسية في عملية التنظيم.6

ومن التقنيات التي يوفرها المنظمون تقنية “فيلكس بالم” (Feelix Palm) التي تعمل بواسطة النبضات الكهربائية من خلال أجهزة اتصال، وتعتمد هذه الأجهزة على اللمس لنقل رسائل تشبه طريقة “بريل”، لكن دون تقييد حركة المستخدم.

وفي حدث هو الأشهر على مستوى العالم إذ شاهد نسخته الماضية في روسيا عام 2018 أكثر من نصف سكان كوكب الأرض وفق ما أعلنته “فيفا” عبر منصاتها، يراقب العالم النسخة الجديدة منه بحلة جديدة ومغايرة تماما لما مرّ عبر تاريخ البطولة، فبعيدا عن جميع ما ذُكر، هذه النسخة الأولى التي تقام في الشرق الأوسط، وهي الأولى التي تُلعب في فصل الشتاء، وأخيرا تبعد ملاعب البطولة الثمانية مسافة ساعة واحدة عن بعضها، وهذا ما لم يحدث من قبل، مما يجعلها البطولة الأكثر اندماجا وتفاعلا على مستوى الجماهير واللاعبين.

 

المصادر:

[1] موراليداران، أشوين (2022). كأس العالم مبتكر – جميع الثورات التكنولوجية في قطر 2022. تم الاسترداد من: https://www.goal.com/en/lists/world-cup-of-innovation-technological-revolutions-qatar-2022/blt06e6383e481a9d9c#cs5794bfef84e306b4

[2] محررو الموقع (2022). تكشف أديداس عن الكرة الرسمية الأولى من نوعها لكأس العالم. تم الاسترداد من: https://news.adidas.com/football/adidas-reveals-the-first-fifa-world-cup–official-match-ball-featuring-connected-ball-technology/s/cccb7187-a67c-4166-b57d-2b28f1d36fa0

[3] جونسون، دايل (2022). كأس العالم: هل ستكون تقنية كشف التسلل شبه الآلية حلا لمشكلة الفار التي يأملها الكثيرون. تم الاسترداد من: https://www.espn.com/soccer/fifa-world-cup/story/4692793/world-cup-will-semi-automated-offside-be-the-big-var-fix-many-hoped-for

[4] محررو الموقع (التاريخ غير معروف). بحوث ممولة من مؤسسة قطر حول تكنولوجيا التبريد في استادات كأس العالم 2022. تم الاسترداد من: https://www.qf.org.qa/ar/stories/cooling-technology-used-in-qatars-world-cup-stadiums-powered-by-qf-research

[5] موراليدران، أشوين (2022). “كان الجو باردا داخل الملاعب” – يشعر لويس جارسيا بأن نظام التبريد في قطر قد غير قواعد اللعبة للاعبين في كأس العالم 2022. تم الاسترداد من: https://www.goal.com/en-us/news/luis-garcia-qatar-cooling-system-gamechanger-players-world/blt8788e6bac00cb41c

[6] محررو الموقع (2022). تشجيع الابتكار، على نهج قطر. تم الاسترداد من: https://www.euronews.com/2022/10/05/fostering-innovation-the-qatar-way