“الأتراك قادمون”.. خبايا خطة النصر العثماني على ملك الصرب المتمرد

يواظب السينمائيون الأتراك على نقل تاريخ بلدهم إلى الشاشة عبر أفلام جيدة تجسد مراحل مختلفة منه، لكنها تركز بشكل ملحوظ على المراحل التي ظهرت فيها الإمبراطورية العثمانية، وتوسع رقعتها في أرجاء المعمورة، ولكثرتها يأخذ بعضها قصصا تتناول جانبا محددا من ذلك التاريخ، أو في أحيان أخرى تجمع في متنها أكثر من قصة وحكاية، مثل فيلم “الأتراك قادمون.. سيف العدالة” (Türkler Geliyor: Adaletin Kilici).

يجمع مخرج الفيلم “كامل آيدن” في منجزه أكثر من حكاية تصب كلها في مجرى الحبكة المركزية التي تتمحور حول انتصار قوات النخبة المسماة “الأكجينار” على الملك الصربي “لازار” الذي سعى إلى إقامة مملكة تقف في وجه العثمانيين، وتحجّم نفوذهم في أراضي البلقان.

شعوب البلقان.. علاقة تاريخية مع السلطنة العثمانية

إن العلاقة التاريخية التي جمعت بين العثمانيين وشعوب البلقان هي من الجوانب التاريخية المهمة التي تتفرع من الحكاية المركزية، وتتجسد دراميا من خلال تصوير واقعة تخليص “سونغور” (الممثل إمري كيفيلجيم) القائد العسكري في الوحدة الخاصة المكلفة بتخليص الإمبراطورية العثمانية من بؤر التمرد التي بدأت بالظهور في البلقان، وفي الوقت نفسه العمل على إقامة العدالة فيها، بعد انتشار الأخبار عن طغيان الجيوش الصربية واضطهادهم لسكان المنطقة.

يجلي المشهد الافتتاحي للفيلم جانبا منها، إذ يظهر القائد العثماني “سونغور” من وسط الغابة ليُنقذ “ألينا” (الممثلة إيجي شيمشي أوغلو) المحاربة الشجاعة ابنة طائفة البوغوميل الدينية، ويخلصها من أيدي الجنود الصرب الذين أخذوها مع مجموعة من أبناء قريتها أسرى، وكانوا يخططون لنقلهم إلى مقر البابا في روما، بناء على طلب زعيمهم “لازار برانكوفيتش” الذي كان في تلك الأثناء يخطط لانقلاب ضد أسرته الحاكمة المتحالفة مع السلطان العثماني محمد الفاتح.

الإعلان عن وجود الفرقة العثمانية ومسعاها لإحلال السلام في ربوع البلقان وعدم الإساءة لسكانها أو إجبارهم على اختيار ديانة غير ديانتهم؛ يفتح الباب لقصة حب تنشأ بين القائد العثماني والشابة “ألينا”، وتتطور لاحقا إلى مشاركة معه في القتال ضد الملك الصربي الظالم، وإعلان قبيلتها الولاء للسلطان العثماني.

“لازار”.. خطة انقلاب الملك الصربي على والدته

تأخذ الأحداث في التصاعد، وينتقل مركزها إلى قلعة سمندرة في صربيا، حيث يقود “لازار” (الممثل ليفينت أوزديليك) المعروف بدمويته ودهائه انقلابا ضد والدته وأخيها الذي أرادت تنصيبه ملكا بعد موت زوجها، لكن ابنها يرفض ذلك، ثم يقوم بقتل الملك المُنصَّب للتو، وإعلان نفسه حاكما على صربيا بدلا منه، وفي الوقت نفسه يدبر خطة جهنمية لقتل والدته بالسم الذي دسه لها في الطعام.

يعلن “لازار” نفسه ملكا قويا مختلفا عن من سبقوه من الحكام، ولتعزيز تلك الصورة التي يريد تقديم نفسه بها أمام شعبه، راح يبحث مع البابا سبل تمتين التعاون بينهما ضد السلطان العثماني، إلى جانب التخلص من الموالين له داخل القصر، وأبرزهم أخته الأميرة “ماريا” (الممثلة سراي كايا) التي عاشت فترة من حياتها في القصر العثماني، وتعرف جيدا قيم الحكم التي ثبتها السلطان محمد الفاتح في إمبراطوريته الآخذة بالتوسع، لهذا فعندما عادت إلى موطنها ظلت على وفاق مع العثمانيين، وكانت تحرص على إطلاعهم بكل ما يجري في المملكة.

الملك الدموي لازار ومؤامراته الجهنمية ضد أهله من أجل التتويج

التجسس والولاء للصديق المخلص من الجوانب التاريخية المهمة التي يوليها سيناريو الفيلم اهتماما خاصا، ويوفر لها حيزا جيدا بين القصص الجانبية التي تُبيّن الدور الحساس والمهم الذي كان يلعبه الجواسيس في الحياة السياسية في تلك الفترة من عمر الإمبراطورية العثمانية، وبشكل خاص في أوقات الحرب.

“ماريا”.. أخت الملك وجاسوسة القصر العثماني

يثير تحرير قوات النخبة العثمانية للأسرى غضب “لازار”، فراح يسأل عن مصدر معرفتهم بمكان وموعد هجوم جنوده على القرية البوسنية؟

سؤال قاده لمطالبة البابا بتقديم قائمة له بأسماء الجواسيس الموالين للكنيسة في القصر العثماني، بينما سيأخذ هو على عاتقه كشف الجواسيس الذي يزودون السلطان بالأخبار والمعلومات الحساسة من داخل قصره، فيأمر أولا باعتقال وسجن أخته “ماريا” التي يشك أنها تزود خصومه بالمعلومات السرية، وبشكل خاص المعلومات العسكرية.

في السياق نفسه يرد اسم عبد الله للدلالة على شخصية الجاسوس الذي كان يعمل في الخفاء من داخل القصر العثماني لصالح البابا، وهو من سيُفشي الخطة السرية لتحرك الوحدة الخاصة المتجهة لبسط نفوذ الجيش العثماني في البلقان، بقيادة المحارب “كونور ألب” (الممثل سردار غوخان)، ومجموعة من أفضل مقاتليه، من بينهم “سونغور” الذي يقع معهم في كمين للعدو، لكنه يتمكن من الفرار والتخلص من مطارديه رغم إصابته بجروح بليغة في جسده.

“ألينا”.. محاربة جسورة تُسعف الجريح الهارب

يحالف الحظ المحارب الجريح “سونغور” حين عثرت عليه الشابة “ألينا” وسط الغابة، ونقلته إلى بيتها، وقدمت له العلاج الطبي اللازم، وخلال فترة علاجه يزداد حبهما عمقا، وتتقرب المحاربة الجسورة أكثر من أفكاره وقيمه الدينية التي ينقلها لها من خلال حديثه عن تربيته الإسلامية، ولماذا يقف مع المظلومين أمثالهم، وماذا تعني الشجاعة المقرونة بالحكمة بالنسبة للمحاربين العثمانيين.

قصة حب تجمع المحارب الجريح القائد العثماني سونغور بالشابة ألينا ابنة طائفة البوغوميل الدينية

أفكاره وشجاعته أثمرتا عن تغيير جذري في موقف قبيلتها التي رفضت أول الأمر مواجهة جيش الملك “لازار”، وفضلت عليه الهروب إلى بقاع أخرى، لكن “سونغور” أقنع قادتهم بأفضلية المواجهة على ذلك الخيار البائس الذي لن يحل مشاكلهم، وسوف يبقيهم هاربين وخائفين إلى الأبد.

اقترح “سونغور” على رئيس طائفة البوغوميل تدريب شعبه على السلاح، والتحلي بالصبر والحكمة إلى حين تنفيذ خطته بالدخول إلى القلعة، وتحرير بقية رفاقه الذين وقعوا في الكمين، ونُقلوا إلى السجن من أجل انتزاع اعترافات منهم بالقوة، عن خطط السلطان العثماني وأسرار جيشه.

“ريكاردو مانزيني”.. لغز فارس روما الذي أنقذ الأميرة

يضع “سونغور” خطة ذكية لدخول القلعة، تتمثل بانتحاله شخصية “ريكاردو مانزيني” الفارس القادم من روما، الذي سينقذ ابنة “لازار” الأميرة “مارا” (الممثلة أبرو أوزكان) من هجوم للجيش العثماني على قافلتها.

كانت لدى “سونغور” معلومات دقيقة عن تحرك قافلتها، لهذا زامن هجومه في الوقت المناسب، ليظهر أمامها وأمام والدها بأنه المنقذ لحياتها، وعليه ستسهل عملية دخوله إلى القلعة بصحبة “ألينا” التي مثلت دور أخته “تيريزا” المرافقة له في رحلته.

خطف النساء وأخذهم كسبايا إلى البابا

بينما تنجح خطته في الدخول إلى قلعة سمندرة والإيحاء لابنة “لازار” بأنه واقع في حبها، كان رفاقه في هذه اللحظة يواجهون أشد أنواع التعذيب الجسدي بشاعة، لكنهم بفضل عزيمة قائدهم “كونور ألب” صمدوا ولم يفشوا بأي معلومات للعدو.

قتل الأسرى العثمانيين.. ملك مرتاب يحفر قبره بيديه

لم يصدق الملك “لازار” قصة “ريكاردو” بالكامل، لهذا راح يختبر صدقه بعدة طرق ملتوية، بيد أنه نجح في تجاوز أكثرها صعوبة وقسوة، وقد تمثلت بطلب الملك منه أن يقتل قائد الأسرى العثمانيين بيديه، تأكيدا على كراهيته للعثمانيين، وكان عليه أن يختار بين إنجاح خطته والقضاء على خصمه، أو إفشالها من خلال رفض طلبه.

في مشهد مؤثر ودراماتيكي يشجع القائد العثماني رفيقه لتنفيذ الأمر، حرصا على تحقيق الهدف الأسمى مهما كانت التضحيات، وأولها التضحية بالنفس. شجاعة القائد العثماني في مواجهة الموت زاد من قناعة المحاربة “ألينا” بصدق ما يبشر به “سونغور” ورفاقه، لهذا أعلنت إسلامها وانضمامها إلى الجيش العثماني.

لم يكتف “لازار” بذلك، فاستدعى بقية الأسرى، وطلب من “سونغور” قتلهم أيضا، لكنه بدلا من الانصياع له قام بمهاجمة حراسه، وأطلق سراح رفاقه، فتوجهوا بدعم من مقاتلي البوغوميل الشجعان لتحرير الأميرة “مارا” من سجنها أولا، ثم ملاحقة “لازار” وقادته.

يُختتم مسار الفيلم بمقتل “لازار” على يد المحاربين العثمانيين، وتنصيبهم زوجته ملكة بدلا منه، ولإضفاء البهجة على نهاية حكاية الفيلم، ترتفع إيقاعات أغنية تركية جميلة تعبر كلماتها عن الفرحة الكبيرة بالنصر، والإشادة بشجاعة المحارب العثماني وقيمه الأخلاقية النبيلة.