“القنبلة”.. فاتحة السباق النووي المنذر بهلاك الكوكب

في الذكرى السبعين لقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية (1945-2015)، عرضت محطة الشبكة التلفزيونية الأمريكية “بي بي إس” (PBS) فيلما وثائقيا مثيرا للفزع، يحمل عنوان “القنبلة” (The Bomb) للمخرج الأمريكي “رَشمور دينُويَر”.

تنطوي قصة الفيلم على موضوعات وأفكار عدة يصعب حصرها في مقال واحد، ولكننا سنستعين بالناقد الأمريكي “مارك داودزياك” الذي يكتب في الـ”بلَين دِيلر” كبرى صحف كليفلاند في أوهايو، فقد قسّم الفيلم إلى 11 موضوعا رئيسيا أوردها كالآتي: “قصف هيروشيما وناغازاكي، الحرب الباردة، سباق التسلح، الخطر الشيوعي الأحمر، المكارثية، أزمة الصواريخ الكوبية، معاهدة حظر التجارب النووية، حرب النجوم، الحركة المناهضة للتسلّح النووي، انهيار الاتحاد السوفياتي، بروز تهديدات نووية جديدة”.

في لحظة حقد وكراهية، رمت أمريكا بقنبلتين ذريتين سنة 1945 فدمرت مدينيتن كاملتين وقتلت 200 ألف إنسان

وثمّة موضوعات لا تقل أهمية عن سابقاتها وإن جاءت في إطار التمهيد لصناعة أسلحة التدمير الشامل، أو قراءة علمية متفحصة لتداعياتها الخطيرة، أو محاولات بعض الدول الكبرى لإنهاء سباق التسلّح وكبح جماحه إلى أبعد حد ممكن، خصوصا أن هذه القنبلة النووية لم تُستعمل بعد كارثتي هيروشيما وناغازاكي.

لكن التجارب النووية ما تزال قائمة على قدم وساق، وهناك بلدان تنتظم فيما يسمّى “محور الشرّ” تسعى بشكل محموم لامتلاك القنبلة النووية أو تطوير قدراتهم في المضمار العسكري البعيد عن الأغراض السلمية المزعومة.

دمار شامل للكرة الأرضية ستتسبب به الحرب النووية المستقبلية

لم يعرف الكيميائيان السبب حينئذ، لكن صديقتهما “ليزا مايتنر” عالمة الفيزياء المختصة في النشاط الإشعاعي أدركت بأنهما شطرا نواة ذرّة اليورانيوم، وقد أسمته “الانشطار” (Fission).

وبعد سنة واحدة اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان العالم برمته يخشى أن يمتلك “هتلر” هذا السلاح الخطير الذي يمكن أن يدمر مدينة بكاملها بضربة واحدة.

وفي عام 1939 كتب “ألبرت آينشتاين” -صاحب نظرية النسبية الخاصة- رسالة تنبيهية إلى الرئيس “روزفلت”، فبدأ فورا بإطلاق مشروع البحث المكرس لليورانيوم. وبعد سنتين هاجم اليابانيون ميناء بيرل هاربر، وأعلن “هتلر” الحرب على أمريكا، فصارت تقاتل عدوين في آنٍ معا.

مشروع منهاتن.. أكبر مشروع علمي في التاريخ

قبل أن نسلط الضوء على قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي لا بد لنا أن نتوقف عند المهندس العسكري “ليزلي غروفز” الذي تخرج من الأكاديمية العسكرية الأمريكية “ويست بوينت” عام 1918، وأشرف على بناء البنتاغون، وأدار مشروع مانهاتن الذي يعتبر أكبر مشروع علمي في التاريخ، إذ اشتغل فيه قرابة نصف مليون موظف.

وعلى الرغم من أن “ليزلي ريتشارد غروفز” هو مهندس عسكري وضابط برتبة فريق، وشخص ذكي جدا، فإن ذلك لم يردم الهوة العلمية والثقافية بينه وبين العلماء الأمريكيين الذي يمتلكون شهادات الدكتوراه، وينظرون إليه كشخص متواضع في قدراته العلمية.

“ليزلي غروفز” ذراع أوبنهايمر الأيمن في صناعة القنبلة الذرية

لم يتعامل كل العلماء الأمريكيين مع “غروفز” بهذه الطريقة الفوقية، فـ”روبرت أوبنهايمر” -وهو عالم فيزيائي متخصص بالفيزياء النظرية- كان يشرح له الأشياء بطريقة جميلة ومبسّطة، لذلك اعتمد عليه “أوبنهايمر” مُعتبرا إياه ذراعه الأيمن في هذا المشروع العملاق.

تبنى “أوبنهايمر” تصنيع السلاح النووي الأول خلال الحرب العالمية الثانية، وكان يلقب “ابن القنبلة الذرية”، كما عُرف بمقولته الشهيرة “أصبحت الموت، مُدمِّر العالم”. ولم يكن “أوبنهايمر” نابغا في مجال الفيزياء النظرية فحسب، بل كان متألقا في الفيزياء العملية أيضا.

لوس ألاموس.. مدينة معزولة تطبخ مفاجأة الحرب

حين اندلعت الحرب العالمية الثانية، احتلّت اليابان الفليبين، بينما اجتاح “هتلر” أوروبا وشمال أفريقيا. وقد ارتكب النازيون فظاعات كثيرة، وجرائم حرب ضد الإنسانية. تُرى، ماذا سيفعل “هتلر” لو كان بيده سلاح نووي مدمر؟ هل سيتردد في استعماله أم سيبيد من البشر ما يمكن إبادته؟

كان “أوبنهايمر” قبل ذلك الوقت في لوس ألاموس -وهي مدينة سرية منعزلة ونائية بكل ما في الكلمة من معنى- ولا يربطه بالعالم الخارجي سوى خط هاتفي واحد، وكان معه في هذا الموقع أقل من عشر نساء، بينهن “ليلي هورينغ” تتلقى الدرس الأول الذي يتمحور حول الكتمان والسريّة التامة.

ومن بين مئات العلماء الفيزيائيين وربما الآلاف، كان هناك العالم الألماني الشيوعي كلاوس فوكس الذي سيتورط في جريمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي السابق.

“غادجيت”.. القنبلة التي فجّرت عصر الموت

بعد أن استسلمت ألمانيا ووضعت الحرب أوزارها في عموم القارة الأوروبية ظل الحليف الياباني يقاتل، وكان على الإدارة الأمريكية أن تتدبر أمرها مع جنود يفضلون الموت على الاستسلام.

“غاجيت” القنبلة الذرية الأمريكية الأولى التي كلفت الحكومة الأميركية ملياري دولار

اختبر الأمريكيون قنبلتهم الأولى التي أطلقوا عليها اسم “غادجيت” (Gadget)، ليبدؤوا عصرهم الذري الجديد الذي سيغيّر وجه العالم. في الوقت ذاته، لم تقف الحكومة السوفياتية مكتوفة الأيدي، فقد جنّدت عميلها العالِم “كلاوس فوكس”، فأخبرها بكل مراحل تصنيع هذه القنبلة، لكنه لم ينجُ من فخاخ الأمريكيين المنصوبة على الدوام. وقد كلفت القنبلة الحكومة الأمريكية ملياري دولار في ذلك الحين.

وعلى الرغم من القصص المتعددة المهيمنة على مدار الفيلم الوثائقي، فإن مَشاهد قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي تبقى الأكثر ترويعا من غيرها من المَشاهد المُفزعة الأخرى التي تضمنّها هذا الفيلم الذي يثبت جدارة مخرجه وكاتب قصته السينمائية “رشمور دينُويَر”.

كوكورا.. مدينة أنقذتها الغيوم من كارثة “الرجل البدين”

القنبلة الذرية التي ألقاها العقيد الطيار “بول تيبتس” -وهو أفضل طياري الجيش الأمريكي- كان اسمها “الولد الصغير”، ولكن جوف هذا الولد الصغير كان يحمل 60 كغم من مادة اليورانيوم- 235. أما نوع الطائرة فهي قاذفة من طراز (بي 29) ألقت ولدها الصغير يوم 6 أغسطس/آب 1945م وقتلت في الحال نحو 80 ألف مواطن ياباني غالبيتهم من المدنيين، أما الجرحى فقد بلغ عددهم نحو 69 ألفا، كان أغلبهم ينتظر الموت نتيجة للجروح والحروق العميقة المروعة.

ولم يسبق لشخص على مرّ التاريخ أن قتل هذا العدد الكبير من الناس (140 ألف مواطن) في ضربة واحدة. ومع ذلك لم تستسلم اليابان، بل اتجهت صوب الاتحاد السوفياتي، علّه يقدم لها يد العون والمساعدة، لكن كانت دهشتهم كبيرة حينما تناهى إلى أسماعهم بأن السوفيات قد أعلنوا عليهم الحرب، بدلا من أن يُمهدِّوا أرضية للتفاوض مع الأمريكيين.

لم يكن في نية القوات الجوية الأمريكية قصف مدينة ناغازاكي في 9 أغسطس/آب 1945، فلقد كان هدفهم المرسوم هو مدينة كوكورا، لكن سماءها كانت ملبدة بغيوم كثيفة، مما دفع بالطيار لاختيار مدينة ناغازاكي، فأسقط عليها قنبلة نووية تحمل هذه المرة اسم “الرجل البدين”، وقد حصد في الحال 70 ألف مواطن، ومع ذلك لم يستسلم اليابانيون إلا بعد يوم واحد من قصف ناغازاكي، شرط أن يبقى الإمبراطور “هيروهيتو” على سُدة الحكم.

تلوث الماء.. تجارب في الأعماق تفسد البر والبحر

يمكن إدماج المواضيع الخمس الآتية، وهي “الحرب الباردة، سباق التسلّح، الخطر الشيوعي الأحمر، المكارثية، أزمة الصواريخ الكوبية” في مبحث واحد، لأنها تتمحور حول الاتحاد السوفياتي السابق الذي لم يقف مكبلا.

فلقد زرع أكثر من جاسوس في قلب المشاريع النووية الكبرى، ولعل أبرزهم “كلاوس فوكس” و”ثيودور هول” لتبدأ مرحلة سباق التسلُّح بين الدولتين العظميين وبقية الدول النووية مثل المملكة المتحدة وفرنسا والصين والهند والباكستان.

“اوبنهايمر”.. الرجل الذي باع ضميره لشيطان صناعة أول قنبلة استخدمت لقتل الأبرياء

غادر “أوبنهايمر” لوس ألاموس بعد إنجازه الذي غيّر وجه العالم، وعرضت الإدارة الأمريكية فكرة إيقاف إنتاج السلاح النووي إذا التزم الآخرون بعدم إنتاجه، لكن التجارب النووية كانت على أشدّها في البر والبحر، حتى أصبح بإمكان المواطن أن يشاهد بعض التجارب النووية من مسافة لا تقل عن 18 ميلا.

أما التجارب النووية التي أُجريت تحت الماء فقد كانت كثيرة جدا، حتى أنها سبّبت تلوثا للسفن والأحياء المائية، كما هو الحال في تفجير بكيني الذي رفع تفجيره المدوي نحو مليوني طن من المياه إلى السماء، ثم سقطت على سطح الماء لتحدث أمواجا واضطرابات لم نألفها من قبل.

أما الاتحاد السوفياتي فقد قام بأول تجربة في كازاخستان، ثم أتبعها بتجارب نووية أخرى في البلدان المنضوية تحت راية الاتحاد. وسبب هذه التجارب كما تقول المؤرخة السوفياتية “زفيتلانا سافرانسكايا”، هو أن يكونوا ندا لأمريكا، لكيلا تملي شروطها عليهم.

“قنبلة القيصر”.. قاتلة فتاكة تبلغ ذروة سباق التسلح

لم يتوقف الأمر عند القنبلة النووية، بل تعدّاها إلى القنبلة الهيدروجينية التي تفكر الدول النووية بإنتاجها، فلقد قبضت المخابرات الفيدرالية الأمريكية على “كلاوس فوكس” بتهمة التجسس لمصلحة الاتحاد السوفياتي، وأودعته السجن لمدة أربع عشرة سنة.

كما هاجمت كوريا الشمالية -بدعم من الاتحاد السوفياتي- جارتها الجنوبية، ووضعت العالم في أخطار محتملة قد تتوسع إذا لم تهيمن الحكمة على أصحاب القرار في الدول النووية الكبرى.

مقارنة بين أوائل القنابل الذرية التي تم تصنيعها بين أمريكا وروسيا ومدى انفجارها في السماء

ثم انحسر دور “أوبنهايمر” تدريجيا إلى أن أُبعد عن السلطة نهائيا بعد أن قتلوه روحيا، لكن السباق لم يزل قائما، وكان مخزون أمريكا من الأسلحة النووية عام 1947 نحو 13 سلاحا، لكنه أصبح في عام 1953 نحو 11 ألف قطعة سلاح نووي. وفي نهاية السبعينيات وصل العدد إلى 31 ألف سلاح نووي، أما الآن فقد أصبح مجموع ما تملكه أمريكا وروسيا يصل إلى 60 ألف سلاح نووي وهيدروجيني، مما يكفي لإبادة الحياة على الكرة الأرضية بضع مرات، وربما نسف كوكب الأرض برمته.

وفي إطار سباق التسلّح بين الدول النووية، بلغ عدد أنواع الأسلحة النووية والهيدروجينية 36 نوعا، ففي أكتوبر/تشرين أول 1961 صنعت موسكو أكبر قنبلة في التاريخ، وهي “تسار بومبا” أو “قنبلة القيصر”، وقوتها 15 ميغا طن، أي 15 مليون طن من مادة الـ”تي إن تي”، وقد وصل الارتفاع الناجم عن انفجارها 64 كم وبعرض 40 كم.

وفي الإطار نفسه، أقدم رئيس الاتحاد السوفياتي “نيكيتا خروتشوف” على بناء أكبر قاعدة عسكرية في كوبا، وبعد أن بلغت الأزمة أشدّها قرر “خروتشوف” أن يزيل الصواريخ النووية الروسية من كوبا مقابل إزالة الرئيس الأمريكي “جون كينيدي” للصواريخ الأمريكية من حدود الاتحاد السوفياتي. ثم أعقبتها معاهدة حظر الأسلحة النووية بين البلدين والتقليل من إنتاجها.

إيقاف التجارب.. صرخة في عالم يتسابق إلى تدمير الكوكب

لم تتوقف قط مؤسسات المجتمع المدني عن التظاهر والاحتجاج، وربما تكون المرأة سباقة في هذا المضمار، فقد خرجت آلاف النساء في أوروبا وأمريكا وسواها من بلدان العالم المتقدم يطالبن الحكومات بعدم تزويد أطفالهن بالحليب الملوث بالإشعاعات النووية. ومع ذلك، لم تتوقف التجارب المخيفة تحت الأرض هذه المرة، حتى لَيُخيّلُ للمشاهد أن الأرض يمكن أن تنفلق ذات يوم.

رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف يوقعان معاهدة الحد من الأسلحة النووية في ديسمبر/كانون أول 1987

وقد بلغ عدد التجارب النووية التي أجريت تحت الأرض حوالي 200 تفجير منذ عام 1945 وحتى عام 1962، وكان العدد يتزايد بشكل مخيف.

وقد حثّ “غورباتشوف” نظيره الأمريكي “رونالد ريغان” على الحدّ من الأسلحة النووية وإنهائها إن أمكن، لكن حرب النجوم سرعان ما دهمت العالم، فالعلماء الأمريكيون متفوقون على نظرائهم الروس في هذا المضمار. بيدَ أن الذي منع الحرب كان سقوط جدار برلين عام 1991، وتفكيك “غورباتشوف” للاتحاد السوفياتي، فسَلِمت الأرضُ بعد أن كانت البشرية تحبس أنفاسها في الجهات الأربع للكرة الأرضية.

هناك سبعة بلدان الآن -غير أمريكا وروسيا- تمتلك الأسلحة النووية، وهي المملكة المتحدة وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل، علما بأن هناك عددا من دول الشرق الأوسط تفكر بحيازة القنبلة النووية مثل إيران وغيرها من البلدان ذات الطموحات النووية.