الإذاعة المصرية.. حضور يرفض الاندثار رغم طغيان الفضائيات

على أنغام مقاطع من مقدمات أقدم البرامج الإذاعية المصرية، ومن خلال تجوال بصريّ سريع في الشارع المصري بفلّاحيه وبائعيه ومواطنيه وعرباته المتجولة، وصُور قديمة وحديثة لعاصمة “أمّ الدنيا” مصر؛ يبدأ الفيلم الوثائقي الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية تحت عنوان “الإذاعة المصرية.. صوت بلدنا”.

يستعرض الفيلم تاريخ الإذاعة المصرية منذ أن كانت في شكل إذاعات أهلية يؤسسها الهواة وغير المحترفين، حتى تدخلت الحكومة ففرضت قيودا على موجات الأثير، واحتكرت وحدها إنشاء الإذاعات عبر إطلاق الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية عام 1934 بالتعاون مع شركة ماركوني الإنجليزية للاتصالات.

يرجع الفضل للإذاعة المصرية -وفق المتحدثين في الفيلم- في الارتقاء بالذوق العام، وذلك من خلال ما كانت تعرضه على أذن المستمع من موسيقى وغناء، فضلا عن أن أكبر وأشهر الفنانين المصريين وحتى قراء القرآن الكريم يضمرون لها الفضل في لمعان نجمهم.

خفَت نجم الإذاعة تدريجيا في ظل مواجهة شرسة أمام التلفاز، واستمرت الإذاعة المصرية في تحسين وتطوير نفسها كي تكون قادرة على المنافسة.

جاء عصر الفضاءات المفتوحة، وشارف على القضاء على ما تبقى من دور للإذاعة في المجتمع حتى ظن الجميع أنها قاربت على الاحتضار، لكنها أبت وظلت تصارع لتبقى حاضرة في أذهان وعقول وذكريات المصريين والعرب.

الشيخ محمد رفعت على الأثير

استيقظ المصريون على صوت الإذاعي الشهير أحمد سالم وهو يقول “هنا راديو الإذاعة اللاسلكية المصرية الملكيّة” في 31 مايو/أيار 1934، بعد ثلاث سنوات من صدور قرار حكومي مصري بوقف الإذاعات الأهلية. كانت هذه العبارة إيذانا ببدء بث الإذاعة المصرية، تبعها تلاوة من الذكر الحكيم للشيخ محمد رفعت رحمه الله، وسط احتفاء شعبي كبير.

بدأت الإذاعة تستقطب كبار الموسيقيّين في ذلك الوقت، مثل مدحت عاصم الذي بدأ بتشجيع كل المواهب أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، كما شجعت الإذاعة تشكيل فرق من هواة التمثيل، فكان لها السبق في الدراما الإذاعية.

بعض المسؤولين في الإذاعة “تشددوا في بعض المواقف” وأرادوا منع بث أغاني أم كلثوم، لكن الرئيس عبد الناصر لم يوافق على ذلك

يذكر المخرج الإذاعي الدكتور عادل جلال في هذا الصدد أن أول عمل درامي إذاعي كان مسلسل “حسن القرنفلي” والذي كان بمثابة مرآة تعكس الحياة المصرية، ثم ظهرت الصور الغنائية أو الاستعراض الغنائي مثل استعراض “الدوندورمة” الذي لقي نجاحا باهرا، وتؤكد ذلك الإذاعية فضيلة توفيق التي قالت إن الإذاعة اهتمت بتنشئة الجيل الصغير من خلال شخصيات إذاعية قريبة إلى القلوب مثل بابا شارو الذي كان يتحدث إلى الأطفال في برنامجه ويخاطبهم.

نقلة نوعيّة

كان العقد المبرم بين شركة ماركوني والإذاعة المصرية ينصّ على التوجه نحو إذاعة للترفيه والتسلية والابتعاد عن السياسة، إلا في مجال الأخبار والبيانات السياسية المهمة، والتعليق على الأنباء الواردة من الإذاعات الخارجية فقط.

لكن بعد مضي عشر سنوات، ضاق الإذاعيون المصريون ذرعا بتدخلات الخبراء الإنجليز في توجهات الإذاعة كما يقول رئيس شبكة صوت العرب عبد الرحمن رشاد، فقاموا بفسخ العقد المبرم مع الشركة الإنجليزية وبتمْصير جميع المواقع التي كانت تشغلها الشركة.

وصارت الإذاعة منبرا لكثير من الكتّاب الكبار أمثال طه حسين وعباس العقّاد، واستيقظت الروح الوطنية، ودعمت الاتجاه نحو الاستقلال، وصارت الإذاعة تبث القصائد الوطنية مثل قصيدة “أخي جاوز الظالمون المدي” التي غناها الفنان الكبير محمد عبد الوهاب.

عربة الإذاعة كانت تزاحم عربة الرئيس أثناء تنقلاته، وكانت تتابع حركة الضباط الأحرار في كل موقع

كما ساهمت الإذاعة بدعم الفدائيين في حرب فلسطين، وكانت تنقل أخبار الحرب والضباط، وبعد ثورة يوليو/تموز 1952 “تزوجت الإذاعة المصرية زواجا رسميا من السياسة”. ويذكر رئيس الإذاعة الأسبق حمدي الكنيسي أهمية الإعلام ودور الإذاعة في ذلك، ويقول “إن الرئيس عبد الناصر كان يتابع باهتمام ما يُذاع فيها”.

ويؤكد المتحدثون في الفيلم أن عربة الإذاعة كانت تزاحم عربة الرئيس أثناء تنقلاته، وكانت تتابع حركة الضباط الأحرار في كل موقع.

ويشار هنا إلى أن بعض المسؤولين في الإذاعة “تشددوا في بعض المواقف”، ومن أمثلة ذلك أنهم أرادوا منع بث أغاني أم كلثوم، لكن الرئيس عبد الناصر لم يوافق على ذلك.

خرج ميكرفون الإذاعة إلى الشارع ونبض الناس دون رقابة، وظهرت الأغاني الشعبية التي ارتبطت بالثورة، واستقطبت الإذاعة المصرية كل المواهب في العالم العربي مثل فيروز ووديع الصافي وسعاد محمد وفايزة أحمد.

عصر ذهبي

يقول المتحدثون في الفيلم إن الإذاعي الكبير أحمد طاهر كان له الفضل في توزيع أفكار جديدة على الإذاعيين، من مثل البرنامج الاجتماعي “على الناصية” للمذيعة المشهورة آمال فهمي الذي ظل لعشرات السنين أفضل برنامج إذاعي ميداني ينقل هموم الناس ومشاكلهم، كما استجدت كثير من البرامج بعد ثورة يوليو ولقيت نجاحا كبيرا وصنعت ما يسمى بالعصر الذهبي للإذاعة المصرية.

ثم بدأت بعض المسلسلات الاجتماعية والترفيهية، مثل مسلسل “سمارة” وهو من تأليف عبد المنعم السباعي ومحمود إسماعيل وإخراج يوسف الحطاب، وأصبحت هذه المسلسلات عشق الناس لدرجة أن الشوارع تفرغ منهم أثناء بثها.

أسس الرئيس عبد الناصر إذاعات موجّهة، وكان من أهم الإذاعات السياسية إذاعة “صوت العرب” من القاهرة، ويقول عنها رئيس الإذاعة العراقية موفق السامرائي الأسبق “إنها كانت مدرسة خاصة عملاقة، تعلمتُ فيها وشاركت فيها مع الراحل العملاق جلال معوض في حفل أم كلثوم التي غنت فيه راجعين بقوة السلاح، وسلو قلبي”.

نجحت إذاعة صوت العرب في جمع ملايين العرب على صوت المذيع الشهير أحمد سعيد حتى صار الراديو يسمى صندوق أحمد سعيد، ويقول عنه المتحدثون في الفيلم الوثائقي إنه كان يقدم الحقائق في زمن أكاذيب بعض الساسة في ذلك الوقت.

ساهمت إذاعة صوت العرب في حركات التحرر في كثير من البلاد العربية وفقا للمتحدثين في الفيلم، ولهذا “حوربت من قِبل الدول الاستعمارية وبعض الحكومات العميلة”.

خاطبت الإذاعة المصرية العالم الإسلامي عبر إذاعة القرآن الكريم التي تُعدّ أول إذاعة دينية، وكان لها دور كبير في توثيق القراءات لمشاهير القرّاء مثل الشيخ عبد الباسط، كما كان لها الفضل في نشر القرآن الكريم على مساحات واسعة من الوطن العربي.

الصدمة

كانت الإذاعة المصرية أول أهداف العدوان المحددة خلال العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، فأنشئت إذاعة بديلة وصارت إذاعات العرب الأخرى تبثّ باسم إذاعة صوت العرب من القاهرة كدليل واضح على الوحدة العربية الحقيقة.

أخذت الأغنية الوطنية المصرية إبّان العدوان دورها الكبير في الشارع المصري، وتكاتف فيها الشعراء والملحنون والمغنون أمثال صلاح شاهين وعبد الرحمن الأبنودي وعبد الحليم حافظ في أغنيته “ولا يهمك يا رَيّس”، لكن خلال نكسة 1967 كانت الإذاعة المصرية تُذيع بيانات عسكرية عن حقيقة ما يحدث، ويقوم المحللون بتحليل البيانات والأخبار بشكل معاكس لما هو في الواقع، مما تسبب في صدمة كبيرة للشارع المصري، ويظهر الفيلم هذا من خلال عرض خطاب الرئيس عبد الناصر الذي أعلن فيه تنحّيه عن منصبه.

يقول رئيس الإذاعة الأسبق عمر بطيشة إنه بعد نكسة 1967 “كُسر ظهر الإذاعة، وقُطع لسانها وفقدت مصداقيتها عند الناس”، ويتابع “أصبحنا في حيرة من أمرنا، لا ندري ماذا نفعل ولا كيف نتصرف ولا ماذا نقول للناس الذين وضعوا ثقتهم فينا”.

تعثّر ونهوض

يصف المخرج الإذاعي عادل جلال مرحلة ما بعد النكسة أنها كانت فترة عصيبة على الإذاعة، وكان يجب العبور منها بشكل أقل إيلاما، فكان لا بدّ من تقديم برامج ترفيهية خفيفة.

ظهر أول مسلسل من هذا النوع اسمه “شنبُه في المصيدة” لفؤاد المهندس وشويكار، وهنا يعلق بطيشة على أغنية المسلسل ويقول إنها صُممت على لحن أغنية وطنية كانت أيقونة للثورة وهو أغنية “بلدي يا بلدي” التي غناها عبد الحليم، ويتابع “كأننا كنا نجلد أنفسنا ونسخر من تراثنا وأغانينا الوطنية، ومن أي واحد يتشدق بالوطنية بعد هزيمة 67”.

ورغم هذا الاخفاق الذريع، فإن الإذاعة حرصت على النهوض مرة أخرى وجمع الناس حولها من جديد، فخرج عبد الحليم بالأغنية الشهيرة “عدّى النهار”، وبعدها أغنية “وجوه على الشط” للشاعر عبد الرحمن الأبنودي التي تحكي قصة المصريين الذين ظلوا في أرضهم على القنال رغم الحرب والضرب.

ظل الإعداد لحرب قادمة بشكل سري، وشكلت الإذاعة لجان طوارئ لأول مرة لهذا الغرض، حتى عبرت القوات المصرية في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وقرأ بيان العبور في ذلك الوقت صبري سلامة بطريقة واثقة، وقال فيه “نجحت قواتنا المسلحة في عبور قناة السويس على طول المواجهة، وتم الاستيلاء على منطقة الشاطئ الشرقي للقناة، وتواصل قواتنا حاليا قتالها مع العدو بنجاح”.

الإذاعة المصرية بقيت مسيطرة إلى أن ظهرت الفضائيات بداية التسعينيات

وهنا يشار إلى أن إذاعة تل أبيب –وفق بعض المتحدثين- سقطت في منزلق تزوير الصورة الحقيقية للأحداث في تلك الحرب، وصارت تستقصي الأخبار من خلال إذاعة صوت العرب.

وبعد صدور بيان النصر اجتمع عدد من الفنانين أمام الإذاعة ليقدموا أغاني وطنية ومن دون أجْر، ومنهم بليغ حمدي وعبد الحليم ووردة الجزائرية، فكان لأغانيهم الأثر الكبير على الجنود في المعركة.

ويذكر حمدي الكنيسي، وهو أحد الإذاعيين الذين شاركوا كمراسل حربي في برنامج مباشر اسمه “صوت المعركة”؛ كيف استثمر هذه المشاركة فيما بعد في كتاب ومسلسل اسمه “الطوفان”.

استمرت الإذاعة بعد حرب 1973 باتجاه ثقافي أكثر، وقدّمت برامج في هذا الصدد مثل برنامج نادية صالح رئيسة شبكة الشرق الأوسط “زيارة لمكتبة فلان”، حيث كانت تستضيف فيه كبار الفنانين مثل محمد عبد الوهاب، وتعرض لأهم الكتب التي يقتنيها.

وفي المجال التربوي تابعت الإذاعة نشاطها بشكل ملحوظ في برامج عديدة مثل برنامج أبلة فضيلة الذي كان يخاطب الأطفال.

إذاعة خفيفة رشيقة

واجهت الإذاعة بعض الصعوبات والتحديات نتيجة لاختلاف النهج السياسي وانحسار المد القومي العربي، لذا تحوّلت نوعاً ما إلى إذاعة محلية تخاطب الشعب المصري في مرحلة الثمانينيات، أي في عهد الرئيس محمد حسني مبارك.

بدأت البرامج تأخذ منحى آخر بعيدا عن السياسة المباشرة، وتتجه نحو القضايا الاجتماعية والثقافية التي تشغل المجتمع المصري والعربي، مثل برنامج “شاهد على العصر” للمذيع عمر بطيشة.

أما الدراما الإذاعية في الثمانينيات فكانت على أشدّها، وقدّمت برامج عديدة مثل برنامج “أغرب القضايا” و”حكايات الشعوب” لعبدو ذياب.

وتذكر رئيسة شبكة صوت العرب السابقة أمينة صبري أنه صار هناك توجه لاهتمامات الشباب بإذاعة خفيفة ورشيقة هي “إذاعة الشرق الأوسط”، وكانت إيناس جوهر أشهر مذيعاتها ونجحت باستقطاب جماهير الشباب ببرنامج “تسالي” الذي لعب دوراً كبيراً في إرساء إذاعة الشرق الأوسط على خريطة الإذاعات العربية.

ظلت الإذاعة المصرية مسيطرة إلى أن ظهرت الفضائيات بداية التسعينيات، وبدأ الشارع المصري يترك مُنتَج الإذاعة المصرية ويتجه نحو المنتج المتجدد من الفضائيات، مما وضع الإذاعة أو الراديو في مواجهة مباشرة وتحدٍ صريح.

ونتيجة لذلك ركّز الراديو على الأخبار والأغاني، وهذا ما أكده رئيس إذاعة مصر الأسبق طارق أبو السعود حيث يقول إن تجربة راديو مصر كانت تجربة جريئة وظهور إذاعات إف إم وراديو مصر وغيرها أرجع البريق إلى الراديو، وأعاد الناس لسماع الإذاعة من جديد.

ستبقى الإذاعة هي الأصل رغم التطور الشديد في مجال الفضائيات والتلفزة. ومع وجود وعي لضرورة التطوير “فلن تُقذف الإذاعة خارج التاريخ”، وستبقى الاذاعة المصرية حاضرة، لأن الإحساس قوي جدا بأنها صوت بلدنا، صوت مصر.