“الملك إدريس”.. كفاح الاستقلال وصراع المملكة وغدر العسكر

يصلح أن نطلق على ليبيا اسم “بلد التناقضات”، فمن ليبيا الشرق والغرب إلى ليبيا الملكية والجماهيرية، ومن بنغازي وطرابلس إلى الطرق الصوفية والدولة العثمانية، ومن فاشية إيطاليا إلى استعمار بريطانيا وفرنسا، ومن الفقر المعدِم قبل النفط إلى الغنى الطاغي بعده.

كل هذه التناقضات وغيرها يتعرَّض لها فيلم وثائقي بثته الجزيرة الفضائية تحت عنوان “الملك إدريس.. ليبيا”.

محمد بن علي.. رحلة لنشر الدعوة السنوسية

في أواخر القرن الثامن عشر كان محمد بن علي السنوسي يبحث عن مكان لنشر دعوته السنوسية، وخلال تنقله بين مستغانم -مسقط رأسه في الجزائر- والحجاز أقام في ليبيا وطاف بأقاليمها الثلاثة، فلم يجد مكانا لدعوته في طرابلس التي كانت تزخر بدور الصحافة والثقافة والتعليم، وهو ما لم يكن موجودا في الشرق الليبي ذي الطبيعة الصحراوية البسيطة، مما جعله مكانا هادئا لنشر دعوته.

يومها كانت طرابلس تحت السلطة العثمانية، وفيها المؤسسات ومظاهر الدولة القوية من جيش وشرطة، أما بُرقة فكان يمكن أن يطلق عليها “المنطقة السائبة”، ولم تكن فيها قيادة دينية عثمانية قوية، ما عدا في مراكز المدن مثل درنة وبنغازي، بينما كانت باقي المناطق لقبائل بدوية متحركة.

بدأ السنوسي بناء الزاوية السنوسية الأولى في البيضاء، وانتقل بعدها إلى الجغبوب، وهي واحة في شرق ليبيا قرب الحدود المصرية لتكون مهد دعوته في الشرق الليبي، فبنى فيها زاوية ومسجدا ومدرسة واتخذها العاصمة الأولى لدعوته، ومن هناك بدأ الإمام بوضع خارطة للزوايا التي سيبنيها، بدءا من الجبل الأخضر وباقي المناطق الليبية إلى تشاد وشمال غرب السودان، حتى صار عدد الزوايا حوالي 330 زاوية.

كان السنوسي يأتي بصغار الأفارقة إلى الجغبوب ويعلمهم أصول الطريقة، ثم يرسلهم إلى بلادهم لينشروا دعوته بلسان قومهم، إلى أن نال شعبية جماهيرية منقطعة النظير في سائر مناطق برقة؛ ذلك أنه أرسى قواعد الأمن والأمان في هذه الصحاري، وقضى على اللصوص وقطاع الطرق، فازدهرت التجارة والزراعة وعمّ الاستقرار، فأحبه الناس.

معسكر بريطاني لاعتقال الثوار السنوسيين التابعين للدولة العثمانية

أحمد الشريف السنوسي.. ملاعب أسنة الفرنسيين والإيطاليين والإنجليز

اصطبغت أسرة السنوسي بهالة من القدسية وانتقلت هذه القداسة إلى أفراد عائلته من بعده، ومنهم الملك إدريس فيما بعد، وهو الذي أعد دينيا وعلميا وسياسيا ليكون صاحب شأن في قابل الأيام، ولما مات والده الشيخ محمد بن علي السنوسي كان إدريس قاصرا في ذلك الوقت، فانتقل لواء الدعوة والجهاد إلى ابن عمه أحمد الشريف السنوسي، وذلك في العام 1902.

كان أحمد الشريف مقاتلا شرسا ضد الفرنسيين الذين تقدموا إلى ليبيا من وسط صحراء أفريقيا وتشاد، وقد وجد الفرنسيون في الدعوة السنوسية عائقا ضد تقدمهم في أفريقيا، فناصبوها العداء وهدموا الكثير من زواياها، حتى وصلوا واحة الكفرة معقل السنوسيين عام 1909، حيث كان الشاب الأمير إدريس السنوسي يعيش تلك الأحداث هناك.

تلقى أحمد الشريف النصائح لطلب النجدة من المندوب السامي البريطاني “كتشنر” في مصر، الأمر الذي وقع بالفعل، وقام “كتشنر” بالاتصال بالفرنسيين وتهديدهم، حتى توقفوا فعلا عن مهاجمة منطقة الكفرة.

في عام 1912 تخلت السلطنة العثمانية عن ليبيا لصالح إيطاليا حسب بنود اتفاقية لوزان، فتوجه أحمد الشريف إلى الجغبوب لإدارة مقاومة الاستعمار من هناك، بينما تحرك الأمير إدريس إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، مرورا بمصر حيث كانت رحلة استكشافية وسياسية، ولم تقتصر على الحج فقط.

أثناء رحلته السنوسي إلى الحج، اندلعت الحرب العالمية الثانية، فكان يقود بلده من المنفى

رحلة الحج.. ولي فيها مآرب أخرى

خلال رحلته إلى الحج التقى الأمير إدريس في مصر بالخديوي، وفي الشام كان الوالي التركي بانتظاره، وفي الحجاز كان اجتماعه بالشريف حسين بن علي، وخلال هذه الرحلة الطويلة اندلعت الحرب العالمية الأولى، وعايش إدريس الرؤى المختلفة حول الحرب، وتحديدا الموقفين التركي والإنجليزي اللذين كانا يمثلان أهم قوتين في المنطقة العربية.

وفي طريق عودته حرص الشاب إدريس على لقاء الإنجليز في مصر، حيث بحث العلاقات السنوسية الإنجليزية مع الجنرال “ماكسويل” قائد القوات البريطانية في مصر، ومساعده العقيد “كلايتون”، وتطرق البحث إلى نقاش العلاقات السنوسية مع الأتراك والإيطاليين، وكان الموقف القاطع لدى الإنجليز هو قطع العلاقات مع الأتراك نهائيا، والوقوف في صف الإنجليز أو على الحياد.

لم يعط إدريس وعودا قاطعة للإنجليز، وأخبرهم بأنه سينقل تصوراتهم لأحمد الشريف بصفته القائد الفعلي للدعوة السنوسية، وقد كان همُّ الإنجليز الأكبر تحييد هذه القوة الفاعلة على الحدود الغربية مع مصر، أو كسب ودها لصدّ أي تحركات التفافية من الأتراك ضد الوجود الإنجليزي في مصر.

اتفاقية الرجمة أعطت اعترافا من قبل الطليان للسنوسي حاكما على مملكة ليبيا

حصار الشرق وغزو الشمال.. ليبيا بين فكي الكماشة

كان أحمد الشريف على وعي تام بقوة الإنجليز وتمكنهم من مصر، ولم يكن يرغب في فتح معركة معهم، بينما كانت إيطاليا تهدد وجوده من جهة الشمال الليبي، ولكن ولاءه للسلطة العثمانية اضطره لخوض معركة خاسرة مع الإنجليز، جعلته قوة خائرة بين فكّي كماشة لا ترحم، الإنجليز من الشرق والطليان من الشمال، حيث أغلقت في وجهه حدود مصر، مما يعني قطع الأرزاق والإمدادات العسكرية.

هذا الوضع المتأزم في الشرق الليبي، إضافة إلى مطاردة أحمد الشريف في أعماق الصحراء دعا شيوخ قبائل برقة إلى مناشدة إدريس ليتولى قيادة الحركة السنوسية، والتدخل لدى الإنجليز لفتح الحدود المصرية، وكان هنالك اتفاق مسبق بين الإنجليز والطليان بأن لا ينفرد أي طرف بعقد اتفاق مع السنوسي إلا بعلم الطرف الآخر وموافقته.

يقول مؤرخون إنه بدا واضحا عدم اتفاق وجهات النظر بين إدريس وأحمد الشريف، وأن إدريس كان جانحا للدبلوماسية والسلام سواء مع الطليان أو الإنجليز، وبهذا تلاقت مصالح هاتين القوتين على إبراز مكانة إدريس في منطقة برقة.

إمارة أجدابيا.. وباء الفاشية الإيطالية يضرب ليبيا

بعد الهزائم التي تلقتها إيطاليا في أوروبا توصلت إلى اتفاق مع غرب ليبيا على حكومة طرابلسية برئاستها، وإمارة في أجدابيا تحت قيادة الأمير إدريس.

حددت اتفاقية الرجمة منطقتي نفوذ في برقة؛ الساحلية منها تحت الإدارة الإيطالية، والداخلية بإدارة السنوسيين. وبهذا أمَّن الطليان مؤقتا هدوءا نسبيا في ليبيا، واطمأن الإنجليز إلى حدود مصر الغربية، وفُتحت الحدود مع ليبيا وانتعش الاقتصاد الليبي من جديد، وعادت الحياة إلى الإنسان الليبي في الشرق.

في العام 1921 وصل الحزب الفاشي إلى قيادة إيطاليا، مما أحدث تغييرا جذريا على سياستها في ليبيا، فتنصلت من اتفاقاتها مع الغرب الليبي، وذلك ما دفع قيادات طرابلس إلى عقد مؤتمر في سِرت ناشدوا فيه الأمير إدريس لمبايعته ملكا لعموم ليبيا، فقبل الأمير مبدئيا وطلب منهم إمهاله حتى يجتمع مع وزير المستعمرات الإيطالي، لكن الرد الإيطالي جاء صاعقا بالرفض المطلق لمبادرة توحيد البلاد هذه.

عمر المختار يقود المجاهدين ضد الاستعمار الطلياني إلى أن تم اعتقاله وإعدامه سنة 1932 وبه انتهت فصول الثورة

أسد الصحراء.. عمر المختار قائدا للمجاهدين

أدرك الأمير إدريس أن إلغاء الطليان اتفاقية الرجمة بات مسألة وقت، فغادر إلى مصر في 1922، وفوَّض أخاه الرضا في إدارة شؤون برقة، وأسند إلى عمر المختار مسؤولية قيادة المجاهدين في الشرق، وقد أحدث رحيل الأمير إلى مصر فراغا سياسيا وخيبة أمل لدى الطرابلسيين الذين اعتبروا هذه الخطوة بمثابة نقض للبيعة التي أعطوها للأمير.

رأى محللون غربيون أن هذه الخطوة تتماهى مع شخصية الأمير الدبلوماسية، فهو بنظرهم ليس رجل حرب، ولا قبل له بمقارعة إيطاليا، بينما برر الأمير خطوته بأنها رحلة علاج لا غير، ولكن الواضح أن الأمير قرر اعتزال السياسة (أو فُرِض عليه ذلك)، واختار القاهرة منفى اختياريا له.

في الشرق الليبي قاد عمر المختار المجاهدين في حرب عصابات ضد المحتل الإيطالي، وأبلى بلاء حسنا طيلة عشر سنوات من الجهاد، وأمده أهل برقة بما يملكون من المال والعتاد.

وقد حولت إيطاليا برقة إلى سجن جماعي كبير وارتكبت فيها فظائع يندى لها جبين البشرية، وانتهت المقاومة سنة 1931 باعتقال عمر المختار ورفاقه، وتقديمه لمحاكمة صورية ميدانية، حكم عليه خلالها بالإعدام شنقا.

حاول الأمير السنوسي مهادنة الإنجليز، إلا أن الذين أعطوه العهد من الليبيين في ذلك لم يتجاوزوا الأربعين رجلا

نبش قبر السنوسي.. عبث الاحتلال بالأحياء والأموات

امتد الحقد الإيطالي إلى المساجد والزوايا السنوسية فهدموا الكثير منها، وفي الكفرة هدموا الزاوية التي فيها رفات الإمام السنوسي والد إدريس وأحرقوا مكتبتها وعاثوا فيها خرابا، حتى تركها أهلها ولجأوا إلى مصر، ومن بينهم فاطمة بنت أحمد الشريف التي انضمت إلى ابن عمها إدريس في مصر وأصبحت زوجة له.

كان الأمير في منفاه أثناء الحرب العالمية الثانية يقلِّب أمور السياسة في بلده، وراقت له فكرة أن يتحالف مع الإنجليز في حربهم ضد الفاشية والنازية، على أن يعطوه وعدا بأن لا تعود برقة إلى يد الإيطاليين مرة ثانية، وعندما أعطوه الوعد بدأ بتشكيل نواة قوة عربية في شرق ليبيا لدعم الإنجليز وطلب من الطرابلسيين المشاركة، إلا أنهم رفضوا ولم يستجب منهم إلا أربعون رجلا.

بعد دحر الطليان إبان انتهاء الحرب العالمية الثانية أعلن الأمير السنوسي استقلال برقة

غدر الإنجليز.. ذيل الكلب الذي لا يستقيم

عاد إدريس إلى برقة في عام 1944 وذلك بعد انتصار الحلفاء الساحق على إيطاليا وألمانيا، وبعد شهادة الإنجليز بأنه لولا القوة العربية في صحراء ليبيا لما تمكنوا من دحر الطليان. وزار الأمير القرى وشيوخ القبائل، وطلب عقد مؤتمر توافقي في منطقة القيقب، وقد صدر عنه اتفاق “الحرابي” الذي دعا إلى عدم إثارة أي نزاعات أو قلاقل بخصوص ملكية الأراضي والآبار، وتأجيل ذلك إلى ما بعد الاستقلال.

لكن بريطانيا كعادتها راوغت في تنفيذ تعهداتها، وبدا وكأن البلاد قد انتقلت من إدارة محتل إيطالي إلى إدارة محتلين جدد من الإنجليز والفرنسيين، وشعر الأمير أن الإنجليز خانوه كما خانوا الشريف حسين من قبل.

تململ أحرار ليبيا مجددا مطالبين بالاستقلال، وزاد الطين بلّة صدور مشروع “بيفن-سفورزا” (وزير الخارجية البريطاني “إرنست بيفن” ونظيره الإيطالي “كارلو سفورزا”) الذي دعا إلى وضع ليبيا تحت الوصاية الدولية مدة عشر سنوات قبل نيلها الاستقلال.

قرار أممي بمنح الاستقلال والسيادة لليبيا الموحدة بحلول 1952 وبقيادة الأمير محمد بن إدريس السنوسي

إعلان استقلال برقة.. نواة ميلاد المملكة

سكب صدور مشروع “بيفن-سفورزا” الزيت على النار، فقد رفض الأمير إدريس وجميع الليبيين الوصاية الدولية على وطنهم، وطالبوا بالاستقلال الفوري. وكان لسقوط مشروع القرار في الأمم المتحدة صدى مدوٍّ في الأوساط الليبية، وسرّع من وتيرة المطالبة بالاستقلال، مما اضطر السلطات البريطانية إلى منح برقة حكما ذاتيا بقيادة الأمير إدريس.

في الأول من يونيو/حزيران 1949 أعلن الأمير إدريس من قصر المنار في بنغازي استقلال برقة، وذيَّل خطابه بالدعاء لأهل طرابلس لأن ينالوا الاستقلال مثل برقة، ثم تتوحد البلاد كلها تحت قيادة واحدة، وهنا ثارت ثائرة “جمعية عمر المختار” وقالوا: لا استقلال مزيفا حتى تعود طرابلس إلى حضن الوطن، ولا نفرح وأهل طرابلس في حزن.

فيما بعد استقلال برقة لاقت التطمينات التي أرسلها الأمير تجاه طرابلس قبولا لدى كثير من الطرابلسيين، الأمر الذي حدا بزعماء طرابلس -وعلى رأسهم بشير السعدواي- إلى تجديد البيعة للأمير إدريس طمعا في بذل جهد لاستقلال طرابلس.

وفي 21 نوفمبر/تشرين ثاني 1949 قادت جهود الوفد المشترك من شرق ليبيا وغربها في الأمم المتحدة إلى استصدار قرار أممي بمنح الاستقلال والسيادة لليبيا الموحدة بحلول فاتح كانون الثاني/ يناير 1952. وقد عينت الأمم المتحدة الدبلوماسي الهولندي “أدريان بيلت” مفوضا للإشراف على إعداد ليبيا للاستقلال.

في عهده، ازدهر التعليم والصناعة واستجلبت العقول الليبية إلى بلدها

المملكة الليبية المتحدة.. نهضة من بين ركام الاحتلال والفقر

لقد كانت ليبيا في أبعد حالاتها عن أن تكون دولة مستقلة ذاتية الاعتماد، فالبلاد خارجة من حرب عالمية واحتلال أجنبي، وفقر شديد وإمكانيات اقتصادية وعلمية متخلفة جدا، وهذا ما دعا الأمير إدريس لاستهاض همم الليبيين ودعوة العقول الليبية المهاجرة لإعادة إعمار بلدهم.

نجحت الجهود الليبية بقيادة إدريس في جعل البلاد مؤهلة للاستقلال، فتكونت الهيئات والمؤسسات والوزارات والحكومة الاتحادية، ثم جاء خطاب الملك إدريس المشهور في بنغازي، ليقول لليبيين إن المحافظة على الاستقلال أصعب من نيله، فقد كان الملك الجديد يدرك صعوبة التحديات التي ستواجهه، وأن صيحات الفرح والترحيب في كل أنحاء ليبيا يجب أن لا تغطي على الوجه المجدب الحقيقي للبلاد.

اختار الملك إدريس محمود المنتصر من طرابلس كأول رئيس لحكومة المملكة الليبية المتحدة، وواجه الانتقادات اللاذعة من أول يوم، كونه اختار رجالا كانوا قد خدموا في مؤسسات الاحتلال الإيطالي، ولكن الملك فرض المصالحة الوطنية بالقوة، وأقنع الأطراف أن هؤلاء الرجال على دراية بإدارة الدولة الحديثة بفضل ما لديهم من الخبرات السابقة مع الأوروبيين.

تحالفات القوى العظمى.. بناء الخزينة الوطنية

وجّه الملك أنظاره من أول يوم إلى بريطانيا لتكون حليفه الاستراتيجي ضد تدخلات الدول الكبرى، ومنحها وجودا عسكريا على أرض بلاده على شكل قواعد عسكرية لمدة عشرين عاما، مقابل أن تدفع بريطانيا للخزانة الليبية ما مقداره 2.75 مليون جنيه استرليني، ثم عقد اتفاقية مماثلة مع الأمريكيين.

أثارت هذه الاتفاقيات حنق الشباب الليبي الذي كان متأثرا آنذاك بثورة عبد الناصر في مصر، وبدعاة القومية العربية في العراق، ولكن هاتين الدولتين العربيتين الكبيرتين لم تقدما للشعب الليبي ما كان يطمح إليه من دعم، وبالرغم من الغضب الشعبي، فإن هذه المعاهدات هي التي وفرت ضخ المال اللازم لإقامة المشاريع التنموية في البلاد، حتى ظهر النفط بعد عشر سنوات من الاستقلال.

أنشأ الملك المدارس وافتتح الجامعة الليبية، وافتتح كلية عسكرية كبواكير لمشروع الدولة الفتية التي نالت استقلالها في العام 1951، وكان تركيزه الرئيسي على الصحة والتعليم، وأنتجت هذه المرحلة رجالا في ريعان النضج السياسي والأكاديمي والمهني. يقول أحد المؤرخين الليبيين: ولولا انقلاب العسكر عام 1969 لكانت ليبيا الآن في مقدمة الدول العربية بلا منازع.

اكتشف النفط مؤخرا في ليبيا، وبدأت الخزينة بالاستفادة من العائدات في أواخر 1964، ولكن نهضة البلاد وتطوير التعليم ورفاهية المواطن الليبي لا تتم بين عشية وضحاها، فقد جاءت ثورة العسكر لتقضي على حلم النهضة، وتنسب إنجازات الحقبة الملكية لها.

اغتيال ابراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية، على يد أحد أفراد الأسرة السنوسية يثير غضب الملك ويأمر بإعدام القاتل

ملك بلا حاشية.. غدر داخل العائلة المالكة

غضب الملك عندما اغتيل إبراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية، على يد أحد أفراد الأسرة السنوسية، وهو الشريف محيي الدين السنوسي عام 1954، وقد هزت الحادثة البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وأوجدت حالة من الشقاق داخل الأسرة المالكة، وعلى إثر الحادثة قرر الملك إبعاد جميع أفراد أسرته السنوسية، وتحديد إقامتهم وتحركاتهم، وأصابته حالة من عدم الثقة في كل من حوله، وأصبح يفكر في الاستقالة.

كان الشلحي بمثابة الابن المتبنى للملك إذ أن إدريس لم ينجب أولادا، فعيّن أخاه الرضا وليا للعهد، ولكن الأخير سارع إليه أجله بعد سنتين فقط من ولاية العهد، فجمع الملك مستشاريه ليستطلع رأيهم في اختيار ولي عهد جديد، فأشار إليه مصطفى بن حليم باختيار أحد أفراد الأسرة السنوسية وتدريبه على الحكم، أو التحول إلى نظام رئاسي جمهوري، وهو الأمر الذي انفرجت له أسارير الملك.

لكن هذا المقترح لم يكن ليمرَّ بالسلاسة التي تمناها الملك، خصوصا في ظل معارضة البرقاويين لهذا المقترح الذي سيسلبهم الكثير من الامتيازات السياسية التي اكتسبوها بفضل وجود الملك بينهم، فهرعوا إلى التوافد عليه لثنيه عن قراره حتى استجاب لهم أخيرا وطلب من بن حليم رئيس الوزراء آنذاك إلغاء القرار، وبهذا تتقرر حقيقة مفادها أن الملك كان ضعيفا كرجل دولة، كما أفاد بذلك أكثر المؤرخين.

السنوسي وعبد الناصر بعيد العدوان الثلاثي على مصر، حيث نفى استعمال بريطانيا للقواعد الليبية لضرب مصر

العدوان الثلاثي.. لعب القومية العربية على أوتار العواطف

في العام 19٥٦ تواطأت بريطانيا وفرنسا مع العدو الصهيوني على ضرب مصر فيما عرف بالعدوان الثلاثي، وأثار هذا العدوان سخط الجماهير العربية ضد الإنجليز، وارتفعت على إثره شعبية عبد الناصر كزعيم قومي ثائر، واتجهت أنظار الساخطين العرب إلى ليبيا وملكها بحجة أن الطيران البريطاني كان ينطلق من القواعد على أرض ليبيا، فبلغ الشقاق بين طرابلس وبنغازي مداه.

واصلت وسائل الإعلام المصري التحريض ضد الملك إدريس وحكومته، وذلك على الرغم من نفي الملك القاطع استخدام القواعد في ليبيا لضرب مصر، وعلى الرغم من تأكيد عبد الناصر في خطاب له من بورسعيد أن ليبيا بقيادة ملكها قد منعت البريطانيين من ضرب مصر عبر أراضيها، ففي الوقت نفسه كان مجرد انتقاد عبد الناصر للقواعد البريطانية في ليبيا كفيلا باشتعال نار الغضب هناك.

خطاب تنازل الإدريس السنوسي عن حكم ليبيا سنة 1964

استقالة الملك.. زهد في المملكة ورغبة في النظام الجمهوري

مع اضطرام نار المظاهرات ضد الوجود العسكري البريطاني في ليبيا، هددت حكومة محمود المنتصر بإلغاء المعاهدة مع بريطانيا، الأمر الذي اعتبره الملك انفرادا بالقرار على غير رغبته، فقرر الاستقالة، وإرجاع البيعة للشعب الليبي، ولكن الشعب ثار ضد الاستقالة وخرج في مظاهرات تطالب بعودة الملك، بل وبتنحي المنتصر وحكومته، وهكذا عاد الملك للمرة الثانية.

في العودة الثانية وافق الملك على دراسة مقترحات إلغاء الاتفاقية، وكلف رجل برقة القوي حسين مازق ليرأس الحكومة الجديدة، وقد تعامل مع الجماهير بحنكة متناهية وأعاد ضبط الأمور في البلاد بحكمة بالغة، ولكن لم تكد تمضي بضعة شهور أخرى حتى تقدم الملك باستقالة ثالثة، وطلب من مازق أن يعرضها على البرلمان، لكن مازق أخفى خطاب الاستقالة دون عرضه على البرلمان.

عاد الملك ليطرح تغيير النظام الملكي إلى جمهوري، فرفض مازق أن يكون أداة لتمرير هذا التحول، فما كان من الملك إلا أن استدعى بن حليم والمنتصر لصياغة مشروع التحول، واستدعى سفراء بريطانيا والولايات المتحدة لإخبارهم بذلك. وقام حسين مازق بتسريب القرار إلى أهالي برقة مرة أخرى، فخرجوا في مظاهرات جديدة تدعم استمرار الملك، بل وتخوّن المنتصر وبن حليم.

اعتزل الملك في قصره، وأصابه الوهن الشديد والكآبة الضيقة، ليس لكبر سنه، بل لعجزه عن تغيير الواقع وقمع الفساد المستشري في حاشيته، وخصوصا من أبناء الشلحي المقتول، وكان صوت الجماهير المطالبة بمحاربة الفساد يقرع آذانه خلف الجدران، وكان شغور الكرسي من بعده يؤرق مضجعه، فلا ولد له يخلفه في المحافظة على مُلك أسرة عريقة، ولا أحد من أبناء هذه الأسرة يصلح للاستخلاف.

بعيد هجرة الملك إلى اليونان انقلب القذافي على الملكية وعاث في ليبيا الفساد، كما هو ديدن العسكر

انقلاب القذافي.. منفى في مصر ومدفن في المدينة المنورة

في أغسطس/آب من عام 1969 حزم الملك أمتعته وتوجه إلى اليونان، في رحلة قال عنها إنها علاجية، ومن هناك أرسل استقالته وتنازله عن عرش ليبيا، وقبل عرض الاستقالة على البرلمان بيوم واحد قامت مجموعة من صغار ضباط الجيش يترأسهم معمر القذافي بإعلان الانقلاب على النظام الملكي، واستقبل الشعب بفرح عارم أنباء (الثورة) دون علمهم بمن نفذها إلا بعد أسبوع من الانقلاب.

ونقل مقربون من الملك أنه رحّب بالانقلاب، وكان راضيا بما اختاره الشعب لنفسه، وكان الملك من الطيبة والصلاح بحيث أنه لم يستغل الاتفاقية مع الإنجليز لصالح استعادة ملكه، فقد كانت القوات البريطانية موجودة بقوة في طبرق، وكانت على أهبة الاستعداد للقضاء على الانقلاب خلال ساعات، ولكن الملك الزاهد في الحكم لم يرد ذلك.

قامت تركيا بسداد نفقات الفندق الذي شغله الملك في مدينة بورصة التركية وتكفلت بنفقات ترحيله إلى منفاه الأخير في مصر. أما القذافي فقد عطّل كل ما يمت للسنوسية بصلة في ليبيا، واستبدل العلم الليبي الملكي بآخر جديد.

توفي الملك إدريس السنوسي في منفاه بمصر في 25 أيار/ مايو 1983، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، وبعد أربعة عقود أسقط الليبيون نظام القذافي وأعادوا علم الاستقلال من جديد.