كتاب “المحنة”.. فصل جديد من فتنة خلْق القرآن

بعد أربع سنوات من البحث، قدم المفكر الفلسطيني الدكتور فهمي جدعان دراسته التي حملت عنوان “المحنة.. بحث في جدلية الديني والسياسي” في أيار/مايو 1989، في كتاب مكون من مقدمة ومدخل وخمسة فصول، وقد عرض فيه وقائع محنة خلق القرآن في إطارها الزمني، وتصاعدها حتى انتهائها زمن الخليفة المتوكل، ليثير البحث نقاشا واسعا بين المهتمين بدراسة التاريخ الإسلامي، وتحديدا محنة خلق القرآن التي اعتبرت من أعقد الجدليات في تراث المسلمين.

وقد عقدت قناة الجزيرة الفضائية حلقة نقاشية هامة، من خلال برنامجها “خارج النص”، واستضافت فيها ثلة من الأساتذة المتخصصين في مجال العقيدة والتاريخ، ليقوموا بإثراء النقاش في هذه الجدلية التاريخية المهمة.

إيقاظ صراعات الماضي.. تحدي البداهات

يقول الدكتور فهمي جدعان: وأنا إذ أخوض هذه المعركة، أعرف أن “البداهات” هي خصمي اللدود فيها، وأسير عكس التيار، وذلك عند أمرين على الأقل، الأول: أنني أنأى بالمعتزلة نأيا تاما عن شبهة الامتحان التي نُسبت إليهم، والثاني: النظر في مسألة المحنة، لا على أنها مسألة اعتقادية كلامية، بقدر ما هي سياسية عن علاقة السلطة بالآخر.

الباحث الفلسطيني فهمي جدعان يثير قضية المعتزلة بعد قرون من موتها بين أرفف التاريخ

قال عنه نارت قاخون، الباحث في التاريخ والفكر الإسلامي: “الكتاب تلقَّاه جمهرة من الباحثين بقبول حسن، لا سيما المختصين في الشأن الفكري”، أما الدكتور عطا الله المعايطة، أستاذ العقيدة والمذاهب والأديان، فقال: “العجيب أن الذين يكتبون بهذه الطريقة يناصرون المتناقضات، وإذا جاءوا عند أهل السلف وقفوا لهم بالعداء، فهي طريقة انتقائية ظالمة ليس لها ميزان من العدل، وهذا مع الأسف ما رأيته في بحث الدكتور فهمي”.

تبرئة المعتزلة.. قلب الطاولة على المسلّمات

يقول الدكتور إبراهيم عوض، أستاذ النقد بجامعة عين شمس: الكتاب محاولة لتبرئة أهل الاعتزال من تحمل تبعة المحنة، ومن الممكن أن يكون كلامه صحيحا من الناحية البحثية والاستقصائية حسب مصادره، ولكننا أيضا نجد في المصادر المعتبرة أن كثيرا من أهل الاعتزال كتبوا صراحة في خلق القرآن، ومنهم الجاحظ.

طرحت الدراسة أفكارا جديدة تنسف السائد والمتداول حول محنة خلق القرآن، وتقلب الطاولة على ما شاع في الحقل العلمي حول المحنة، من روايات رآها جدعان ضعيفة، ورأى أن الدارسين أخذوها بالاعتبار، كنوع من الكسل العقلي، والركون إلى السهل المتداول.

وضع الباحثون المعاصرون على المعتزلة هالة من القداسة، وكأنهم أمناء القرآن وحراس العقيدة

ويدافع د. قاخون عن مدرسة الاعتزال بقوله: “المحنة تعبير عما آلت إليه الأمور، ولكن الدكتور جدعان تناول قضية خلق القرآن من بداياتها، وكأنها كانت ثورة ضد ما كان يتعرض له الإسلام من هجمة من أهل الديانات الأخرى، وخصوصا من المسيحية، التي تصدى لها المعتزلة في وقت راج فيه أنهم كانوا يتلقون دعما من السلطة السياسية.

إشراك قديم مع الله.. حرب المعتزلة وأهل الحديث

يتحدث الكتاب عن المعتزلة من وجهة نظر الباحثين المعاصرين، وكيف انتصروا لهم حتى أنهم أسبغوا عليهم هالة من القداسة، وكأنهم أمناء القرآن والحراس على العقيدة، وأن النكبة التي حلت بهم في القرن الثالث الهجري، إنما كانت نكبة على الإسلام بعامة.

الدكتور عبد الرحمن سالم، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، يوضح الجدلية الأساسية التي قامت عليها فكرة الاعتزال: من الأصول الخمسة عند المعتزلة أصل التوحيد، فإن قلتَ بقدم القرآن فأنت أشركت مع الله قديما آخر، وهذا يعني عندهم نفي التوحيد الذي هو الكفر، فخرجوا من هذا المأزق بفرضية خلق القرآن.

رغم أن المأمون لم يكن يحمل فكر المعتزلة إلا لأنه كان فكرا سائدا، ومع ذلك دافع عنه ضد المعارضين

بدوره يدافع الدكتور قاخون مرة أخرى عن المعتزلة بقوله: لم يكن المعتزلة أول من قال بخلق القرآن، ولم يكونوا وحدهم، بل سبقهم إلى ذلك شخصيات وجماعات قالوا بهذا القول، ولكن يُنسب الفضل للمعتزلة أنهم أسسوا لهذا القول، ونافحوا عنه وجادلوا، ودحضوا حجج الخصوم، فيما كان مضيّقا على من سواهم.

من جانبه يقول الدكتور عبد الكريم وريكات، رئيس قسم أصول الدين بالجامعة الأردنية: يحاول الدكتور جدعان الدفاع عن المعتزلة في قضية المحنة، ولكن الثابت للأسف أنهم كانوا قد تورطوا فيها بالقول والفعل، ودانوا بعقيدة خلق القرآن ومارسوها عمليا تحت حماية السلطة السياسية.

خلْق القرآن.. شطرنج المأمون التي لاعبت الدين والسياسة

يحاول الدكتور قاخون أن يصور النزاع بين المأمون وأهل الحديث على أنه صراع سياسي، فيقول: المأمون هو أحد أهم خلفاء الدولة العباسية، وكان مثقفا وواسع الاطلاع، وكانت له آراء ومعتقدات فكرية وفلسفية، وكان يرى بصفته صاحب السلطة السياسية أن الفقهاء وأهل الحديث ينازعونه السلطة على قلوب العامة.

لكن يرد عليه في هذه النظرية الدكتور المعايطة قائلا: ليس صحيحا، فالذين قوضوا الدولة العباسية، هم المتشيّعة وأهل الطوائف الباطنية الأخرى، الفاطميون والبويهيون وغيرهم كأمثلة، ولم يأتها الخطر من أهل السنة والحديث قط، ولم يُسند الدكتور جدعان قوله بأي دليل علمي.

سُجن الإمام أحمد بن حنبل وجُلد بالسياط لكنه بقي ثابتا على موقفه من فتنة خلق القرآن

وعن دور الخليفة المأمون في دعم الاعتزال، يقول الدكتور الوريكات: أراد المأمون بسلطانه السياسي واعتقاده الاعتزالي أن يزاوج بين سطوته وفكره، فمكن للمعتزلة أن يدعوا إلى مذهبهم، وقمع غيرهم من المعارضين. والدكتور جدعان يريد أن يقول إن المأمون كرجل سلطة، وخليفة للمسلمين كان أكبر من أن يكون معتزليا أو سلفيا، أو منتسبا لأي من الطوائف الفكرية التي سادت في ذلك الوقت، وهذا قول ليس له ما يعضده تاريخيا أو علميا.

محنة الإمام أحمد.. دراما الخيال السني

كان المعتزلة صوت الدولة في ذلك الوقت، وإن كان الدكتور حسن حنفي الكاتب والمفكر يرى غير ذلك، فهو لا يحب أن يضع كل المعتزلة في بوتقة واحدة؛ فبعضهم مثل عباد بن سليمان كان يُكفّر من يجالس السلطان، حتى يبعدهم عن القصر.

يرى الدكتور جدعان في كتابه أن محنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لم تكن بتلك الجسامة والدرامية كما صورها الخيال السُنّي، وأنها لا تقارن بغيره ممن تعرضوا للمحنة ذاتها.

يوظف كثير من الساسة العرب الدين ورجالاته لمصالحهم بالفتاوى التي تثبّت عروشهم وتمنع انتقادهم

ويوضح الدكتور وريكات أن: الدكتور جدعان يحاول أن يصور ابن حنبل بأنه كان معارضا سياسيا للسلطة في ذلك الوقت، وأن السلطة قهرته من أجل التفاف العامة حوله، وهذا خطأ، فابن حنبل وغيره من علماء السلف لم يكونوا غالبا ضد السلطة الزمنية، ولم يؤثر عنهم أنهم عارضوا من أجل المعارضة، ولكن مسألة علمية وعقدية كهذه لا يمكن لرمز من رموز السنة أن يسكت عنها، كائنا من كان قائلها.

بيدق الدين في السياسة.. ركن السلطان الأعظم

جدلية الديني والسياسي، جدلية عصرية حداثية، فحبّ الناس للدين والتفافهم حوله أوجد سلطة سياسية تعتمد على هذا العنصر وتستمد شرعيتها منه وتزين سلطانه به وتبرر أفعالها بنصوصه، وجاء الفصل الخامس بهذا العنوان ليكون الغاية والهدف الرئيس لهذا الكتاب، فالعلاقة بين الدين والسياسة هي علاقة ظرفية، وإن الانفكاك بين الدين والسياسة أو ما يسمى بـ”العلمانية” كان في الأديان والمعتقدات الأخرى أيسر بكثير منه في الحالة الإسلامية.

أصبح الدين في عصرنا الحديث كالأيديولوجيا ألعوبة في يد الحكام وسلاحا ضد المعارضة

وهنا يوضح الدكتور عوض أن: الإسلام دين سياسي، وليس دينا أخلاقيا فقط، إذ يدخل في السياسة والاقتصاد والمعاملات اليومية والأخلاق، فيتحدث عن البيع والشراء والخمور والزنى، وكل مفردات الحياة اليومية للفرد والجماعة. والعلاقة بين السلطان والعلماء تكون متوازنة، فهو يطلب منهم المشورة، وهم يقدمون له النصح، وتكون الكارثة إذا أخضعهم السلطان قسرا لطاعته، أو إن هم زينوا له تزلفا.

“الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض”

يرى بعض النقاد المعاصرين أن الدين اليوم مثل الأيديولوجيا؛ ألعوبة في يد الحكام يسلطه ضد معارضيه، وقد وظّف الكثير من السياسيين الدين في خدمتهم، فعلماء السلطان ووزراء الأوقاف يقرأون توجهات الحاكم ثم يستنبطون من الدين النصوص المناسبة لها. فتراهم يصدرون الفتاوى في المسألة ونقيضها، وذلك بين عشية وضحاها، إذا رأى الحاكم أن يغير سياسته في مسألة ما، وهذا ظاهر للعيان في دول معاصرة مثل السعودية وإيران.

كما ينظر الكتاب إلى “أهل الدين” كونهم قوة موازية للسلطان، فالدولة ممثلة بالملك أو السلطان تطلب الطاعة لنفسها حتى تكون مستقرة ومستمرة، وأهل الدين يطلبون الطاعة لله والرسول ويطلبون السلطة للدين، وهم أصحاب كلمة “الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض”، كما قال سفيان الثوري.

هل بقي من المعتزلة أحد يدافع عن أفكارها، أم أنها انقرضت واندثرت مع التاريخ؟

وفي هذا السياق يقول الدكتور سالم: لا يوجد رجال دين في الإسلام، ولا توجد دولة دينية في الإسلام، إلا دولة الملالي في العقيدة الشيعية، ولكن الدولة في الإسلام مدنية، وحاكمها مدني، يطبق معايير الإسلام في الحكم؛ كالعدل والمساواة والشورى، والحاكم في الإسلام مسؤول أمام الرعية، والرعية تراقب الحاكم، وهذه المعايير تشترك فيها الدولة المسلمة مع كثير من الدول غيرها.

إفراط الترف الفكري.. ماذا بقي من المعتزلة؟

يتساءل الدكتور المعايطة: ماذا بقي من المعتزلة؟ ما بقي إلا مثل هذه الكتابات التي تصاغ في الغرب، ويُستجدى بها ويستعطف منظرو الغرب والسلاطين والحكام، ولكن ليس لها أثر في بيوتنا ولا عند والدينا وأولادنا ولا طلابنا في الجامعات.

بينما يثني الدكتور عوض على الكتاب ويقول: هو جهد علمي مقدر، فيه بحث وتعب، وفيه مراجع ومنهج علمي، وفيه دراسة معمقة للتاريخ والآراء، ولكن ليس شرطا أن نوافق الكاتب على كل ما ذهب إليه.

وفي كلمة أخيرة للدكتور قاخون قال فيها: الكتاب رغم طبعاته المتعددة، ونسخه التي نفدت، فإنه لم يلق الاهتمام اللائق من قبل النقاد والدارسين، ولم يتحول إلى حالة ونموذج في دراسة الإشكالية المرتبطة بتراثنا وفكرنا وواقعنا.