“كاليدونيا مَظلمة النفي”.. جريمة فرنسا العابرة للأجيال والقارات

بعد 58 عاما من استقلال الجزائر، ما زال المخيال الجمعي لأبناء البلد يستحضر ويلات الاحتلال الفرنسي، وكلما طوى صفحة سوداء من هذا التاريخ الهمجي ظهرت صفحات أخرى أكثر قتامة.

في هذا التقرير نقف على حدث دامٍ قد لا يكون كثيرون سمعوا به، ولكن من شاهدوا الفيلم الذي عرضته الجزيرة الوثائقية بعنوان “كاليدونيا.. مَظلمة النفي” سيعرفون بالتأكيد مدى بشاعة وجه الاحتلال.

 

مقاومة الاحتلال.. سفينة الثوار إلى المنفى

واجه الاحتلال الفرنسي في الجزائر موجات متعددة من المقاومة الشعبية هناك، وذلك على مدى وجوده على التراب الجزائري لمدة زادت عن 130 عاما، وقد كانت هذه المقاومة تدفعه في كثير من الأحيان إلى التصرف بجنون وبشاعة منقطعة النظير.

وصل القمع الفرنسي حدودا لا توصف، ولعل أقساها هو انتزاع أكثر من ألفي مقاوم من أرضهم وإلقاؤهم في جزيرة نائية وسط المحيط الهادي على بعد أكثر من 22 ألف كيلومتر من أرض الوطن.

هناك في “كاليدونيا الجديدة” شرق أستراليا، وبعد 150 عاما يتحدث أحفاد هؤلاء المنفيين عن المعاناة والحنين إلى الوطن، إذ لم تبق لهم إلا ذكريات شحيحة تركها لهم الآباء والأجداد.

ثلاثية القتل والاعتقال والنفي.. أسلحة الاحتلال ضد الثورة

كانت بداية القصة من قلعة بني عباس، موطن الشيخ المجاهد محمد المقراني وأخيه أحمد بومزراق، فقد عاث الاحتلال الفرنسي فيها فسادا ذات يوم أسود من عام 1871، يومها تواصل الشيخ المقراني مع الشيخ الحداد إمام الزاوية الرحمانية يستحثه على الجهاد لطرد المحتل الفرنسي من البلاد، وقد كان للشيخ الحداد قاعدة جماهيرية عريضة استجابت لنداء الجهاد.

معسكرات الاحتلال الفرنسي في الجزائر تستهدف المقاومين وتنفيهم بعيدا عن بلدهم

وفي قرية صدّوق وقف الشيخ الحداد على المنبر وحوله جموع المتطوعين ولوّح بعصاه في الهواء وقال قولته المشهورة: “سنلقي بفرنسا خارج بلادنا كما ألقي بهذه العصا”. وبدوره جمع المقراني حوله ثمانية آلاف مجاهد وتوجه بهم إلى قرية البرج حيث مقر القيادة العسكرية لقوات الاحتلال الفرنسي.

لكن القوات الفرنسية واجهت ثورة المقراني والحداد بآلة عسكرية شرسة ونيران همجية كثيفة، فانهارت قوى المقاومة الشعبية بعد شهرين من المقاومة الجريئة في العام 1871، وقد استشهد القائد المقراني بينما اعتقل الشيخ مزيان الحداد ليرتقي بعدها شهيدا داخل سجون الاحتلال.

وقد عمدت قوات الاحتلال إلى أسلوب قمعي جديد للانتقام من هؤلاء المجاهدين الثائرين، وهو النفي إلى جزيرة كاليدونيا الجديدة، وهي إحدى مستعمرات فرنسا في المحيط الهادي.

ميناء قسنطينة.. آخر ما رأت أعين الثوار

في ميناء قسنطينة ظهر جميع المجاهدين يتقدمهم الشيخ بومزراق المقراني شقيق القائد الشهيد، ونجلا الشيح الحداد والمئات من المجاهدين الأشداء، ليجري نقلهم إلى الموانئ الفرنسية وتبدأ منها رحلة الموت والعذاب إلى المجهول فيما وراء المحيطات.

2106 من المعتقلين الجزائريين مع آلاف من غير الجزائريين من المعتقلين الفرنسيين وغيرهم، نقلوا جميعا من ميناء تولون الفرنسي، بدءاً من شهر يونيو/حزيران من العام 1873، وعلى فترات متباعدة حتى نهاية القرن التاسع عشر، وقد كان زادهم خلال رحلة الموت والمجهول هذه هو التمر والماء فقط.

آلة القتل الفرنسية الوحشية عملت عملها في الشعب الجزائري من غير رحمة ولا إنسانية على مدى 132 سنة

لقد درس المحتل الفرنسي بعناية الشخصيات التي قرر نفيها، وكانوا من علية القوم وشيوخ الجزائر ووجهائها من الشرق والغرب إلى الشمال والجنوب، وكان هدف فرنسا ضرب البنية الاجتماعية والدينية في الجزائر وتفتيتها.

وفي أثناء الرحلة نفد طعام المنفيين، فعرض عليهم البحارة الفرنسيون لحم الخنزير، ولكنهم جميعا رفضوه رفضاً قاطعا حتى مات منهم عدد غير قليل بسبب الجوع، وكانوا يُصلّون على الجنائز على ظهر الباخرة ثم يرمونهم في البحر، وقد وصل الناجون منهم إلى أصقاع بعيدة غير مأهولة لا تصلح للحياة الآدمية، بعيدين عن الأهل والديار، ولا أمل لهم بتاتا في العودة.

“كان والدي يصف الجزائر بأنها جنة الدنيا”.. المنفى الوراثي

يائيل بوفناش أحد أحفاد المنفيين كان في الميناء ينتظر فريق الفيلم لينقلهم إلى مكان في الجزيرة، والذي يفترض أنه أول ما وقعت عليه أعين أجداده من المنفيين.

هذه إذن كاليدونيا الجديدة وعاصمتها نوميا، وهي مستعمرة فرنسية في قلب المحيط الهادي، وتقع شرق أستراليا على مساحة 19 ألف كيلومتر مربع، وقد احتلتها فرنسا عام 1853، ويبلغ عدد سكانها اليوم نحو 250 ألفا، منهم حوالي 20 ألفا من أحفاد الجزائريين المنفيين.

ما يزال الحنين إلى الجزائر مشتعلا في صدور أهل كاليدونيا المهاجرين

ثم يلتقي مع غي مولان رئيس بلدية بوراي السابق في كاليدونيا، وهو أيضا من أحفاد الجزائريين، ويقول إن والدته هي ابنة رابح بن عمار الجزائري المنفي، أما أبوه ففرنسي. يقول مولان: بفضل البرامج والتقارير الصحفية استطعنا أن نعرف حجم المعاناة التي تعرض لها أجدادنا منذ وطئت أقدامهم أرض هذه الجزيرة، فقد عاشوا ظروفا غير إنسانية لا تمت بصلة إلى المدنية التي تتغنى بها فرنسا.

أما حليمة جون، وهي حفيدة أحد الجزائريين المنفيين كذلك، فتقول: كان والدي يصف الجزائر بأنها جنة الدنيا وأجمل بلاد العالم، والغريب أنه لم ير الجزائر في حياته قط. ولا تتمالك حليمة نفسها من البكاء بمرارة، وهي تقول بصوت متهدج: نعم هي في الحقيقة كذلك، لأن القلب هو من يتحدث عنها لا العين.

لعبة قمار الموت.. أن تحفر حفرتك لتقتل فيها بدم بارد

يتحدث لوسيان علي بن أحمد عن معاناة الشيوخ المنفيين كما كان يصفها له أبوه، فقد كان الحراس الفرنسيون يأمرونهم بحفر حفرٍ متعددة بينما يلعب الحراس القمار، وكان الفائز يأمر جزائريا أن يقف في إحدى الحفر بحيث يكون نصفه الأعلى باديا، ثم يقوم بتسديد بندقيته وإطلاق الرصاص عليه، وقتله بدم بارد كمكافأة على فوزه باللعب.

أما الذين نجوا منهم من الموت وأمضوا فترة السجن، فقد كان الفرنسيون يعطونهم قطعة أرض ويقولون لأحدهم: هذا مصيرك هنا فصارع أو كافح من أجله، ولكن لا تحلم مطلقا بالعودة إلى بلدك.

الشيخ الحداد يطوّح بعصاه في الهواء ويقول قولته المشهورة: “سنلقي بفرنسا خارج بلادنا كما ألقي بهذه العصا”

ويتحدث الحاج كوكا عن محاولة جده العودة إلى الجزائر حيث يقول: بعد أن أمضى جدي فترة سجنه في الجزيرة جمع مبلغا من المال وتوجه برفقة جدتي إلى نوميا، حيث ستبحر باخرة من هناك إلى فرنسا، ولكن المرض داهمه قبل أن يحجز تذكرته، واضطرت جدتي لمرافقته إلى المستشفى الوحيد هناك حتى قضى نحبه، وطوت جدتي فكرة العودة لكونها لا تعرف أحداً في الجزائر. ويضيف: على الرغم من ذلك فأنا جزائري وأفتخر، ولن أنسى بلدي وموطن أجدادي ما حييت.

يعيش أغلب الجزائريين في منطقة “بوراي”، ويتوزع القليل منهم في “نوميا” ومناطق أخرى، وقد جلبهم الاحتلال الفرنسي لإعمار الجزيرة الخالية، وجلب معهم الكثير من المسجونين في فرنسا، وكذلك النساء اللاتي كنّ في دور التربية والرعاية، وحصل التزاوج على أرض الجزيرة بين هؤلاء المنفيين من كل الأجناس، فتزوج الجزائريون من هؤلاء الفرنسيات.

أمواج التغريب العاتية.. تحديات التشبث بالهوية

استطاع كثير من الجزائريين المنفيين أن يحافظوا على هويتهم الجزائرية وسموا أولادهم بأسماء عربية، ولكن البعض منهم -تحت ضغط محاربتهم في الرزق ومطاردتهم في عيشهم- كانوا يسمون أبناءهم بأسماء فرنسية.

تقول حليمة: لولا تضامنهم وتكاتفهم لما نجا منهم أحد، كانوا يتقاسمون المأكل والملبس، ويوزع أحدهم ما يكسبه على جيرانه وأصدقائه حتى يستفيدوا جميعا. وتضيف: أفتخر بأنني حفيدة هؤلاء القوم الكرام، وأنظر إلى هذا البحر العظيم بعين الأمل، لعل يوما قريبا يأتي وأركب هذا البحر عائدة إلى أرض الأجداد.

في وسط المحيط، انقطع الطعام، وكانت مجاعة مات فيها كثيرون خصوصا بعد أن رفضوا جميعا أكل الخنزير

اليوم صار أحفاد المنبوذين في هذه الجزيرة يتحدثون عن جذورهم وثقافاتهم المختلفة، فهؤلاء البولونيزيون (بولينيزيا: منطقة شاسعة من أوقيانوسيا في المحيط الهادئ) وأولئك الفيتناميون، وقد آن لأحفاد الجزائريين أن يفعلوا الشيء نفسه.

هذه لوسات فاطمة أوهيبة تبدأ رحلة البحث عن جذورها، ولا تتمالك نفسها من البكاء وهي تتحدث عن تلك الشجرة الباسقة التي يدفعها المحتلون بكل قواهم ليقتلعوها من جذورها، ولكنها تأبى الانصياع.

تتحدث فاطمة بحسرة عن أمها الفرنسية التي كانت تمنعها من رؤية أبيها الجزائري، فقد حرمتها بذلك من تعلم اللغة العربية، ولكن الحنين يدفعها إلى أرض الآباء والأجداد، إذ تقول: حتى لو كنت منقطعة النسب عن الجزائريين فإنني ما زلت متصلة جدا بأرض الوطن.

“يعلموننا عن الإغريق والفرنسيين، ولا يعلموننا عن الجزائر”

أصبح الأحفاد شيوخا مسنين ولكنهم ما زالوا يحنون إلى الوطن، وما زالت حروف العربية الركيكة تجري على ألسنتهم، يذهبون إلى المسجد الصغير، ويحاولون تعلُّم القرآن وبعض الكلمات بالعربية، فحتى وإن اختلطت أنسابهم بغير العرب، فإن أكثرهم ما زال يعتبر نفسه عربيا أصيلا.

تعرض الجزائريون المنفيون -وما زال أحفادهم كذلك- لشتى أنواع التمييز العنصري، فحتى وإن أصبح اليوم بعض الأحفاد من ذوي البشرة البيضاء والعيون الزرقاء، فإن أصولهم تدل عليهم، مما يعرضهم دائما للتنمر والازدراء.

حين هجّر الاحتلال الفرنسي الجزائريين إلى كاليدونيا، كانت أرضا مقفرة لا زرع فيها ولا ضرع

وعن هذا تقول “ناتالي عيفة”: في المدارس يعلموننا عن تاريخ الإغريق والفرنسيين، ولا يعلموننا عن الجزائر أو أي بلد آخر، كان هذا يزعجني بشكل كبير، وقررت -بعد أن تعرفت على عمي- أن أذهب بنفسي إلى الجزائر وأدرس تاريخها، وفعلا سافرت ووصلت إلى عائلتي هناك، كانت لحظة فارقة في حياتي كلها.

ويشرح “كريستوفر سوند” مدى الألم الذي اعتصر قلبه عندما رأى الجزائر البيضاء للوهلة الأولى من نافذة الطائرة وهي تحط في مطار الجزائر، إذ يقول: “تذكرت جدي، حيث كان هذا آخر منظر شاهده قبل أن يلقوا به في قعر السفينة وينقلوه إلى كاليدونيا”. ولكنه يضيف بأن رحلته الرمزية إلى الجزائر كانت بمثابة رحلة العمر.

“هذه أرض جدك”.. إرث الحنين المنتقل عبر الأجيال

تتعدد قصص المنفيين عن الوطن فتختلف تفاصيلها وتتشابه ملامحها، وهذه قصة أخرى من قصص اللقاء بعد الفراق يرويها نذير بوفناش عندما التقى في الجزائر بأكثر من مئتي شخص من عائلة بوفناش التي ينتمي إليها، يقول: التقيت شيخا طاعنا وأشار بعصاه إلى قطعة أرض وقال لي: هذه أرض جدك، لم أتمالك نفسي من البكاء، واعتملت في نفسي عواطف مختلطة من الفرح والحزن والضحك والبكاء، كأنني رأيت جدي خلف هذه الأطلال المهدمة.

ما يزال أهل كاليدونيا يحتفظون بصور جدودهم الجزائرين ويفتخرون بأصولهم العربية

في قصة حصولها على الجواز الجزائري، تقول ناتالي عيفة: كان الفرنسيون يرفضون منحي تأشيرة، لكنني ناضلت من أجل حقي وقابلت أربعين نائبا، وقد قلت لهم: أعطوني تفسيرا واحدا، لماذا تركتم جدي في عرض البحر؟ وحتى يتفادوا الإجابة منحوني التأشيرة، وبهذا فتحت جسراً لكل من كان يرغب في زيارة الجزائر.

لكن رئيس بلدية بوراي لم يحالفه التوفيق الذي حالف ناتالي، فلم يكن له أقارب لصيقون من الجزائر كي يتعرفوا عليه ويرسلوا للسلطات الفرنسية رسالة التوصية المطلوبة، وهكذا تقطعت به السبل بين الإدارة الجزائرية العقيمة والروتين الفرنسي القاتل، ولم يحصل على جواز سفر جزائري.

هنالك بلدة أخرى على الجزيرة يقطنها كثير من الجزائريين، وهي منطقة نيساديو، حيث يقطن عبد القادر بوفناش الذي يتحدث عن تقاليد الجزائريين هناك، فما زالوا يحافظون على تراث أجدادهم في عاداتهم اليومية مثل ركوب الخيل وسباقاتها، وكذلك تناول الطعام مجتمعين في المساء، وهم إضافة إلى ذلك يحاولون جاهدين الحفاظ على الشعائر الإسلامية، وإن كان الكثير منهم قد فرط فيها.

من المسجد إلى المقبرة.. غرس تراث الأجداد في نفوس الأحفاد

يحرص ميلود بن صالح على زيارة المقبرة في نيساديو، ليحيي ذكرى آباءه وأجداده الذين قضوا هنا وواراهم تراب هذه المقبرة، ويصطحب معه أولاده حتى يبقوا على اتصال بجذورهم ويحفظوا تقاليد الأجداد. وكان أحد الجزائريين المنفيين قد تبرع بأرض هذه المقبرة من ملكه الخاص، أما البلدية فليس لها أي تدخل أو وصاية على هذه المقبرة، وإنما هو جهد أبناء نيساديو من الجزائريين.

استطاع المسلمون الجزائريون بعد قدوم الإندونيسيين بناء مسجد أسموه المركز الإسلامي

وبينما كان عبد القادر بوفناش يمشي بين القبور، ذرفت عيناه وهو يشير إلى أحدها قائلا هذا قبر جدي، ويتلفت يمنة ويسرة ويقول وهنا أبي، وهنا أخي، وهنا يرقد أخي الثاني، وهذا قبري، سأرقد هنا عندما يشاء الله، ثم تخنقه العبرات ويسكت مليا.

بعدها يستعيد الشيخ السبعيني شيئا من رباطة جأشه ليقول: عادت إلينا الهوية والروح الوطنية أكثر من أي وقت مضى، ورجع الكثير منا إلى تعاليم دينه، فترى الشباب يصلون ويصومون ويحجون البيت.

بسبب التمييز والعنصرية كان كثير من الجزائريين في كاليدونيا يخفون أسماءهم وأصولهم العربية من أجل الحصول على وظيفة، أو الحصول على عضوية في صناديق التأمينات الاجتماعية، ولكن مع تقدم الوقت وانفتاح العالم على تفاصيل ما يحدث في هذه الجزر المعزولة، صارت الأمور أكثر يسرا، والحصول على الحقوق أقرب من أي وقت مضى.

يقول رئيس بلدية بوراي: إذا سألتني عن الأولويات التي نطلبها من السلطات الجزائرية، فعلى رأسها توفير مدرسين للغة العربية هنا، نحن أحسن استثمار للحكومة الجزائرية إذا رغبت في الاستثمار بنا، نحن أبناؤها وعليها أن تعلمنا كيف نتحدث مع أهلنا هناك. بينما يطمع مسعود محمد في العودة إلى الجزائر هو وأطفاله ويتشبث بهويته المسلمة الجزائرية ولا يرضى عنها بديلا.

كي لا يسرقها المحتل الفرنسي.. حماية الهوية الجزائرية الإسلامية

على الرغم من الحنين إلى الوطن الأم، فقد عاش الناس حياتهم الطبيعية على أرض الجزيرة، فلهم نشاطاتهم التجارية والمهنية والاجتماعية، ولهم فرقهم الرياضية والفنية والتعاونية، ويجتمعون في المناسبات الدينية والاجتماعية، ويحرص “يائيل بوفناش” على تعلم القرآن الكريم، ليكون إماما لهم في الصلاة.

تضاعف عدد المسلمين بعدما توافد الإندونيسيون على الجزيرة، ويسعى الجزائريون إلى الطلب من الرئيس الفرنسي ليسمح لهم بإنشاء “دار الجزائر” في كاليدونيا، على غرار “دار كاليدونيا” في فرنسا. وفي عهد حكومة “شارل باسكوا” واجهتهم صعوبة في إنشاء المسجد وتسميته مسجدا، فقد كانت هذه الكلمة تخيف الحكومة، فعمدوا إلى تسميته بالمركز الثقافي الإسلامي.

على الرغم من أن الجزائريين في كاليدونيا لم يروا الجزائر قط ولا يعرفون فيها أحدا، لكنهم يجدون لها حنينا في قلوبهم

وعن الأولويات يقول “كريستوفر سوند”: هدفنا الحفاظ على الهوية، والحفاظ على المكتسبات، والتعايش مع الآخر وتعظيم مساحات التوافق، وتقليل فرص التناقض، ثم التواصل مع الوطن الأم، ولا ننسى الأجداد الذين كانوا سببا في وجودنا، كما لا ننسى معاناتهم والسنوات العجاف التي عاشوها في السجون والمنافي، ونتذكر دائما أنهم حفظوا حقوق الأمة من أن يسرقها المحتل الفرنسي.

تجدر الإشارة إلى أن الشيخ بومزراق المقراني عاد إلى الجزائر بعد أن أمضى مدة نفيه في كاليدونيا وهي ثلاثين عاما، وتوفي في وطنه في عام 1904.

أما ابنا الشيخ الحداد فقد هربا من الجزيرة في السنوات الأولى لنفيهما، فتوجه الأول إلى مكة المكرمة وتوفي هناك، بينما حاول الثاني الوصول إلى الجزائر عن طريق فرنسا، ولكن وافاه الأجل في باريس فدفن هناك، ثم نقل جثمانه إلى الجزائر.