“السرقة من الساراسين”.. ألوان العمارة الأموية التي تزين كنائس أوروبا

ينبهر كثيرون بالعمارة الأوروبية على مرّ تاريخها، ويقصدها السياح من جميع أنحاء العالم للتعرف على أهم جوانب الحضارة الأوروبية، ولكن هل تلك المباني منجزات أوروبية خالصة؟ قد تبدو الإجابة صادمة لكثيرين، فهذه المعالم المعمارية الشهيرة تدين بكثير لحضارة ما يعرف الآن بالشرق الأوسط، وتحديدا الحضارة الإسلامية.

 

جاء كتاب “السرقة من الساراسين.. كيف شكّلت العمارة الإسلامية أوروبا” في زمن تتعالى فيه أصوات اليمين المتطرف، ويعاني فيه مسلمو أوروبا من تصاعد حدّة الإسلاموفوبيا، وبرز من تحت رماد نيران منتصف أبريل/نيسان 2019 في كاتدرائية نوتردام بباريس، في تلك الليلة صدم العالم بألسنة اللهب تلتهمها. ودخلت الأمة الفرنسية بأسرها في حالة حداد أدهشت الجميع.

مؤلفة الكتاب “ديانا دارك” مستشرقة إنجليزية درست العربية في أوكسفورد، وقضت مدة متنقلة بين دمشق ولندن، ولها مؤلفات أخرى ومقالات متخصصة، مما يضفي على كتابها أهمية خاصة. وقد استضافتها قناة الجزيرة، مع نخبة مختارة من المتخصصين في فن العمارة، في حلقة متميزة من برنامج “خارج النص” حملت عنوان الكتاب.

آثار الشرق المنسية.. رثاء جماعي لأيقونة المعمار الأوربية

تقول المؤلفة “ديانا دارك” عن سبب تأليف الكتاب: عندما شاهدت دخول العالم بأسره في حالة من الرثاء الجماعي حزنا على التهام ألسنة اللهب هوية فرنسا قلت في نفسي: لحظة، كيف تطلقون على ذلك الهوية الفرنسية؟ تدركون أن معظم العناصر المتضمنة في تلك الكاتدرائية القوطية الجميلة جاءت في الحقيقة إلى فرنسا من العالم الإسلامي؟

كتاب “السرقة من الساراسين.. وكيف شكّلت العمارة الإسلامية أوروبا”

ويقول “بيتر غوردون” الصحفي والكاتب البريطاني: انطلقت “دارك” لإثبات أن كل شيء تقريبا مما نعتبره أيقونة للفن المعماري القوطي مرّ أصلا بالشرق الأوسط، وهذا يشمل الأقواس المدببة التي يمكن اعتبارها أهم العلامات المميزة للكتدرائيات القوطية، إلى القباب والمضلعات وشبابيك الزجاج الملون، وكثير من الأثاث والزينة الموجودة على الكاتدرائية وأرضياتها.

كما يؤكد “آرون بيتسكي” مدير مدرسة الهندسة المعمارية في لندن على أهمية الكتاب قائلا: يقدم الكتاب خدمة عظيمة، إذ يذكرنا بحقيقة أن ثمة كثيرا مما نظنه عمارة غربية، ويشار إليه هذه الأيام باعتباره سدا واقيا ضد الشرق الأوسط، بينما هو في الواقع أتانا من هناك.

أما “روان مور” الصحفي الناقد فقال: يسرد الكتاب حكاية مهمة، وليست جديدة، فالمؤلفة تقول إن “كريستوفر رين” اكتشف ذلك قبل 300 عام، ولكن لا أظن أن الكثيرين يدركون حقيقة أن المعمار القوطي يدين بالكثير لمعالم مختلفة في سوريا وشمال أفريقيا وإسبانيا الإسلامية.

رمزية العمارة الأوروبية.. كتاب أغضب المؤسسة الذكورية البيضاء

ارتبطت العمارة الكنسيّة في كل أنحاء أوروبا بشكل وثيق بالنمط القوطي المحبوب جدا والمكتنز، ولكن ماذا لو كان ذلك النمط القوطي المتشابك، والمرتبط ارتباطا وثيقا بالكاثوليكية، مستوحى في حقيقة الأمر من العمارة الإسلامية؟ سوف يعني ذلك أن المسلمين كانوا هم مصدر الإلهام لما تعتبره المسيحية صيغتها المعمارية الخاصة بها، ولكانت تلك حقيقة غير مريحة على الإطلاق.

مؤلفة كتاب “السرقة من الساراسين” ديانا دارك

تَعتبِر بعض الدوائر السياسية الكنيسةَ الكاثوليكية وكياناتها سدا منيعا في وجه ما يعرف بالإسلاموية الصاعدة. وسيكون من غير المريح أن تحتوي هذه المباني على مصادر أتت من بلدان إسلامية، وتحديدا من مساجد. وهنالك من يصوّر العمارة الأوروبية بأنها الرمز الدال على الثقافة المسيحية الغربية، ويرونها متفوقة على غيرها، والحقيقة أنه لا توجد ثقافة واحدة تملك حصريا هذه العمارة.

وعن ردود الفعل على صدور الكتاب تقول المؤلفة: حظي الكتاب إجمالا باستقبال جيد في العالم الإسلامي، وما لاحظته هو أن الناس الأصغر في الغرب كانوا منفتحين جدا على ما قلته، وحظيت بردود إيجابية جدا، أما التعليقات السلبية فجاءت من كبار السن، أو المؤسسة البيضاء الذكورية في الغرب، وهم الذين نشأوا في ثقافة ترى أن أوروبا هي مركز الحضارة.

تهمة السرقة.. عبارة خشنة تزعج المعارضين

حول عنوان الكتاب تقول “ديانا”: اختير العنوان بعناية فائقة، فكلمة “ساراسين” مأخوذة من معنى السرقة بالعربية، وكان الأوروبيون يطلقونها على المسلمين، فأحبت أن أقول للأوروبيين إنهم هم الذين سرقوا من المسلمين.

التشابه الكبير في الأقواس بين جامع حلب ودير وستمنستر ببريطانيا

بالمجمل، جلبت كلمة “سرقة” مواقف متضادة، فالمؤيدون يعتبرونها تنبيهية لأولئك الذين يغفلون عن تأثير الآخر، والمعارضون يحبون استخدام كلمات أخف حدة، مثل “اقتباس”.

يعلق فيصل ديفجي أستاذ التاريخ في جامعة أوكسفورد على العنوان قائلا: أحيانا قد يخدم عنوانٌ مثل “السرقة من الساراسين” الكتابَ، وقد لا يخدمه، وهذا ما انطبق على هذا الكتاب، فالناس شغلهم العنوان.

أما المعماري رائد أرناؤوط فيقول: كلمة “سرقة” مبالغٌ بها، هو اقتباس بين الشرق والغرب. لقد أخذوا من الشرق وكان لهم مدخلات زادوها لينتجوا منتَجا غربيا جديدا.

كاتدرائية نوتردام.. بصمات الكنائس البيزنطية والعمارة الأموية

جاء في الكتاب: من الضروري رؤية الصورة داخل الإطار، والإقرار بأن كثيرا من مواصفات العمارة الإسلامية نمت من التراث البيزنطي الذي كان ما يزال حيا، والتراث البيزنطي والمسيحي العربي نفسه نما من الإرث الروماني في منطقة شرقي المتوسط، كل شيء يبنى على ما سبقه ويتأثر به، لا شيء يظهر فجأة من فراغ.

كاتدرائية نوتردام بباريس.. هل سرقت زخرفتها من الفن الإسلامي؟

وعندما وصل الأمويون إلى سوريا كان فيها الكثير من العمارة من الاحتلال الروماني، وكذلك من العمارة البيزنطية المسيحية المبكرة، ثم أخذ الأمويون كثيرا من الأفكار وطوروها. فثمة إذن حكاية ثنائية الاتجاه، فالكتاب يتحدث عن مؤثرات ما قبل الإسلام التي ما لبثت أن شقت طريقها عبر المعماريين المسلمين لتصل إلى التقاليد الغربية.

تبدأ التأثيرات الشرقية على المعمار القوطي من سوريا فيما يعرف بالمدن المنسية، وهي مجموعة من المدن والقرى الأثرية تمتد على مساحة 6000 كم مربع، وقد بُنيت بين القرنين الأول والسابع الميلاديين.

ويتابع الكتاب: ينبثق التصميم المعماري لنوتردام -مثلها مثل الكاتدرائيات القوطية في أوروبا- مباشرة من كنيسة قلب اللوزة السورية في القرن الخامس الميلادي. جلب الصليبيون مفهوم البرج المزدوج المحاذي لنافذة الورد إلى أوروبا في القرن الثاني عشر.

التشابه بين أقواس كاتدرائية نوتردام بباريس وبين كنيسة قلب لوزة بحلب

وتقدم المؤلفة “ديانا” حجة دامغة بأحد أفضل الأمثلة، وهو ذلك القوس المدبب الذي يعود إلى زمن مبكر من الفترة الإسلامية، ثم شوهد في أوروبا الغربية.

وتتابع المؤلفة قائلة: العنصر الوحيد الذي دخل إلى العمارة القوطية من كنيسة قلب اللوزة السورية، هو البرج المزدوج بمحاذاة مدخل الصرح، وجميع العناصر الأخرى جاءت من العهد الأموي وما بعده، فعندما جاءت أول سلالة مسلمة وهم الأمويون، قاموا باستملاك ما كان موجودا آنذاك، وتبنوا العمارة المسيحية وتأثروا بها، مثل (قلب اللوزة)، فاستوعبوا ذلك وطوروه إلى أنماط جديدة.

قبة الصخرة.. إبداعات تزين درّة المعمار الإسلامي

جاء في الكتاب عن قبة الصخرة ما نصه: يرى بعض المؤرخين الغربيين أن قبة الصخرة هي في الأساس بناية بيزنطية، ولكنْ بينما القبة ذات الأضلاع الثمانية مستخلصة من الصروح المسيحية التي تقام على أضرحة القديسين، وربما كان رواقها الداخلي مستوحى من كاتدرائية بصرى التي تعود إلى القرن السادس، فإن ذلك هو منتهى ما يمكن الحديث عنه من تشابه.

ثُمانيات قبة الصخرة هل هي ذات أصل بيزنطي؟

ويعلق المعماري أرناؤوط: نشأت العمارة الأموية في الشام على أنقاض بيزنطة، ولا شك أن الشكل الثماني لقبة الصخرة مستوحى من العمارة البيزنطية، ولكن العمارة لا تدرَك فقط بالمساقط الأفقية، بل بأبعادها الثلاثية، وما يضاف من تشكيلات، كما أن الأقواس المدببة والثلاثية التي ربما تكون من أصول فارسية، قد جعلت هذا المبنى فريدا في طرازه واصطبغ بالصبغة الإسلامية.

وتقول المؤلفة “ديانا دارك”: عند الحديث عن قبة الصخرة يغفل الناس عن إبداعين مهمين داخلها، الأول ظهور القوس المدبب، وتحديدا في القنطرة التي تحيط بالصخرة نفسها، والإبداع الآخر هو الأقواس ثلاثية الفصوص، أو ما يسمى أقواس البرسيم التي يمكن رؤيتها في القنطرة أسفل القبة، هذان الإبداعان سيصبحان نموذجا يستخدم بغزارة في المعمار الأموي، وسيصبح فيما بعد علامة مميزة في المعمار القوطي، إذ يظهر بكثافة في واجهات الكاتدرائيات التي تغطيها عادة منحوتات مختلفة.

زخارف النوافذ المزينة للضوء.. إبداعات القصور الأموية

تحدثت المؤلفة في كتابها عن قصر هشام في غور الأردن قائلة: من بين الاكتشافات في خربة المفجر، ربما كان الأبرز على الإطلاق قوس البرسيم الذي يبرز بشكل واضح في مسجد قرطبة، وقد عبر من هنا إلى شمال أوروبا وكل أرجاء القارة وصولا إلى إنجلترا، ليصبح علامة مميزة للكاتدرائيات والكنائس القوطية.

النوافذ المزخرفة في واجهات الكاتدرائيات الأوروبية استوحيت من نوافذ قصر هشام بن عبد الملك

وتستطرد المؤلفة في الحديث عن القصر بقولها: في كتاب مذهل حول خربة المفجر، القصر الأموي، بقلم “روبرت هاملتون”، سجل المؤلف كل التفاصيل الدقيقة في القصر، وعمل رسوما للتصاميم، وفي الكتاب اكتشفت ما اعتبر أول نافذةٍ وردية في القصر، بل وجد شظايا لزجاج مزخرف، فهذه النافذة -التي يستنتج أنها حتما كانت في موقع مرتفع داخل ديوان الخليفة- صممت بحيث تسمح بدخول الضوء المزين مثل النوافذ الزجاجية.

وفي هذا يؤكد أرناؤوط أن استخدام النافذة الدائرية مع الزجاج الملون المعشق بالزخارف كان يمثل تعقيدا في إضافة العناصر المعمارية على مباني القصور، ولا شك أن النوافذ الدائرية المزخرفة في واجهات الكاتدرائيات الأوروبية إنما استوحيت من نوافذ قصر هشام بن عبد الملك.

ويعارض بعض النقاد فكرة أن مصدر الإلهام يعود لفترة الأمويين فقط، ويرجحون أن الأمويين أنفسهم قد استفادوا من معمار روما وبيزنطة، بينما تؤكد “دارك” أن كل المواد الخام للزجاج المزخرف في الكاتدرائيات القوطية شحنت من سوريا، وحتى قبل أن تنتقل صناعة الزجاج منها إلى البندقية، ذلك أن سوريا كانت رائدة صناعة الزجاج حتى دمرها تيمورلانك في 1401.

“لا أحد يملك العمارة”.. تصحيح المفاهيم الأوروبية

جاء في الكتاب: إن الذهنية الأوروبية الحالية المنكفئة على ذاتها، إضافة إلى العداوة السائدة للمهاجرين المسلمين، هما ما يضفي أهمية على هذا الكتاب لما له من دور تصحيحي، ولا بد أن أوضح أن هدفي ليس الحطّ من العمارة الأوروبية وإنجازاتها اللامعة بتاتا، وإنما غرضي منه هو إثبات أنه لا أحد يملك العمارة، تماما كما أنه لا أحد يملك العلم.

تشابه بين أقواس قبة الصخرة وكاتدرائية كانتربري

وتقول المؤلفة: أرى أن الهدف قد تحقق، كم هو جميل أن تكون النتائج أوسع نطاقا، كأن يضمّن في أنظمة التعليم، لكي ينشأ الأطفال على إدراك المساهمات التي قدمها العالم الإسلامي.

ويقول د. فيصل ديفجي أستاذ التاريخ في جامعة أوكسفورد: أحد تفسيرات الكتاب إشارته بأن العمارة القوطية استلهمت من العمارة الإسلامية، لكنني لا أراه هكذا، فما تفعله المؤلفة هو محاولة إثبات انفتاح تلك الهويات على بعضها، وعلى الهويات المعاصرة أن تحذو حذوها.

ويعلق “بيتر غوردون” الصحفي والكاتب البريطاني قائلا: خلصت لأمرين رئيسيين من الكتاب؛ الأول هو أن كثيرا من الصفات المعمارية التي نعتبرها أيقونات خاصة بأوروبا الغربية إنما اشتقت من أماكن خارجها، والثاني هو لماذا نسينا ذلك؟ لقد علم الأوروبيون الأمر قبل أكثر من 300 عام، لكنهم تناسوه.

التشابه في الرسم الهندسي الدائري بين قصر هشام في فلسطين وبين كاتدرائية شارتر بفرنسا

وبينما يعتبر “روان مور” الصحفي الناقد أن الكتاب حقق الهدف الذي من أجله وضع، فإنه يقول: هنالك بعض المفارقات لم أتمكن من تصديقها، ولكنني تعلمت أشياء لم أكن أعرفها، والأهم أن الكتاب ساهم في فتح نقاش حول هذه القضية الهامة.

أما “آرون بيتسكي” مدير مدرسة الهندسة المعمارية في لندن فيختم بالقول: من فوائد الكتاب أنه يذكر المعماريين وعامة الناس أن المباني التي نقطنها والتي تلهمنا غدت موجودة فقط بفضل مساهمات أناس ينتمون إلى أديان وألوان مختلفة.