“الكارثة”.. قصة الهولوكوست بلسان مشبّع بالدعاية الصهيونية

ظهرت حتى الآن مئات الأفلام الوثائقية عن موضوع المحرقة اليهودية في عهد النازية خلال الحرب العالمية الثانية، أو ما يسمى “الهولوكوست”، ويعتمد معظمها على استخدام الوثائق المصورة التي حصل عليها الحلفاء بعد استسلام ألمانيا في الحرب، وعلى إجراء المقابلات المصورة مع ضحايا المحرقة، أو بالأحرى الذين نجوا من الموت في معسكرات الاعتقال النازية، من أجل إعادة بناء تاريخ تلك الفترة.

والملاحظ أن السينمائيين الصهاينة بدؤوا مبكرا في تقديم الأفلام الوثائقية، وعرضوها على أوسع نطاق في الغرب، من أجل ترسيخ رؤية واحدة أحادية الجانب لما وقع في زمن الحرب، مع إغفال أي إشارة إلى الدور المتواطئ للصهيونية فيما ارتكبت من جرائم، سواء في المعسكرات النازية، أو في المعسكرات التي أقامها الحلفاء في ألمانيا بعد الحرب، وقتل فيها مئات الآلاف من الألمان، والبعض يقدر العدد بالملايين.

“شوا”.. تحفة القرن العشرين في عيون المثقفين

أثار فيلم “شوا” (Shoah) (أي الكارثة في اللغة العبرية) عند عرضه في معظم محطات التلفزيون الأوروبية أصداء شبيهة بما حققه مسلسل “الهولوكوست” (Holocaust) الدرامي الأمريكي الذي أنتج عام 1978، مع الفارق الكبير بينهما في الأسلوب وطريقة التناول.

ولأن عرض مسلسل “الهولوكوست” كان قد أثار غضب واحتجاج كثير من اليهود، بسبب قطع البث من وقت لآخر بالإعلانات التجارية، قامت القناة الرابعة (التجارية) في التلفزيون البريطاني بعرض مسلسل “شوا” من دون أن تقطعه الإعلانات في أول سابقة من نوعها، مع أن عرضه جاء على جزئين، ويستغرق عرض كل منهما نحو 5 ساعات، ضمانا لتحقيق أقصى شعور بالرهبة لدى المشاهدين، وتطبيقا لدعاوى الكاتب اليهودي “إيلي فايزل” الذي يُعد الناطق الرسمي في العالم باسم “الهولوكوست” حينما قال “قبل أن أنطق بكلمة أوشفتز أو تريبلينكا، يجب أن يكون هناك سكون، فضاء للتنفس، مساحة صمت”.

ويعد فيلم “شوا” أكبر وأعظم وأصدق فيلم ظهر عن “الهولوكوست”، وقد أفردت له الصحافة الصهيونية مساحات واسعة، ونال كثيرا من الثناء من كبار الكتاب والمثقفين في الغرب. وعلى سبيل المثال فقد كتب “جوناثان ديفيز” في مجلة “جويش كوارترلي” يقول: قبل ظهور “شوا” كانت السينما تعيش في مجال الوهم. أما الكاتبة الفرنسية “سيمون دي بوفوار” فقد عدته “تحفة خالصة وفيلم القرن العشرين”.

“كلود لانزمان”.. حامل الرسالة المُتلاعب بالحقائق

مخرج الفيلم “كلود لانزمان” (1925-2018) هو كاتب صحفي يهودي فرنسي ترأس مجلة “الأزمنة الحديثة” التي كان يكتب لها “جان بول سارتر”، وكان “لانزمان” معروفا بميوله الصهيونية، وهو الذي صحب “سارتر” في زيارته إلى مصر، حيث قابل الرئيس جمال عبد الناصر عام 1967.

وقد أخرج “لانزمان” عام 1973 فيلما وثائقيا بعنوان “لماذا إسرائيل؟” (Pourqui Israel?)، وكان يعبر فيه عن إعجابه بالدولة الصهيونية، ويحاول تقديمها للعالم ركيزةً لتحقيق الاشتراكية في الشرق الأوسط، وقضى بعد ذلك عشر سنوات في إعداد وتصوير فيلم “شوا” الذي يستغرق عرضه تسع ساعات و35 دقيقة.

يثير فيلم “شوا” قضية التلاعب في الفيلم الوثائقي عن طريق استخدام أسلوب المقابلات المصورة مع عدد من الأشخاص، ومزجها باللقطات الحية لإعطاء انطباعات معينة محسوبة سلفا من قبل المخرج. وهنا يلعب المونتاج دورا أساسيا في توصيل الرسالة التي يسعى المخرج إلى توصيلها، حتى ولو جاء هذا على حساب الحقائق.

يتضمن الفيلم عشرات المقابلات السينمائية مع عدد من اليهود الذين نجوا من معسكرات الاعتقال النازية، ويصطحب “لانزمان” -وهو يظهر في معظم أجزاء الفيلم- بعضهم، ويعود بهم إلى عدد من تلك المعسكرات في بولندا وألمانيا.

مقابلات بكاميرا سرية.. خديعة تفسد منهج البحث العلمي

ينتقل الفيلم طوال الوقت من تريبلينكا إلى أوشفتز- بيركناو، ليعيد الضحايا السابقون روايةَ ما وقع، ويشرحوا تفاصيل الأحداث وآلية العمل في المحارق داخل المعسكرات. ويجري المخرج المقابلات من وراء الكاميرا أيضا مع الفلاحين البولنديين من سكان القرى المحيطة بالمعسكرات، ومع العمال البولنديين الذين سخروا للعمل في المعسكرات، ومن بينهم سائق قطار يزعم أنه كان يحمل اليهود من غيتو وارسو إلى معسكر تريبلينكا.

وقد أجرى “لانزمان” أيضا عددا من المقابلات مع بعض الموظفين السابقين في الإدارة البيروقراطية النازية، مثل الدكتور “فرانز غراسلر” نائب مدير غيتو وارسو، وأحد الضباط في معسكر تريبلينكا وغيرهما من حراس المعسكرات، ومسؤولي السكك الحديدية.

ولجأ “لانزمان” إلى الخديعة للحصول على تلك المقابلات، فقد قدم نفسه على أنه مؤرخ يدعى “سوريل”، وأنه يجري بحثا تاريخيا محايدا حول الهولوكوست، ثم سجل المقابلات معهم بكاميرا سرية خبأها في حقيبة كان يحملها على كتفه، وكانت الكاميرا متصلة بدائرة تلفزيونية، بحيث تستقبل الصور على أجهزة تلفزيون مركبة في سيارة خاصة تنتظر قرب مكان المقابلة كما شاهدنا في الفيلم.

“العداء للسامية”.. تهمة جاهزة توجه مسار الفيلم

يعكس فيلم “شوا” وجهة نظر مسبقة شديدة التحيز، تصل إلى درجة التعصب المقيت، ويستغل المخرج المقابلات التي أجراها مع الأطراف المختلفة، لتأكيد رؤيته التي تدور حول فكرة تبتعد تماما عن روح البحث والتحليل العلمي، فهو أولا يصور الهولوكوست على أنه تراجيديا يهودية، لا علاقة لها بظاهرة الحرب العالمية نفسها.

كما يتجنب “لانزمان” أي محاولة لتفسير حقيقة ما وقع وأسباب وقوعه، ليخرج المُشاهد بعد نحو 10 ساعات من المشاهدة أكثر جهلا بالموضوع من الناحية التاريخية، فالفيلم يوحي للمشاهدين بأن كل ما وقع ليس له من تفسير سوى العداء الأبدي لليهود في كل مكان وزمان، وأما “العداء للسامية” فلا يكف لحظة عن الإشارة إليه في فيلمه، ويوزعه بالتساوي على الجميع، فهو لا يشمل فقط الشعب الألماني بأسره، بل أيضا الشعب البولندي والفرنسي وغيرهما، فالفيلم على سبيل المثال يتهم البولنديين بالتعاون بإرادتهم مع النازيين في القضاء على اليهود.

كلود لانزمان مخرج فيلم “الكارثة”

وعندما يعود “لانزمان” بعد مرور أكثر من 40 عاما على الأحداث، فإنه يعود لكي يؤكد أن عداء البولنديين لليهود لا يزال قائما حتى اليوم، ويركز على فكرة أنهم يشعرون بالسعادة من اختفاء اليهود.

ولعل هذا ما دفع “ريتشارد برودي” إلى الرد في مقال نشرته “نيويورك تايمز” (بتاريخ 10 ديسمبر/ كانون الأول 2010)، قال فيه إن 3.5 مليون بولندي قتلوا على أيدي النازيين، وأن الملايين منهم سيقوا إلى معسكرات الاعتقال النازية شأن أقرانهم اليهود، وأن كثيرا من البولنديين بذلوا كل ما بوسعهم لمساعدة اليهود، وأن حركة المقاومة البولندية كانت مشهودة.

تحالف الصهيونية والنازية.. جانب مثير يتجاهله الفيلم

يعمد “لانزمان” إلى اتهام حركة المقاومة البولندية بالعداء للسامية، ويرفض التعاون مع اليهود والتنسيق معهم في مقاومة النازيين، ويتجاهل في مقابلاته المطولة التي أجراها مع اليهود الناجين من الهولوكوست توجيه أي أسئلة عن الجانب الآخر المثير للجدل حتى اليوم، أي تعاون زعماء الحركة الصهيونية مع النازيين.

فقد أدى زعماء الصهيونية أدوارا مشبوهة قام بها أمثال “حاييم رومكوفسكي” رئيس المجلس اليهودي لـ”غيتو لودز” الذي اغتاله زملاؤه في معسكر أوشفتز بسبب خيانته لهم، أو “جاكوب جينز” عضو المنظمة العسكرية الصهيونية “بريت هيجيال” الذي تعاون أيضا مع النازيين في قتل اليهود، وكان رئيسا للشرطة اليهودية في غيتو مدينة فيلنو، وغيرها.

ويتجاهل “لانزمان” توجيه أي أسئلة إلى الضحايا “الناجين” من الهولوكوست عن كيفية نجاتهم، فقد أراد أن يكون فيلمه عن الذين هلكوا فقط، أما الذين نجوا ويستعين بهم في فيلمه للحديث عن تجربتهم المأساوية، فلم يفكر قط في معرفة كيفية نجاتهم وسط ذلك الجحيم الذي يصوره لنا.

“شيمون شيرينك”.. شهادة يهودي شارك في تنظيف غرف الغاز

هناك شخص واحد فقط من هؤلاء هو اليهودي البولندي “شيمون شيرينك”، يروي أنه كان يعمل وهو ابن 13 في تنظيف غرف الغاز، وأن النازيين أطلقوا الرصاص على رأسه مع غيره من اليهود المتعاونين قبل أن يرحلوا عن المعسكر. ويقول إن الأطباء السوفيات أنقذوا حياته بعد اقتحام الجيش الأحمر للمعسكر، وأنه هاجر بعد ذلك إلى إسرائيل.

في مقابلاته مع المسؤولين النازيين السابقين، يركز المخرج على تفاصيل بعينها ويهمل تفاصيل أخرى لا تتفق مع الوجهة التي يريد لفت الانتباه إليها، فهو على سبيل المثال، يتابع موضوع نقل اليهود من معسكرات التجميع في إيطاليا واليونان إلى معسكرات الاعتقال، ويذهب إلى المؤرخ اليهودي “راؤول هايلبرغ” الذي يشرح لنا عمليات نقل اليهود، ويقول إن النازيين كانوا يستخدمون الأموال والمجوهرات التي صادروها من اليهود في الإنفاق على عمليات ترحيلهم، وإنهم أنشأوا لذلك الغرض وكالات سفر خاصة.

اليهودي البولندي “شيمون شيرينك” أحد الذين نجو من الهولوكست

لكن “لانزمان” الذي يدعي العلمية التاريخية يسقط عمدا نقاطا أخرى كانت جديرة بالمتابعة في أحاديثه مع الموظفين النازيين، ففي لقائه بنائب مدير غيتو وارسو، يسأله عن السبب الذي جعل رئيس المجلس اليهودي في الغيتو “آدم تشيرنياكوف” ينتحر قبل يوم واحد من ترحيل يهود الغيتو إلى معسكر أوشفتز، فيجيبه بأن “تشيرنياكوف” أدرك فشل سياسته في التعاون مع الألمان في الإبقاء على حياة زملائه إلى ما بعد الحرب لإرسالهم إلى فلسطين.

ومع ذلك فإن “لانزمان” لا يتابع الموضوع، ويتجاهل الملاحظة التي يبديها الرجل تعليقا على اقتباسات “لانزمان” من دفتر يوميات “تشيرنياكوف”، فالرجل يتساءل بدهشة: أليس من الغريب أن ينجو دفتر اليوميات في مثل تلك الظروف؟

“يان كارسكي”.. شاهد يكشف أساليب الزعماء الصهاينة

يجري “لانزمان” مقابلة مع “يان كارسكي” مسؤول الاتصال بين حركة المقاومة البولندية والحكومة البولندية في المنفى، وكان في لندن وقت اندلاع الحرب، وهو يكشف في غمرة انفعاله عن الوسائل والأساليب غير الأخلاقية للزعماء الصهاينة، عندما يقول إنهم اتصلوا به وطلبوا منه أن يكذب على حكومات الحلفاء، ويضخم تدهور الأحوال داخل غيتو وارسو، بغرض تحميل الحلفاء مسؤولية ما يحدث لليهود الذين كانوا يواجهون المجاعة وتفشي الأوبئة.

لكن “كارسكي” يقول لهم إنه لا يعرف حقيقة ما يحدث داخل الغيتو، فوعدوه بترتيب زيارة سرية له، ويضيف أنه عندما وصل إلى الغيتو كان الألمان قد رحّلوا اليهود. ولا يتابع “لانزمان” ولا يحقق، وإنما ينقلنا إلى اللقطات المصطنعة المصحوبة بالموسيقى الجنائزية التي تحمل أقصى تأثير عاطفي على المشاهدين.

“فيليب مولر”.. حلّاق شعر اليهود قبل الإعدام

يستخدم “لانزمان” أسلوبا خاصا في إجراء المقابلات، فيترك الكاميرا ثابتة على وجه المتكلم في لقطة قريبة طوال الوقت، بحيث لا نعرف مكان إجراء المقابلة، ويقطع على لقطات للقطار القديم الذي كان يحمل اليهود إلى معسكر أوشفتز، والذي يزعم المخرج أنه استطاع العثور عليه وعلى سائقه القديم.

ولا يتجاوز “لانزمان” هذه القاعدة سوى مرة واحدة، عندما يلتقي بيهودي يدعي “فيليب مولر” يزعم أنه كان يقص شعر اليهود في معسكر تريبلينكا قبل إعدامهم في غرف الغاز، وقد أصبح الآن يمتلك دكانا للحلاقة في تل أبيب.

ويصوره المخرج أثناء عمله في قص شعر أحد الزبائن، وتستعرض الكاميرا المكان والزبائن وهم يتابعون في صمت حزين حديث الرجل الذي تقطعه لحظات صمت طويلة، ثم يجهش بالبكاء وهو يروي أنه حلق شعر أمه وأخته قبل إعدامهما، دون أن يستطيع إخبارهما بما ينتظرهما.

وفي أعلى الحائط تركز الكاميرا على صورة لـ”مناحيم بيجين”، ثم يصوره المخرج في مشهد آخر وهو يقضي العطلة في سعادة ومرح على شاطئ تل أبيب، بينما نرى في الخلفية زورقا إسرائيليا حربيا والجنود يوجهونه بالرادار، ويربط المونتاج المستخدم في تركيب هذين المشهدين معا بوضوح بين ما حدث في الماضي، وبين إسرائيل القوية التي هي مرفأ الأمان لليهود اليوم.

“أبراهام بومبا”.. شاهد مُزيف استُجلب من نيويورك

بطل “لانزمان” أو شاهده الأكبر “أبراهام بومبا” الحلاق، اتضح فيما بعد أنه شاهد مزيف، فلا يمكن تصور أن ما يقوله صحيح بمنطق علم الحساب، فهل يعقل أن يوجد داخل غرفة تبلغ مساحتها 16 مترا مربعا 17 حلاقا وبعض المقاعد الخشبية المستطيلة، إضافة إلى 80 امرأة وعدد مناسب من الحراس النازيين؟

وهل يعقل أن ينضم إلى هذا العدد حوالي 70 أو 80 امرأة أخرى مع عدد كبير من الأطفال، وأن يستغرق حلق شعر المجموعة كلها 10 دقائق، ثم هل يعقل أيضا أن يغادر الحلاقون الغرفة مدة 5 دقائق تكون كافية لخنق النساء والأطفال بالغاز، ثم تفتح أبواب الغرفة ويدخل الحراس لإخراج الجثث وتنظيف الغرفة، ثم البدء من جديد، دون أن ينتج عن هذا تسمم العاملين بالمعسكر أو انفجار شديد للغاز القابل للاشتعال؟

والحقيقة أن “لانزمان” استأجر محل حلاقة في تل أبيب، وجاء بـ”أبراهام بومبا” من نيويورك، حيث كان قد استقر هناك وتقاعد عن عمل الحلاقة منذ زمن طويل، وأعاد اختلاق المشهد كله مستخدما صورة “مناحيم بيجين”، وكأنه نوع من التحية له بعد أن كان قد أمر بدعم إنتاج الفيلم بـ800 ألف دولار عام 1984، بدعوى أنه “مشروع يخدم أهداف الأمة اليهودية”.

وفي المقابلة التي أجراها “لانزمان” مع الفلاحين والعمال البولنديين، يتدخل ويقاطع وينفعل ويعلق بسخرية واستهزاء على حديث البولنديين، ويستخدم في استجوابه لهم لهجة اتهام واضحة.

“تساهال”.. محاولة فاشلة لتجميل جيش الاحتلال

وقد أخرج “لانزمان” عام 1993 فيلما وثائقيا طويلا آخر من تمويل الجيش الإسرائيلي بعنوان “تساهال” (Tsahal)، أي “جيش الدفاع الإسرائيلي”، ويتغزل فيه بوقاحة نادرة بالجنود الإسرائيليين، ويقدم كل رموز القوة الإسرائيلية الغاشمة بإعجاب وفي صورة الأبطال، ويجري مقابلات مرتبة لإبراز القادة “الإرهابيين” في الجيش الإسرائيلي، بغرض تجميل صورته في العالم.

لكنه فشل -مثل الفيلم السابق- في جذب أنظار المشاهدين، ولقي هجوما شديدا حتى في الصحافة الفرنسية الموالية للدوائر الصهيونية.