“الختيار- التقلّبات”.. صراعات تشعل لبنان وتنفي المقاومة بعيدا عن الوطن

“الختيار”، سلسلة وثائقية أخرجها للجزيرة الوثائقية محمد بلحاج، وجعلها في ثلاث حلقات، هي “البدايات” و”التقلبات” و”التسوية”. وكلمة ختيار مفردة تركية الأصل تعني الشيخ (الحكيم)، وتأخذ في بلاد الشام معنى عميد القرية أو عمدتها، أما في الفيلم فقد جمعت المعنيين معا.

نفوذ المقاومة.. دولة مسلحة داخل الدولة اللبنانية

من منظور عرفات، تمثّل فلسطين قضية عربية وإسلامية بالأساس، وعليه فإن حماية الأقصى وتوفير الحاضنة الشعبية والسياسية للنضال الفلسطيني واجب على كل العرب والمسلمين، ولذلك فبعد أن أغلقت الجبهة الأردنية أمام الفدائيين، فتح عرفات جبهة جديدة في لبنان، استقبلهم فيها كل اللبنانيين استقبالا حسنا.

وهناك، أتيح لهم أن يرسّخوا -إلى جانب العمل السياسي أو العسكري- العمل الثقافي، ليمثل قوة مضادة للدعاية الصهيونية، والعمل الاجتماعي والتربوي كذلك.

وقد كان، لمنزلة لبنان ولقيمتها الثقافية والإعلامية ولصلتها بالعالم الغربي دور في تحويل المعضلة الفلسطينية من قضية لجوء إلى قضية تحرر، فكانت الوفود تزور لبنان من أجل الالتقاء بعرفات، وكان هو من يستقبلهم كما لو كان ممثّل السلطة في لبنان.

السيطرة الفلسطينية المسلحة في لبنان أزعج الناس وأقلقهم

وقد حدث أن زار “جورج مارشيه” السكرتير العام للحزب الشيوعي الفرنسي والرمز اليساري الكبير بيروت، فكان الفلسطينيون المسيطرون على المطار في استقباله لا اللبنانيون. كما عمل الفدائيون على دعم حركات التحرر في العالم، ودرّبوا عناصر حركة أمل وعناصر شيعية أخرى في بعلبك، من بينها حسن نصر الله الذي سيؤسس حزب الله لاحقا.

ولم يكن هذا النفوذ خاليا من التبعات، فقد كان توسّع المخيمات يحدث على حساب الأهالي وأراضيهم، كما أزعج الاختلاف الفكري والتنظيمي -بين الفصائل المقاومة غير الموحدة ولا المنضبطة- السكان، وأزعج الفلسطينيين أنفسهم.

“نحن مع الثورة في وجه أعدائها وأخطائها”

يذكر معن بشور المفكر القومي أن الفدائيين رفعوا لافتة، بعد تصاعد الشكوى من الأخطاء باسم الثورة، وكُتب فيها “نحن مع الثورة في وجه أعدائها وأخطائها”، فلمّا رآها عرفات طلب أن يوقعوا اسمه تحتها، بدلا من أن يغضب.

لكنه في الواقع لم يكن يتبنى هذه القولة تماما، ويبدو أنّه لم يبذل الجهد الكافي للجم القوات الحاملة للسلاح، أو للحد من فوضاها، مع كل الضيق الذي أبداه المسيحيون خاصّة، وتحذيرات الإمام موسى الصّدر، فقد كان يتجاهل ما تسببه القوات من الإزعاج أو ما تقترفه من التجاوزات، حتى لا يُحدث شرخا في الجسد الفلسطيني.

المارونيون يفتعلون الحرب الأهلية في لبنان بعد تعرضهم لحافلة فلسطينية في الأشرفية وقتل ركابها

وتثبت الشهادات المسيحية خاصّة أن هذا التراخي قد غيّر المزاج اللبناني إزاء الوجود الفلسطيني، مما دفع الكتائب إلى أن تؤسس جناحها العسكري “القوات اللبنانية”، للدفاع عن السكان بقوة السلاح، فوقع اللوم على عرفات، لكونه لم يأخذ المعاناة اللبنانية بعين الاعتبار.

ويختزل الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل هذا الزخم في عبارة “ديمقراطية السلاح” التي كان يؤمن بها عرفات ويشبهه بمنظم الأوركسترا، وهو تشبيه لا يخلو من إدانة، فقد كان عرفات يرى أنه هو من ينسق بين هذه العناصر المختلفة ويوجّهها لصالحه، مستفيدا من قدرته الهائلة على الحوار مع الآخر، بل إنه من كان يختلق الخلافات بنفسه أحيانا.

الفلسطينيون بجميع انتماءاتهم يجمعون على عرفات زعيما

ويتزامن هذا المزاج مع تخوف اليمين المسيحي من أن ينتزع اليسار اللبناني منه الحكم. ويتزامن في الآن نفسه مع عمل كمال جنبلاط على إنهاء تلك المارونية السياسية، وفي هذا السياق المعقّد، تفجرت الحرب الأهلية ودارت معارك مباشرة في عامة الأراضي بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير، ليجد الفلسطينيون أنفسهم طرفا في هذه الحرب، لهذا فقد تحالفوا مع الحركة الوطنيّة اللبنانيّة بقيادة كمال جنبلاط، وعملوا على عزل الكتائب.

لكن عرفات يعرض وجهة النظر بطريقة مغايرة تماما، فيفسر في خطاب له انخراط الفلسطينيين في هذه الحرب، بكونهم لا يفعلون ذلك دفاعا عن فلسطين أو لبنان بل دفاعا عن العرب جميعا، ملمحا إلى تواطؤ المسيحيين مع أعدائهم.

“دع مئة زهرة تتفتح في البستان الواحد”.. توحيد الصف

كشفت المرحلة اللبنانية سمات شخصية ياسر عرفات، بعد أن باتت كل الأضواء تسلط عليه، فقد كان القائد المحنّك وصاحب الكاريزما القادر على كسب ود محدثيه، وكان مناورا سياسيا بارعا يحسن التعامل مع مختلف الوضعيات على عسرها، فيتّخذ القرارات الصعبة في أوانها، وفق أنصاره، أو كانت المبادئ عنده مثل العجينة يطوّعها لصالحه كما يريد، وفق معارضيه.

ومع هذا الاختلاف في المواقف تجاهه، ظل عنصران قارين ثابتين في شخصيته، فقد كان أبا لمختلف الفلسطينيين، يتعاطف مع المنكوبين منهم، ويقرر لهم مخصصات شهرية، ويدفع تكاليف العلاج، وكان شديد الإيمان بحرمة الدّم الفلسطيني، فيحاول احتواء الاختلافات التي تظهر على السطح ويسمح بتعدد الآراء ولا يقطع الرواتب عن معارضيه، فيفصل بين الخلاف السياسي والجوانب الاجتماعية.

عرفات.. الزعيم الذي جمع بين الفرقاء

وممّا يؤثَر عنه، أسلوبه المكابر في التصالح مع رفاقه كلّما حدث خلاف، فقد كان يذهب إلى منزل أحدهم فيطرق الباب، وحين يرى رفيقه يقول له “روح أنا مش جاي أزورك أنت، أنا جاي أزور أولادك”.

وكان يعمل بشعار “ماوتسي تونغ”: “دع مئة زهرة تتفتح في البستان الواحد”، فيسمح بالاختلاف، ونادرا ما يعاقب من يخرج عن خطه وتعليماته، وكان منطلقه في ذلك عمليا صرفا، فكان يردّد أن من يُمنع من إبداء رأيه في البيت الفلسطيني، سيجد في السفارات بديلا وسيخرج هكذا عن الصف الفلسطيني.

ولهذه الخصال جميعا كانت كل الفصائل تقدّمه. فقد قال جورج حاوي في مهرجان خطابي أقامه الحزب الشيوعي اللبناني: “الآن أقدم لكم الدكتور جورج حبش قائد الشعب الفلسطيني”، ولكن جورج حبش رفض أن يتكلم وهو بحضرة ياسر عرفات، قائلا “عرفات قائدنا وهو من يتكلم باسمنا”.

اجتياح لبنان.. لحظة الانفجار في التحالفات المأزومة

لم تكن علاقة عرفات جيدة بقادة دول الجوار، فالهوّة مع المصريين كانت عميقة منذ معاهدة “كامب ديفيد” التي رآها السادات معركة سلام تضمن الحقوق الفلسطينية، بينما رآها عرفات غدرا مصريا ومؤامرة على القضية الفلسطينية.

الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 بإيعاز من أمريكا وموافقة من سوريا والكتائب

أما علاقته بسوريا، فقد وصلت حد الصّدام، وذلك بعد أن استنجدت بها القوى المسيحية اللبنانية، وأصبحت جزءا من هذه الحرب. صحيح أنّ عرفات قد وافق على دخوله سوريا للبنان، ولكنه كان في النهاية مرغما على مجاراة القرار العربي المؤيد لهذه الخطوة، وحاول تجنب قتالها، لكنه دعم كمال جنبلاط في الآن نفسه.

إذن، فقد عوّلت الحركة الوطنيّة اللبنانيّة (جنبلاط) على دعم قوات منظمة التحرير، واستعانت الكتائب وجناحها العسكري “القوات اللبنانية” بالقوات السورية، وأصبح الصراع قائما حول من يسيطر على لبنان، ويرتهن قراره لصالحه.

ولكن، لمّا أدرك عرفات التقاء الإرادة الأمريكية والإسرائيلية مع الإرادة السورية سنة 1982، قرّر سحب قواته من الجنوب، ويبدو أنه كان على علم بترتيبات الاجتياح الإسرائيلي، بعد أن استنجد بهم بشير جميل، وكان عرفات يقدّر أنّ زحفهم لن يتجاوز نهر الليطاني، ولكنهم وصلوا إلى بيروت وحاصروا قوات المقاومة نحو ثلاثة أشهر كاملة، مما جعل الحلف اللبناني يتفكك.

“خرجت لأن حلفائي اللبنانيين طلبوا مني ترك بيروت”

لم يكن بوسع المقاومة أن تصمد أكثر، في ظل الضغط من قبل القيادات اللبنانية، وسئم الأهالي من الحرب، لكون الصمود كان يكلّف لبنان الكثير.

وكما صرّح عرفات يوم خرج من الأردن بحرصه على حقن الدماء، أرجع مغادرته للبنان إلى حمايته، في ظل بقائه وحيدا في مواجهة العدوان. يقول: “أنا خرجت لأن حلفائي اللبنانيين طلبوا مني أن أترك بيروت، قالوا لي إلى متى ستقاوم، فإذا كنت تنتظر مددا لأسبوع، سننتظر معك لأسبوعين”.

في هذه الأثناء كانت إسرائيل تريد خروج الفلسطينيين، حاملين الأعلام البيضاء في سيارات الصليب الأحمر. ولكن عرفات كان يدرك قيمة الأبعاد الرمزية في هذه المعركة، فأصرّ على خروج قواته بسلاحهم الخفيف وبوداع رسمي.

خروج الفدائيين من بيروت حاملين أسلحتهم الخفيفة سنة 1982

ورغم جراح اللبنانيين العميقة، كان الوداع الجماهيري حاشدا. فيؤكد كريم مروة أنّ الشعب اللبناني نسي كل ملاحظاته بشأن الفلسطينيين في تلك اللحظة العصيبة، ولكنه يتفق مع مختلف المستجوبين المسيحيين اللبنانيين في أنّ عرفات أضر كثيرا بلبنان، وأنه لم يكن يهتم بالثمن الذي يدفعه اللبنانيون فيما يتخذه من المواقف.

سوريا.. صدام مع القوة العربية الكبرى في المنطقة

كانت سوريا ترى نفسها الطرف القوي في المنطقة، وكانت تعمل من منطلق هذه القناعة على التّحكم في الثورة الفلسطينية، لاستخدامها ورقة للمساومة، ضمن مسار تحرير الأراضي العربية المحتلة، لذلك كانت تصرّ على تلازم المسارين السوري والفلسطيني، وهو الأمر الذي فرضته على اللبنانيين، فارتهنت قرارهم ضمن تلازم المسارين.

ويبدو أنّها كانت تستشرف نيات عرفات التي ستُضعِف من موقفها في التفاوض على استعادة هضبة الجولان، فقد كانت تصريحاته تبرز أنه لا يقاتل إلا لفرض تسوية تتضمن الاعتراف بالوجود الإسرائيلي، بدءا من ظهوره في الأمم المتحدة عام 1974، وهو يردّد “لقد جئتكم بغصن الزيتون في يد، وببندقية الثائر في يد، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.

ياسر عرفات يخطب في الأمم المتحدة سنة 1974 حاملا رسالة السلام والتعايش

وفي تقديم غصن الزيتون تقديم للخيار السلمي على الخيار المسلح، وليس الذّهاب إلى الأمم المتحدة في حدّ ذاته غير تسليم بحل الدولتين.

ولكن عرفات المناور لم يقبل بهذه التبعية المفروضة، وكما فعل سابقا مع الملك حسين، اتهم الأسد علنا بالتقاعس في دعم الثورة الفلسطينية أثناء حصار بيروت، وعندها عمل الرئيس السوري على اختراق الصف الفلسطيني بالتعامل مع قادة من الثورة الفلسطينية الغاضبين من استفراد ياسر عرفات بالقرار، وأيد انشقاق فتح الذي قاده خالد العاملة وأبو صالح وخالد الفاهومي.

وممّا يروى أنّ عبد الحليم خدام السياسي السوري ونائب الرئيس منذ 1984 قال لخليل الوزير (أبو جهاد): “إذا كنتم ترغبون في حل مشاكلكم الداخلية، فيجب أن تتقيدوا بسياساتنا، تصادقون أصدقاءنا، وتعادون أعداءنا”.

تونس.. بداية ترك البندقية والاتجاه إلى التسوية

يذكر أحمد القديدي الذي عايش وصول الفلسطينيين إلى تونس أنّ مجيئهم كان اضطرارا من الجانبين. فالمفاوض الأمريكي ذو الأصول اللبنانية فيليب حبيب هو من اقترحها وجهة جديدة لهم، لكونها مركز الجامعة العربية.

بورقيبة يرحب بعرفات في تونس لكنه لا يسمح له بالعمل العسكري على أرضها

ويرجع وجهُ التحفظ الفلسطيني إلى مغادرة بيروت والابتعاد عن جبهات الاحتكاك بالمحتل، ولكنهم أدركوا أنّ الوضع اللبناني والإقليمي قد تغيّر. أما وجه التحفظ التونسي فيعود إلى التخوف من سوابق عرفات في الأردن ولبنان بحيث يحول وجود قواته إلى دولة داخل الدولة ويتمرّد هو على حكّامها.

ولكن محيط بورقيبة هوّن عليه الأمر، فضبطت العلاقة بين النظام التونسي ومنظمة التحرير بوضوح، وطُلب من الفلسطينيين عدم التدخل في الشأن التونسي، وجُردوا من السلاح، ووضعت قواتهم بعيدا عن مراكز المدن الكبرى، وبالمقابل حصلت المنظمة على هامش للتحرّك السياسي.

“إنهم يرونها بعيدة ونراها قريبة”.. مناورات العودة

غادر عرفات بيروت إلى تونس منكسرا، وقدّر كثيرون نهاية المقاومة الفلسطينية، ولكنه أعاد من أرضها التخطيط للنضال الفلسطيني فكان له دور فاعل في إطلاق انتفاضة الحجارة 1987 التي بعثت الحياة في الثورة الفلسطينية من جديد ومثلت طريقة لنقل المعركة إلى الأرض المحتلة.

الانتفاضة الأولى في فلسطين تندلع في الضفة الغربية وغزة سنة 1987

وقد شكّل من تونس لجنة لدعم الانتفاضة، فلم تكن هذه المرحلة نهاية المقاومة الفلسطينية كما كان يراد لها، بدليل أن إسرائيل لاحقته في تونس، وحاولت اغتياله في حمام الشط فيما سُمي بـ”عملية الساق الخشبية” في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1985 ضد مقر القيادة، وذلك لمّا استهدفت اجتماعا للمنظمة التحرير الفلسطيني.

ولكن القدر كان إلى جانب عرفات، فقد أجل الاجتماع لتخلف إطارات المنظمة القادمين من الخارج، ولمبيته في منزل حكم بلعاوي في ضاحية قرطاج لأمور أوجبت ذلك.

لقد سئل عرفات وهو يغادر بيروت إلى أين أنت ذاهب؟ فقال “إلى فلسطين”.

محاولة اغتيال فاشلة لعرفات في حمام الشط بتونس في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1985

وأضاف مرة أخرى: “إن موعدنا معكم قريب، وقريب جدا.. إنهم يرونها بعيدة ونراها قريبة، وإنا لصادقون” ولم يكن يقول ذلك عبثا، فقد كانت له خططه التي ستنقله من تونس إلى فلسطين، وسيكون ذلك في مسار التسوية.