“رسائل ثورة ورسائل حب”.. حروف المقاومين الأخيرة التي اختطفها المستعمر

على مدى سنوات طويلة، خاض الجزائريون ثورة التحرير ضد المحتل الفرنسي، وكما سطّروا بمقاومتهم وأرواحهم تاريخا عظيما، فقد سطّروا كذلك بأقلامهم رسائل خالدة في الثورة والحب.

ويُوثّق فيلم “الجزائر.. رسائل ثورة ورسائل حب” -الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية- مجموعة من رسائل الثوّار، تجمع بين الأمور الشخصية والعائلية، وما يتعلق بالثورة الجزائرية للتخلص من نيران الاحتلال الفرنسي.

ويستعرض الفيلم تحديدا رسائل ثلاثة من الثوار، اختلفوا في العمر والنشأة والثقافة، لكن جمعتهم الثورة من أجل الوطن، وهم حسيبة بن بوعلي الفتاة التي لم تتجاوز المرحلة الثانوية، ودغين بن علي العقيد في جيش التحرير الوطني الشهير بلقب “العقيد لطفي”، والشاب البسيط أحمد زهانة الشهير بلقب “أحمد زبانة”.

“كان الأمر أشبه برسالة سقطت من السماء”

يبدأ الفيلم برسالة أرسلتها حسيبة بن بوعلي إلى والديها في 15 سبتمبر/ أيلول من عام 1957 قبل ساعات من استشهادها. وتقول -في الرسالة التي لم تصل-: والديَّ العزيزين، تحصلت أخيرا على بعض أخباركما عن طريق والدة الأخ سي عبد الرزاق، يبدو أنكما بحال جيد، وهذا ما أتمناه من كل قلبي، ألف قبلة، ابنتكما التي تحبكما، حسيبة.

وتروي المؤرخة والباحثة في تاريخ ثورة الجزائر مليكة قورصو -وهي التي عثرت على الرسالة في أرشيف الجيش الفرنسي- إنها حين قرأت الرسالة للمرة الأولى انتابتها رعشة، وشعرت بحالة من التأثر. وتقول: الأمر يتعلق بجوهرة على مستوى البحث، وعلى مستوى تاريخ ثورة التحرير، وامتلأت عيناي دمعا، كان الأمر أشبه برسالة سقطت من السماء.

مليكة قورصو، مؤرخة وباحثة في تاريخ ثورة الجزائر

وتقول مليكة قورصو إنها عثرت على الرسالة في صندوق بالأرشيف الفرنسي حمل اسم “وثائق مسترجعة من المتمردين”، وقد ضم كثيرا من رسائل المقاومين والمحاضر السمعية لهم، ولم يكن مسموحا لها حين عثرت على الرسالة عام 2011 بتصويرها، إلى أن فُتح الأرشيف الفرنسي عام 2012، وحينها تمكنت من تصوير الرسالة.

ورغم قصر الرسالة، فإن الإعلامي والباحث في الثورة الجزائرية مصطفى أيت موهوب يصفها بالمهمة جدا، لأنها آخر رسالة أرسلتها لأسرتها، وهي تُبيّن صعوبة الاتصال آنذاك بين المناضلين والفدائيين وعوائلهم.

وفي رسالة أخرى من حسيبة، كتبت: لقد مضى نحو 9 أشهر لم نتواصل خلالها، وقد سبب لي ذلك قلقا رهيبا، ذلك أنني كنت أعلم أنكم منزعجون بسببي، وأن الشرطة لا تكاد تغادر البيت، وكان مستحيلا عليّ الكتابة لكم أو إرسال أي شيء إليكم. كم أرغب في لقائكم من جديد.

حسينة بن بوعلي.. حسناء ذكية تقلب المجن على المستعمر

يقول المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر جمال يحياوي عن حسيبة بن بوعلي إنها شابة فدائية في مقتبل العمر، فهي طالبة ثانوية، تنخرط في الكفاح المسلح في شوارع العاصمة الجزائر ضمن شبكة واضعات القنابل.

حسينة بن بوعلي.. حسناء ذكية تقلب المجن على المستعمر

إنها شابة قادمة من مدينة خارج العاصمة تجد نفسها في لحظة ما بطلة، في مخيلة الجزائريين الكل يذكر الشهيدة حسيبة بن بوعلي، لكن في المقابل لم يكن أحد يعلم شيئا عن مستواها التعليمي، وطريقة تفكيرها، وماذا تركت من أرشيف مكتوب، إلا بعد أن ظهرت رسائلها.

لقد ارتفعت صورتها إلى درجة البطولة، فكانت نموذجا للفتاة المنحدرة من وسط ميسور، وعلى قدر عالٍ من الجمال والذكاء، وقد كانت تتمتع بحرية السفر مثل الأوروبيات، وسافرت فعلا إلى عدد من العواصم بالباخرة والطائرة، وبين ليلة وضحاها قررت ترك عائلتها لتلتحق بالثورة من أجل استقلال وطنها.

درست حسيبة بن بوعلي في ثانوية “دي لاكروا”، وهي واحدة من أعرق الثانويات الفرنسية

وتحكي المجاهدة زهرة ظريف بيطاط أن الذي دفعها إلى الانخراط في الثورة هو حب الوطن، فلم يكن الجوع أو البرد أو الفقر دافعا لها. وتقول: كانت حسيبة بن بوعلي في ثانوية “دي لاكروا”، وهي واحدة من أعرق الثانويات الفرنسية، وقد كانت متفوقة، ولم يكن حريّا بواحدة في ظروفها الاكتراث ببقاء الاستعمار من عدمه، لأن مستقبلها كان مضمونا، لكنها اختارت اختيارا فريدا بالنسبة لذلك الظرف، وهو أمر غير عادي، كما قد يراه البعض الآن.

“لا بد أنهم الآن حول مائدة الطعام”.. شوق إلى الأهل

في إحدى رسائل حسيبة، كتبت لأهلها: لقد أضنيتكم بصورة رهيبة، لا يكاد يمضي يوم إلا وأنا أفكر فيكم، أحلم بكم كل ليلة تقريبا، لقد مرت بنا أوقات عصيبة جدا، ولكن ذلك لا يُؤثر في شيء، فنحن كلنا عزيمة، وثمة أخوة يستشهدون كل يوم ليقودوا الوطن إلى الحرية.

جمال يحياوي، مؤرخ وباحث في تاريخ الجزائر

وتقول في رسالتها: ما أصعب الشوق إلى الأهل حين نكون بعيدين عنهم، تعلمون أنني مطلوبة من الشرطة هنا في مدينة الجزائر، فيستحيل عليّ فعل أي شيء، ولذا فقد قررت -بل هو واجبي- الذهاب إلى جبهة القتال، حيث أعلم أنني أفيد كممرضة أو حتى -وهو ما أرجوه من كل قلبي- أن أقاتل والسلاح في يدي.

يقول المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر جمال يحياوي إنه رغم إدراك حسيبة بن بوعلي أن أسرتها ستتأثر برحيلها، فإن ذلك لم يُثنِها عن ولوج طريق الكفاح الذي سيُمهّد الطريق للأجيال القادمة.

وتكتب حسيبة في رسالة أخرى: مع ذلك ثمة شيء يزعجني، لم يعد بوسعي تصور عيشكم كما كنت أفعل سابقا، فأنا على الدوام أحدّث نفسي قائلة لا بد أنهم الآن حول مائدة الطعام، ثم أرى كل واحد في مكانه، ما أصعب الشوق إلى الأهل حين نكون بعيدين عنهم، احرصوا على أن ترسلوا لي الصور التي طلبتها، أُقبّلكم جميعا بكل حرارة.

وعن تلك الرسالة يقول الإعلامي والباحث في الثورة الجزائرية مصطفى أيت موهوب إن تلك الفتاة التي أصبحت “أيقونة المقاومة في مدينة القصبة” تملك مشاعر جيّاشة وحنينا كبيرا لهم، فها هي تسأل عن أفراد أسرتها وأعمامها وأبنائهم.

العقيد لطفي.. رسالة تعزية وتوصية إلى الزوجة والأم

هناك مثال آخر يختلف تماما عن تلك الشابة الثانوية الصغيرة، إنه عقيد في جيش التحرير الوطني، وهو قائد الولاية الخامسة في الغرب الجزائري، إنه “العقيد لطفي” واسمه الحقيقي دغين بن علي. يقول المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر جمال يحياوي إنه رجل مثقف متقن للعربية والفرنسية، وقد اتخذ اسم “لطفي” تيمنا بالأديب المصري الشهير مصطفى لطفي المنفلوطي، وقد عرفناه قائدا سياسيا وعسكريا مُحنّكا، لكن الرسائل التي كان يرسلها لزوجته كشفت لنا عن لطفي الآخر، لطفي المثقف، الإنسان، العاطفي، المُنظّر، صاحب الرؤية المستقبلية.

“العقيد لطفي” واسمه الحقيقي دغين بن علي

يقول لطفي في رسالته إلى زوجته فاطمة مشيش: زوجتي العزيزة، أعتذر مسبقا أنني لم أجرؤ على إخبارك مباشرة عن ما أكتبه لكِ، عندما تصلك هذه الرسالة سأكون بعيدا في الجزائر وطني الحبيب، أعتقد أنه ليس بالجديد أن أقول لكِ إنه المكان الوحيد المناسب لي في الوقت الحالي، لقد أخبرتك على الدوام بأنني ما كنت ولا أكون إلا بالثورة وللثورة، أطلب منكِ أن تتحلي بالشجاعة والصبر، أعلم أنكِ قادرة على ذلك، ومن جهتي آمل أن يكون كل شيء على ما يُرام، وفي حال العكس فإني سألقى النهاية التي يتمناها ويحلم بها كل شاب ثوري، أوصيك بالاهتمام والعناية بابني، بلّغي سلامي لكل العائلة، رحم الله شهداءنا الأبرار، والخزي والعار للذين خانوا الأمانة.

العقيد لطفي..قائد الولاية الخامسة في الغرب الجزائري

ويرى الإعلامي والباحث في الثورة الجزائرية مصطفى أيت موهوب أن رسالة العقيد لطفي كانت بمثابة “رسالة وداع لزوجته”، ففيها يشير إلى حديثه السابق مع زوجته أن حبه للثورة يفوق كل شيء، ومن أجل ذلك فقد تركها للالتحاق بالثورة.

ويقول الباحث أيت موهوب إن العقيد لطفي لم يلتق بزوجته مجددا بعد هذه الرسالة، فقد مات بعد 11 يوما فقط من إرسالها. وكان قد وصّى زوجته كثيرا بتكوين نفسها بشكل جيد، وهي نصائح كان لها أثر بعد الاستقلال، فقد كانت فاطمة مشيش ضمن عدد قليل من النساء في المجلس التأسيسي، كما كانت المرأة الوحيدة في البعثة الجزائرية في الأمم المتحدة.

“لا تيأسوا من روح الله”

كتب المجاهد “زبانة” -واسمه الحقيقي أحمد زهانة- في رسالته إلى أمه: أمي العزيزة، أقاربي الأعزاء، أكتب إليكم ولست أدري أتكون هذه الرسالة هي الأخيرة، والله وحده أعلم، فإن أصابتني مصيبة كيفما كانت فلا تيأسوا من روح الله، إنما الموت في سبيل الله حياة لا نهاية لها، وما الموت في سبيل الوطن إلا واجب، وأنتم أديتم واجبكم، حيث ضحيتم بأعز مخلوق لكم، فلا تبكوني، بل افتخروا بي، وفي الختام تقبلوا تحية ابن وأخ كان دائما يُحبكم، وكنتم دائما تُحبونه، ولعلها آخر تحية مني لكم، الله أكبر، وهو القائم بالقسط وحده.

المجاهد الجزائري “زبانة” -واسمه الحقيقي أحمد زهانة

يقول المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر جمال يحياوي عن رسالة زبانة: عندما تقرأ رسالته تجده يُقدّم استشرافا للمستقبل، وكأنه خريج جامعة مرموقة، لكنه مع ذلك يخاطب والديه بلغة العاطفة والمنطق أيضا.

أما الباحث والإعلامي مصطفى أيت موهوب، فيرى أن زبانة يُمثّل صورة المناضل البسيط القادم من صفوف الشعب، فلم يكن يحمل أكثر من شهادة الابتدائية.

عزلة السجن.. فرصة للغوص في الذات وتحسين الكتابة

يقول أستاذ التاريخ بجامعة باريس “ترامور كيمينور” إن الزمن في فترة السجن يتمدد، بحيث يسمح بشكل أكبر للشخص بالغوص في ذاته، مما كان يتيح فرصة كتابة رسائل جميلة والشروع في مراسلات عميقة.

وتحكي المجاهدة والوزيرة السابقة زهور ونيسي أن هؤلاء المقاومين كانوا يرددون بشجاعة وصمود “الله أكبر”، ليردد السجن بأكمله الهتاف الخالد وراء ذلك الذاهب للمقصلة، وهي طريقة القتل التي دأب الاستعمار الفرنسي على استخدامها بحق المقاومين.

إعدام المجاهدين الجزائريين بالمقصلة

وهنا يلفت مصطفى أيت موهوب إلى أن المقاومين الذين أعدمهم الاستعمار أو المسجونين كتبوا رسائل بليغة وجميلة لعوائلهم وزوجاتهم، مشددا على ضرورة الاهتمام بهذه الرسائل لأثرها الكبير في بناء وتعزيز الذاكرة الوطنية، كما أنها تُقدّم صورة واقعية وحقيقية عن بشاعة الاستعمار.

يتحدث المؤرخ جمال يحياوي عن اللغة التي كانت تُكتب بها الرسائل، قائلا إنها تعود إلى التكوين الشخصي الذي فرض لغة الكتابة، ولم تكن هناك تعليمات محددة باختيار لغة دون غيرها، فمثلا حسيبة بن بوعلي كتبت رسائلها بالفرنسية باعتبارها طالبة تدرس بهذه اللغة، بينما كتب الشهيد محمد القيرواني وغيره من مناضلي الصحراء الجزائرية باللغة العربية، لأن أغلبهم كانوا خريجي “جمعية العلماء” والكتاتيب القرآنية.

محاربة اللغة.. مستعمر يفرض نفسه بديلا حضاريا

تنقل زهور ونيسي جانبا من رسالة الشهيد محمد القيرواني يقول فيها: أكتب لكِ رسالتي هذه على أمل أن تصلكِ، وهي بادرة صلة وطنية بيننا، وشهادة لعملك الثوري بجانب إخوانك في كل مكان من أرضنا الوطنية. ولا يخفاك أن حب الوطن من حب الله، عن علي بن أبي طالب، وإن كنا بعيدين بالأجسام، فالأرواح متصلة في ظل العمل الثوري المشترك.

وتؤكد زهور ونيسي أن اللغة العربية عزيزة على الجزائريين، وهو ما دفع الاستعمار إلى سن قوانين لمنعها، كما كان يُغلق المدارس التي تُعلّم باللغة العربية، ويتعقب الذين يستمعون لإذاعة “صوت العرب”. وقد حاول جاهدا فرض نفسه بديلا لحضارة هذه الأمة من حيث اللغة والتاريخ وغيرهما. ويتفق أستاذ التاريخ بجامعة باريس “ترامور كيمينور” مع ذلك، مشيرا إلى أن المستعمر كان يعمل على فرض ثقافته.

تؤكد الباحثة زهور ونيسي أن اللغة العربية عزيزة على الجزائريين ما دفع الاستعمار إلى سن قوانين لمنعها

وتنقل المؤرخة والباحثة في تاريخ ثورة الجزائر مليكة قورصو عن شريفة بن مهيدي -أخت الشهيد العربي بن مهيدي- تجربتها في المدرسة، إذ كانت تقرأ النص وتعدّل عليه بقولها “أسلافكم الغاليك”، فتصحح لها المُدرّسة بالقول: “أسلافنا الغاليك”، ثم تطالبها بالقراءة مرة أخرى، فترد عليها: “أسلافكم أنتم، وليسوا أسلافنا”، مما يستفز المُدرّسة فتطردها من الصف.

وتصف مليكة قورصو رسائل المناضلين بأنها كتابة رفيعة المستوى، وليست بها أخطاء إملائية، ومنظمة ومنهجية وملهمة. وتؤكد أنه ليس هناك ما يستدعي التمييز بين من درس بالعربية وبين من درس بالفرنسية، ببساطة لأن الهدف واحد، وهو النضال من أجل تحرير الوطن.

قلعة القصبة.. نضال حمل رسائل المجاهدين المشفرة

تتحدث المجاهدة زهرة ظريف بيطاط عن أبناء جيلها، وتستذكر أنهم كانوا يدرسون كتب المقاومة الفرنسية، ممنّين أنفسهم بأن يأتي دورهم في المقاومة من أجل تحرير الوطن. وتقول: منذ وعينا أدركنا أن أرضنا تعرضت للاحتلال، وأن الفرنسيين -أو الرواما كما كنا نُسميهم- احتلوا أرضنا، لقد غرست فينا عائلاتنا هذا الوعي.

رسائل من داخل السجون إلى خارجها

وتروي أن للقصبة خصوصيتها المعمارية العتيقة، وفي أزقتها ودروبها ينبعث عبق خاص من البيوت المتاخمة لبعضها، ولذلك فقد احتضنت أسطح المنازل الممتدة والمتداخلة فيما بينها خط سير الرسائل.

وتشير إلى أنه كانت هناك عملية نضالية من نوع آخر، وإستراتيجية مدهشة في القصبة، وكان هناك مناضلون ممن يملكون بقالات ومحلات، بينما هم منخرطون في التنظيم، وقد كان التنظيم حريصا على احترام مواعيد تسليم وتسلم الرسائل في أوقات محددة، لأنه حين تُفرض عليك حياة السرية وتجد الشرطة الفرنسية تلاحقك في كل مكان، تُصبح كل خطوة محسوبة، وكل تحرك بميزان.

ويستذكر خالد محجوب -وهو ابن ساعي القصبة- ذكريات تلك المرحلة، قائلا: كان عمي سليمان يقتاد قطيع الحمير المخصصة للتنظيف في القصبة، وكان حريصا على مضاعفة بطانة الشوال للتمكن من إخفاء الرسائل، وكان الوسطاء يضعون الرسالة في علبة السجائر ليسلمها لعمي، فيُسلّمها عمي للشخص الذي يقود قطيع الحمير، ليواصل هو الآخر تسليم الرسالة من مداخل ومخارج القصبة شرقا وغربا.

وتقول المجاهدة زهرة ظريف بيطاط أن تعليمات المسؤولين كانت تطالبهم -في حال القبض على ناقل أو مستلم رسالة- أن يصبروا على التعذيب بعض الوقت، مع إدراكهم أن التعذيب قاسٍ، ومن الصعب تحمّله وقتا طويلا، حتى يتمكنوا من إتلاف الوثائق وتغيير أماكن صناديق البريد التي يعرفها الوسيط المعتقل.

ويعود خالد محجوب ابن ساعي القصبة للقول إن مهمة والده كانت تقوم على كتابة الرسائل بأسلوب خاص جدا، فلا هي تُكتب بلغة عربية ولا بلغة فرنسية، وبالتالي لا يمكن لأحد غير والدي والشخص المرسل فك شفرة الرسالة.

رسائل المقاومة.. كنز من المعلومات في يد المستعمر

وفي المقابل كانت السلطات الفرنسية حين تقع على هذا النوع من المراسلات، تحتفظ بها لدى مصالح “المكتب الخامس” المختص في الحرب النفسية، وفي بعض الأحيان كانت تزوّرها وتنسبها لبعض المناضلين، كما تقول المؤرخة والباحثة في تاريخ ثورة الجزائر مليكة قورصو.

رسائل من مجاهدين جزائريين احتجزها الاستعمار الفرنسي ولم يسمح لها بالوصول إلى أهالى المجاهدين

وهنا يقول أستاذ التاريخ بجامعة باريس “ترامور كيمينور” إن بعض الرسائل أشارت إلى المعاناة التي كان يعيشها المقاتلون في الجبل تضمّن معلومات حساسة، خاصة فيما يتعلق بالذخيرة الحربية والأسلحة، ولهذا كان وقوع هذه الرسائل بين أيدي السلطات الفرنسية أمرا مهما، بسبب ما تُقدّمه من معلومات قيّمة حول الحالة النفسية لجنود جبهة التحرير، ولمعرفة نقاط ضعف المحاربين.

ويشير المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر جمال يحياوي إلى أنه بعد إنشاء وزارة التسليح والاتصالات العامة أصبحت تتحرى في كل ما يصل إلى القيادة من رسائل، وما يُنقل منها أيضا إلى داخل السجون، بعدما اكتشفت عملية الاختراق من قِبل السلطات الفرنسية.

ويروي أن بعض الرسائل وصلت عن طريق المحامين، وهم في الغالب من الفرنسيين أنفسهم، الأمر الذي يُعطي فكرة عن مدى إقناع هؤلاء المناضلين المسجونين، فقد أثاروا إعجاب محاميهم بسبب تمسكهم بقضية وطنهم. ولم تكن القيادة العامة مطلعة على الرسائل الشخصية التي يُرسلها المناضلون إلى عائلاتهم، فمعظم هذه الرسائل اكتُشف بعد استرجاع السيادة الوطنية.

“كنت آمل أن تكوني بيننا لتري جزءا من حلمنا يتحقق”

كانت الرسائل تنقل في فرنسا عبر الشبكات الدولية، خصوصا البلجيكية والسويسرية، وقد بلغت السويسرية نحو ثلاثة آلاف شخص، حتى إن بعض أعضائها كان يدخل الحدود الفرنسية بسيارته ناقلا تلك الرسائل، وقد ألقي القبض على بعضهم.

استطاع الاحتلال أن يقبض على كثيرين من المراسلين الذين يحملون رسائل المجاهدين

وتستعرض المجاهدة زهرة ظريف بيطاط رسالة وصلتها في سجنها من المجاهدة سامية الأخضاري من جنيف، وتشير إلى أن سلطات الاحتلال كانت تتحفظ على بعض الرسائل، خصوصا تلك التي بها أخبار العائلات أو أخبار استشهاد بعض المجاهدين.

واستكمالا لمسيرة الرسائل، تكتب زهرة ظريف بيطاط رسالة افتراضية إلى حسيبة بوعلي تقول فيها: عزيزتي حسيبة، اليوم 18 نوفمبر 2021، أنا مع أحفادنا، يريدون أن أحدّثهم عن ملحمتنا، اعلمي أنه بعد 60 عاما من الاستقلال، جزء كبير من أحلامك قد تحقق، صحيح أن أحفادنا يعتبرون أن الأمور لم تسر وفقا لتطلعاتهم، إنهم يقارنوننا مع دول مثل فرنسا الممتد تاريخها على مدى ألفي سنة، لكن تأكدي أن حب الجزائر مغروس في قلوبهم، كم كنت آمل أن تكوني بيننا اليوم لتري جزءا من حلمنا يتحقق، إلى لقاء قريب.

وترى المجاهدة والوزيرة السابقة زهور ونيسي أن رسائل الثورة هي رسائل حب أيضا، فالثورة لا تقوم إلا حبا للوطن، ولذلك فقد امتلأت هذه الرسائل بالحنين والشوق والمعنويات العالية.