“الأندلس حضارة أسطورية”.. عصر التعايش الديني الذي انهار بانهيار الدولة الأموية

تُدرك الأندلس من منظور عربي إسلامي يأسى لفقد الجنة الضائعة والتفريط في الوطن المغدور، ويظل مهما اختلفنا تنويعا على قول أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس:

حيث المساجد قد صارت كنائسَ ما
فـيـهنَّ إلا نـواقيسٌ وصُـلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ
حـتى الـمنابرُ ترثي وهي عيدانُ

أو تُدرك من منظور إسباني مسيحي، فتُعدّ الأرض المستعادة، فيحتفل حتى أيامنا هذه بذكرى “استعادة غرناطة” في الثاني من يناير/ كانون الثاني من كل عام منذ 1492، بعد أسر طال لثمانية قرون.

ولكي تعتبر استعادتها ملحمة خارقة تتداول الآثار صورة أبي عبد الله محمد الثاني عشر آخر ملوك الأندلس المسلمين على ربوة يودّع مملكته وأمه توبخه، في مشهد اصطنعه الأسقف “أنتونيو جيفارا”، إذ قالت أمه “ابكِ كالنساء مُلكا لم تحافظ عليه كالرّجال”. لكن سبيل فيلم “الأندلس حضارة أسطورية” (Al-Andalus, Une Civilisation Légendaire) للمخرج “مايكل شوارتز” هو وثائقي تاريخ وعلم آثار ينظر إلى القصة من غير المنظورين.

ربما نحتاج أكثر إلى العبارة الشهيرة للأندلسي الأصل العلّامة عبد الرحمن بن خلدون “إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، لكن في باطنه نظر وتحقيق”، وذلك لنميّز الإخبار في الفيلم من النّظر والتحقيق، فهذا العمل التوثيقي الكلاسيكي يبدو درسا في التاريخ، يعرض سياق ظهور الدولة الأموية بالأندلس، ثم تفككها إلى ممالك الطوائف متناحرة، ثم اندحار الوجود العربي برمته.

وكثيرا ما يفتقد إلى دقة المؤرخين وصرامتهم، لكنه يرمي إلى عرض التلاقح الحضاري بين أديان التوحيد الثلاثة، وحالة التعايش التي نشأت بوصول المسلمين وانهارت برحيلهم.

عبد الرحمن الداخل.. هارب من الشرق يؤسس دولة في قرطبة

بدأ العصر الذهبي للأندلس -وفق الفيلم- من دمشق، ففي عرض مبسّط للتاريخ الإسلامي يذكّر بدور بني أمية في تأسيس الإمبراطورية الإسلامية، ويشير إلى اصطدامهم الدامي مع العباسيين حول شرعية خلافة الرسول ﷺ، وقد آلت فيه الكلمة العليا إلى الفرع الهاشمي في نهاية الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة.

ومن وجوه التبسيط اختزاله لمسار إبادة الأمويين في الفخ الذي نُصب لهم أثناء حفل عشاء لتصفيتهم، والحال أن الأمر أكثر تعقيدا، فهو يبدأ من معركة الزاب (132) التي قتل فيها العباسيون نحو 300 رجل أموي، وإباحة عبد الله بن علي قائدهم قتل كل مَن يعثر عليه من الأمويين ومعاونيهم عندما دخل مدينة دمشق، ويمتدّ إلى مذابح مروعة كثيرة ارتكبت بحقهم.

يعود المخرج “مايكل شوارتز” إلى سياق نشأة الدولة الأموية بالأندلس، فبعد مذبحة نهر أبي فطرس وخرق العباسيين لعهد الأمان الذي قطعوه للأمويين، قرر عبد الرحمن بن معاوية (الملقب بالداخل) أحد الأمراء الأمويين الفرار إلى أفريقيا، وذلك لبُعدها عن مقر الخلافة، والاحتماء بأخواله البربر، وأمكن له ذلك، فأفلت من خيول العباسيين، وقطع نهر الفرات سباحة، لكن لم يصل إلى الضفة الأخرى إلا رأس شقيقه الذي وقع في الماء بعد أن أدركه العباسيون.

تمثال لصقر قريش عبد الرحمن الداخل

ومن أفريقيا جهّز نفسه وجمع الأتباع، من بينهم ثلاثة آلاف فارس، لينتزع الأندلس من واليهم عبد الرحمن بن يوسف الفهري، واتخذ قرطبة مقرا له، ودعا لنفسه بداية من 138هـ، بعد أن خطب باسم السّفاح برهة، واستقر الحكم لخلفه من الأمويين، وبلغ عدد حكّام الأندلس من بيته سبعة، كانوا يلقبون أنفسهم بالأمراء، وتداولوا على الإمارة إلى آخر القرن الثالث، ولما انتهى الحكم إلى عبد الرحمن الثالث المعروف بالناصر لدين الله، أعلن نفسه خليفة.

دمشق الجديدة.. نهضة عمرانية في أكبر مدائن أوروبا

هكذا بات في بلاد المسلمين ثلاث خلافات متنازعة، هي الخلافة العباسية في بغداد، التي نهضت على أنقاض الخلافة الأموية بدمشق، والخلافة الفاطمية في شمال أفريقيا، والخلافة الأموية المتجدّدة في الأندلس.

مثّلت قرطبة نموذجا للنهضة العمرانية في الأندلس، فقد كانت مدينة متهالكة عند وصول عبد الرحمن إليها، فحاول أن يجعلها دمشق جديدة، واستخدم الآثار الرومانية في تشييد بناياتها، ثم منحها عبد الرحمن الثالث بُعدا جديدا ليجعلها أكبر المدن الأوروبية، حتى تكون عاصمة جديرة بالخلافة، فمدّ نظاما للصرف الصحي تحت الأرض، وآخر لتوفير مياه الشرب، وجهّزها بالإنارة العمومية، وظهرت الأسواق الكبيرة والحمامات العمومية، وضمّت مكتبتها نحو 400 ألف مخطوطة.

ومهما مال الرقم إلى المبالغة، فإنه يظل مؤشرا على ضخامة المكتبة والعناية بالعلم والعلماء، وقد تحولت إلى مركز حضاري يعكس عظمة الدولة، كما شيّد في ضواحيها مدينة الزهراء بحدائقها ومعمارها اللذين ألهما الشعراء طويلا.

عصر التعايش.. حرية دينية واقتصادية تحت الحكم الأموي

يظل التعايش (Convivencia) تجربة فريدة تخص المجتمع الأندلسي دون عامة المجتمعات القديمة، وترجمتها الحرفية العيشُ مع الآخر، وتعني في المطلق التعاون بين الشعوب والأديان، ويُراد بها في السياق الأندلسي التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود في مجتمع واحد منصهر.

فقد تمتّع غير المسلمين في ظل الدولة الأموية بحقوق كثيرة، من بينها حرية العقيدة وحق ممارسة الشعائر الدينية، وشاركوا في الحياة الاقتصادية مشاركة فاعلة، حتى باتت الأندلس الوطن المفضّل لليهود، فقد وجدوا فيها ما لم يجدوه في أوطان أخرى، ولم يواجهوا التضييق عليهم في تجارتهم ومهنهم، وتحولوا من أقلية منبوذة إلى جماعة قائمة الذات، تستعمل مكتسباتها الحضارية للانخراط في المجتمع الإسلامي.

جامع قرطبة في الأندلس

ولم يُنظر إلى هذا التعايش بعين الرضا تماما في هذا الفيلم، فهذه الحقوق لا تُكتسب وفق المؤرخين الذين استند إليهم، إلاّ عبر تسليم غير المسلمين بكونهم من أهل الذمة، أي مواطنين من درجة ثانية يعيشون في ذمة المسلمين، وهذا ما يوجب عليهم دفع الجزية، ويلزمهم بعدم القدح في دين الإسلام بأي وسيلة، وأن لا يعينوا أهل الحرب المعتدين على المسلمين، وأن يضعوا لأكلهم وشربهم حدودا، فلا يجاهروا بشرب الخمر وأكل الخنزير، وأكثر من ذلك لا تدق لكنائسهم النواقيس، ولا تعلوا أبنيتهم فوق أبنية المسلمين، ويتحتّم عليهم لبس الغيار وشد الزنار بما يميّزهم عن المسلمين.

وفي التعايش مفهوم مواطني متقدم جدا قريب من المفهوم الفلسفي المعاصر “للعيش معا”، حيث يُعد مدخلا رئيسا للمواطنة واحترام الآخرين، بما في ذلك اعتقاداتهم وقِيَمهم وثقافاتهم، ويُعتبر الاختلاف والتعدّدية الثقافية ضامنين للتفاعل بين الثقافات المختلفة في المجتمع الواحد، ضمن مسار غير عُنفي وتعايُش سلمي، لكن في بعض ما جاء من لوم في الفيلم تعسّف على السياقات التاريخية ظالم للمسلمين، فأولى أن يقارن التعايش بين أتباع الديانات المختلفة بنظيره في المجتمعات المعاصرة له، لا بمفاهيم اليوم الناشئة عن سياقات معرفية وفلسفية وحضارية مختلفة تماما.

ابن أبي عامر.. آخر الرجال الأقوياء يفتح باب الانهيار

وصلت الدولة الأموية إلى ذروة الازدهار مقارنة بمحيطها الإقليمي، لكن هذا الصعود إلى القمة مثّل في الوقت نفسه بداية أفول الحضارة الأندلسية، فقد أعلن عبد الرحمن الناصر لدين الله نفسه خليفة، وبعد موته ثم موت ابنه الخليفة المستنصر بالله آل الحكم إلى حفيده أبي الوليد هشام المؤيد بالله عام 366 هـ، وهو ابن 12 سنة، وكان تحت وصاية أمه، وهذا ما أتاح لحاجبه المنصور بن أبي عامر الإمساك بمقاليد الحكم، ليكون الأمير المطلق، فكان يحكم باسم الخليفة، ويجرده من صلاحياته في الوقت نفسه.

يتبنى الفيلم وجهة النظر التي تحمّل المنصور انهيار دولة شبه الجزيرة الأيبيرية، فقد كان رجلا عسكريا فظا سعى إلى التوسع نحو الشمال المسيحي، ومنح طموحاته العسكرية طابعا فكريا، فقد هاجم الكاتدرائية الإسبانية “سانتياغو دي كومبوستيلا”، وهي أهم محج للمسيحيين في أوروبا في العصور الوسطى عام 997، فهدم أبوابها واستولى على أجراسها، وأرغم الأسرى المسيحيين على نقلها فوق ظهورهم إلى قرطبة، وحوّلها إلى حوامل لمصابيح الإنارة في الجامع الكبير، وهذا ما وحّد كلمة القوى المسيحية المتناحرة ضده.

وبعد موته منَع المسلمون نقل الحكم إلى أبنائه، وثار سكان قرطبة، وهجم مرتزقة البربر الذين كان المنصور يستعين بهم في حروبه، ويكلفون خزينة الدولة الأعباء الكثيرة، فدُمرت مدينة الزهراء، ونهب كل ثمين فيها، وخُرّبت مبانيها، وتمزقت الدولة إلى أشلاء متنازعة فيما بينها،ُرّباء و نهب كل ثمين فيها ودُمرفتراضية خاصّة أننا نعيش على وقع هيمنة الافتراضي والذكاء الاصطناعي على حياتنا الواقعية اليوم.

وعرفت بممالك الطوائف، وبعد نحو قرنين ونصف استولى “فرديناند الثالث” القديس على قرطبة، فشهدت المدينة أسرى آخرين ينقلون الأجراس والأبواب نفسها على ظهورهم إلى طليطلة، لكن كانوا هذه المرّة من المسلمين، وأُدرج ذلك ضمن صراع رمزي عصف بكل ذلك التعايش الذي ساد لقرون.

تمثال لأبي ابن أبي عامر

بات التعايش يتراجع إثر نجاح المسيحيين في ما سمي بحروب الاسترداد، ويتحوّل إلى صدام كان المستعربون أول ضحاياه، لكونهم تبنوا تقاليد العرب ولغتهم واهتموا باللغة العربية، ثم ألحق بهم اليهود فالمسلمون.

حضارة الأمويين.. دماء مسفوكة تصنع نهضة معمارية

يمكن أن نختزل أطروحة الفيلم في الإشادة بالتعايش الذي صهر الديانات السماوية في نسيج اجتماعي واحد، وفي اتهام الحاجب المنصور بن أبي عامر بما سبّبه من شرخ في ذلك الاستقرار الذي تفتقد إليه سائر مجتمعات القرون الوسطى، فتوارى ذلك التعايش، وكان المسلمون والدولة الإسلامية في الأندلس أول ضحاياه.

ويمكن أن نتبيّن نزعة جلية للاحتفاء بهذه الظاهرة الفريدة ضمن مقاربة موضوعية محايدة من صنّاع الفيلم، لكن السينما خطاب بصري بالأساس، وإن تعلّق الأمر بدراسة وثائقية تقوم على أطروحات فكرية مجرّدة.

يبدأ الفيلم بصور تحريك مدارها على دماء تنسكب، فتشكل عمارة يظهر من خلفها الشاب عبد الرحمن بن معاوية الذي سيلقب بالداخل أو صقر قريش، وسيكون سببا في استعادة الخلافة الأموية لتوهجها في الأندلس لاحقا. فهل أراد الفيلم الإشارة إلى تلك المجازر التي ارتكبت بحق الأمويين؟

لنسلّم بذلك. لكنه يجعل كل العمارة العربية والإسلامية وكل العمران بالتبعية مشكّلين من دماء، بما في ذلك تلك التي أسسها الأمويون، وما يؤازر هذا المذهب في التأويل الخطير استعمال رسومات قبيحة توحي بالتوحّش لتجسيد العرب.

أما حين يشير إلى الغرب، فإنه يستعمل لوحات بديعة متقنة تعود إلى عصر النهضة، وتعتمد الرسم المنظوري، فكان هذا العنصر التشكيلي خطابا منحازا ينسف ما في الأطروحات من سعي إلى الحياد والموضوعية، وما في مضمون الفيلم من احتفاء بالتعايش بين المؤمنين بالأديان الثلاثة.

عقوبة أهل الذمة.. نظرة استشراقية تغذي المخيال الغربي

يمكن وصف الفيلم بكونه فيلما استشراقيا، أي أنه ينتمي إلى الدراسات أو الفنون التي تهتم بالشرق، تلبية لحاجة الغرب لتعميق معرفته بأحوال الشّعوب الشرقية ولغاتها وتاريخها وحضارتها، فهو يصدر عن بحوث الغربيين أساسا، ويستند إلى مؤرخيهم، ويقدّم وجهات نظرهم حول وضعية الأقليات في المجتمع الإسلامي عامة.

تمزقت الأندلس إلى أشلاء عرفت بممالك الطوائف

فيعتبر صفة الذمي والتمييز في الزي والجزية عقوبة فرضها المسلمون على من لم يعتنق الإسلام، وممارسات تجعل المجتمع الإسلامي بعيدا عن التعدّد، وهذا تعسف على السياق التاريخي.

يكرّس الفيلم المخيال الغربي الذي تصفه الباحثة زاهدة محمد طه المزري في أثرها “صورة الشرق بين الفلسفة والاستشراق” قائلة إنه “يعيد باستمرار إنتاج الشرق ويكون صورته للطرف الآخر (الغرب)، طبقا لخطاب كان جاهزا ومنمقا ومهيأ من أجل القراءة والفهم والاستيعاب، أكثر من انتمائه إلى الواقع والصيرورة السوسيولوجية المتغيرة. وهو عموما -ووفق معايير إجرائية- خطاب موجه سواء أعاد تشكيل الشرق بصورة صحيحة أو غير صحيحة”.