“البابا والشيطان”.. تبييض الفاتيكان لصورة البابا الصامت الذي أزعج النازية

كل عمل وثائقي هو محاولة فردية لقراءة الماضي من موضع اللحظة الراهنة، رهان بصري نشاهد فيه سنوات الأمس كأنها دقيقة أمام المتلقي، هذا الإيجاز الفيلمي/ التلفزيوني للخطاب التاريخي يحاول بلورة حدث ما، مختلَف على تقييمه، كي يمكن الحكم عليه في أفضل صورة موضوعية، أحيانًا قليلة يمكن الخداع بالتلاعب في سياق الأحداث، وأحيانا كثيرة تكشف الأبعاد السياسية والاجتماعية والنفسية الدوافع التي أدت لصناعة تاريخ حكايته بشكل يستدعي إعادة التأمل والتأويل.

ينتج الوثائقي المحكم نواة وثيقة نقدية جديدة تقاوم الأحكام السابقة بالجديدة المُعاد استنباطها، فيدحض الأوهام بالحقيقة الجديدة، وتسمح هذه النظرة العامة باتخاذ مواقف أكثر تماسكا وتركيبا، خصوصا إذا كانت القضية التي تناولها العمل مثار جدل عالمي، وعلى قدر هذا الجدل والصدى يمكن تحديد مدى أهمية العمل والقضية التي يتناولها.

من هذا المنطلق لن نجد أشياء أثارت الجدل العالمي لعشرات السنوات أكثر من قضية المسلسل الوثائقي “البابا والشيطان” (The Pope & The Devil) المعروض على منصة شاهد، بالمقابلة التاريخية التي أعاد تصويرها بين لحظة وجود “أدولف هتلر” وبين سلطة الكنيسة “الفاتيكان” وعلى رأسها البابا “بيوس الثاني عشر”، الرجل اللغز المتهم بالصمت من كل جهة في تلك الفترة الحرجة.

أخرج المسلسل “ماكس سريو”، وقد اشترك في كتابته مع “باربارا فريل” و”باولو نيغرو”، وهو يتحرك بتكثيف شديد لتلك اللحظة التاريخية التي تأسست عليها النظرة إلى فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم وما ترتب على نتائجها ما بعد الحرب العالمية الثانية بعد الشتات اليهودي، وذلك بإعادة طرح كل ذلك من منطلق الإدانة اليهودية المعروفة للكنيسة والفاتيكان في لحظة قتلهم وحرقهم أحياء، بتقديمها في كل مرة في سؤال استنكاري: لماذا لم تقف الكنيسة في وجه “هتلر”؟

طرد الأرواح الشريرة.. مواجهة بين البابا وأداة الشيطان

يعتمد نص المسلسل خطابيا على أرشيف مكتبة الفاتيكان الذي لم يطلع عليه أحد من قبل، بالتركيز على حياة البابا “بيوس الثاني عشر” خلال العقود الأربعة التي ظل على رأس الكنيسة الكاثوليكية فيها، وقد شهدت هذه الفترة زخم الأحداث المتلاحقة على امتداد الحرب العالمية الثانية وانتهائها.

يناقش المسلسل عددا من القضايا في الحلقات الأربع، تبدأ من لحظة إعادة قراءة الوضع التاريخي وقتها، في سياق فهم الكنيسة والوضع في الشارع الألماني وتمكين “هتلر” المتصاعد، ثم تفصيل إيمان البابا السابق بوجود الكيان الشيطاني وقدرته على الاستحواذ على الأفراد، ومعركة الكنيسة ضد القوى الشريرة، واستخدام أساليب طرد الأرواح لتخليص من يعتقدون أن تلك القوى استحوذت عليهم، وإجراء البابا عدة عمليات لطرد الأرواح الشريرة من جسد “أدولف هتلر” عن بعد، مع الإشارة إلى إيمانه بأن الزعيم النازي كان أداة للشيطان، وفي نفس الوقت عجزه عن معارضته بشكل علني، رغم غضبه من انتشار الفاشية وظلم اليهود.

يستمد المسلسل اسمه من تلك المواجهة المباشرة غير المباشرة، بين الشيطان كتعبير عن رأس السلطة الألمانية “الذي كان يستلذ بقتل اليهود” في مقابل البابا، لا كملاك بشري، لكن كعدو، ومنذ اللحظة الأولى يُظهر العمل أن البابا رغم صمته المُدان في مختلف السياقات كان العدو الأكبر للشيطان، فكيف عبّر عن هذا العدوان رغم صمته المستمر طيلة سنوات من حياته؟ هذا ما يحاول الوثائقي كشفه من خلال أرشيف الفاتيكان.

مشهد من الفيلم للبابا بيوس الثاني

مكتبة الفاتيكان.. ستة قرون وملايين من الكتب والمخطوطات

في الربع الأول من 2019 أعلن البابا “فرانسيس” إعلانا مفاجئا وغريبا على الكنيسة، حين قرر فتح أرشيف الفاتيكان السري المتعلق بفترة البابا “بيوس الثاني عشر” (1939- 1958)، على اعتبار “أن شخصية بيوس الثاني عشر الذي قاد السفينة خلال لحظة من بين أكثر اللحظات حزنًا في القرن العشرين، كانت قد دُرست في كثير من جوانبها، وفي بعض الأحيان كانت موضع نقاش وحتى انتقاد، واليوم وضعت هذه الشخصية في الضوء الصحيح لصفاتها المتعددة، الراعوية قبل كل شيء، وأيضا اللاهوتية”.

يمثل الفاتيكان عموما المكانة الأعظم مسيحيا، باعتباره السلطة العليا على رأس الكنيسة، والمؤسسة الرسمية الوحيدة التي ازدهرت في العصور الوسطى، وقد لعبت دورا في كثير من المفاصل التاريخية الأوروبية، في النهضة الأوروبية، ثم في الثورة الفرنسية، لذلك تمثل اعترافاتها ووثائقها أهمية فائقة، لإعادة كتابة التاريخ -مسيحيا على الأقل- من خلال المكتبة الضخمة التي تحمل أسرارها.

لدى مكتبة الفاتيكان أهمية فائقة في دراسة التاريخ من عين الكنيسة، وقد أسسها البابا “نيكولاس” عام 1451، وكانت تضم 1160 كتابا، ثم نمت بحلول عصر النهضة قرابة عام 1481، وأصبحت تضم 3500 كتاب، وفي عام 1571 احتفظت المكتبة بأول دليل للكتب الممنوعة، وبدأت البحث عن مخطوطات من البلدان الشرقية، خاصة العربية التي كانت معرضة للحرق.

ويوجد الآن في مكتبة الفاتيكان أكثر من مليون كتاب، إلى جانب 75 ألف مخطوطة يعود أقدمها للقرن الثاني الميلادي، وحوالي 65 ألف مجلد، و8 آلاف معجم، و23 وحدة أرشيف، و100 ألف خريطة ورسم وحفرية، و330 ألف عملة معدنية، ووسام يوناني وروماني وبابوي، ويدخلها كل سنة ستة آلاف مجلد.

فتح الأرشيف.. محاولة متأخرة لتبييض وجه البابا

في النهاية تكشف اللحظة المفصلية بالتنازل وفتح الأرشيف السري محاولةً علنية استثنائية للدفاع عن البابا الذي طالته أصابع الاتهام، كما يبدو من تعليقه السابق أنهم كانوا في حالة غضب من الظلم الذي تعرض له الرجل من وجهة نظرهم.

لذلك فقد آثروا -على غير عهد الصمت الكنسي المعروف والدبلوماسية الباردة- أن يعطوا وجهة نظر الكنيسة المخفية إلى الجمهور، فوفقًا لعدد من الروايات والأبحاث والآراء اليهودية وغيرها تصل الاتهامات بالرجل إلى درجة اعتباره “بابا هتلر” الذي “صمت ووافق على العنصرية والمحرقة”.

لا شك أن محاولة المسلسل وفتح الأرشيف -هما معا- محاولة متأخرة لتبييض الوجه، وتبدو أحادية النظرة في الاعتماد الكلي على الأرشيف فقط، دون مقارنته بالاتهامات التي أعلنها عدد من المؤرخين اليهود أو غيرهم بإدانة الصمت على الأفعال الهتلرية، هذه الإدانة لمجرد إثبات الموقف لا للبناء عليها نتائج في عهد رجل قتل أغلب معارضيه.

“علينا التخلص من البابا بيوس الثاني”

تماشيا مع أغلب السرديات التاريخية التي جعلت “هتلر” الشيطان الأعظم، ونزعت الاتهامات عن أغلب المجتمع الألماني آنذاك، رغم دعمه وتأييده على ما فعل؛ كانت شخصية البابا في تلك السرديات هي المقابل السلطوي الذي يمكن من خلاله إعادة تحديد مدى قوة “هتلر” على معارضيه، مهما امتلكوا من قوة، قليلون فقط يمكنهم لعب هذا الدور، من بينهم الرجل الذي تلقى الاتهامات بسبب صمته أكثر مما تلقاها قادة الدول الأخرى ذاتهم وقتها، ربما لما يقع عليه من مسؤولية ومن وعي بالسلطة الروحية التي يملكها على الناس.

الملصق الرسمي للسلسلة

في مذكرات “يوميات جوبلز” لوزير الدعاية في الرايخ الثالث “جوزيف جوبلز” يسرد المؤلف “هلمت هايبر” تفاصيل رغبة “هتلر” التي كانت تتضمن خطط الاستيلاء على الفاتيكان وإلقاء القبض على البابا “بيوس الثاني عشر”، بينما يقول إنه نصح “هتلر” كثيرا بأن “يصرف النظر عن هذه الفكرة، بسبب أن اجتياح الفاتيكان سوف يكون له أثر مدمّر في الرأي العام العالمي، نظرا لما تتمتع به سلطة الفاتيكان على كل أرثوذكسي في العالم”، بينما كان الرجل يقول دائمًا “علينا التخلص من البابا بيوس الثاني تحديدا لا الكنيسة، هو مصدر الإزعاج”.

استمع البعض إلى نصائح “غوبلز”، فحاول إسكات صوت إذاعة الفاتيكان، ففي العام 1943 حلقت طائرة على علو منخفض فوق الفاتيكان، وألقت خمس قنابل انفجرت أربع منها، بينما لم تنفجر الخامسة، وسبب القصف أضرارا مادية، ولاحقا تبين أن قائد الطائرة طيار فاشي معجب بـ”هتلر” وله علاقة باستخباراته، وقد أقدم على فعلته هذه محاولا إلغاء رسائل إذاعة الفاتيكان الموجهة إلى أسرى الحرب العالمية الثانية.

إذن فقد كان شخص “بيوس الثاني عشر” مصدر الإزعاج والتساؤل، لا الكنيسة ولا الفاتيكان، ولا يخفى على الجميع -حتى بالاستناد إلى الأرشيف الكنسي- وجود مجموعات من القساوسة والرهبان المتطرفين الذي ساعدوا “هتلر” في القضاء على اليهود، رغبةً في التخلص منهم تماما، بينما يجسد شخص البابا ذاته لغزا كبيرا بين التأييد والغضب منه، فكان يقول دائمًا: “تفقد شيئا من خلال السلام، تفقد كل شيء من خلال الحرب”. ويعتبر هذا دستوره في مواجهة العدو.

أيام الحرب.. حقبة لم تر النور من أيام البابا

المتابع لقراءة التاريخ في فترة الحرب العالمية الثانية يجد كثيرا من القراءات التي تدين الفاتيكان بشدة وعنف أثناء وجود “هتلر”، وأنه صمت من أجل النجاة للمسيحيين دون النظر لما حدث لليهود، على اعتبار أنه لا يخصهم.

بل تقف خطابات ما بعد الحداثة عموما أمام إشكالية هذه اللحظة لتعيد تأويل التاريخ من خلالها: كيف كان العالم وقت المحرقة وما الذي ترتب على ذلك حتى اليوم؟ أغلب هذه الخطابات يدين الفاتيكان وأحيانا يُعاديه، ومن هنا تحديدا تأتي أهمية المسلسل الذي يعيد تأويل التاريخ، بناء على أرشيف لم ير النور على مدار كل تلك السنوات بالتركيز على البابا اللغز/ السلطة الوحيدة المقابلة لـ”هتلر” وقتها.

البابا بيوس الثاني

لم تتوقف محورية الحديث التاريخي من خلال البابا بانتحار “هتلر” وخسارة الحرب العالمية الثانية، إذ كان الرجل والمؤسسة يمثلان تهديدا حقيقيا لشيطان آخر، وهو “جوزيف ستالين” الذي تنامى وجوده وتوحّش بعد انتحار “هتلر”، وكان مثله يريد إنهاء وجود الكنيسة أيضا.

لذلك امتلكت شخصية البابا نموذجا مثاليا للإثارة والرغبة في المعرفة التي يمكن أن تتحقق في شخصية ما، مهما كان الموقف منها من الإدانة أو التمجيد.

“أجانب عالة على الأمة الألمانية”

يتساءل عباس محمود العقاد في كتاب “هتلر في الميزان” عن المقياس الذي نرجع إليه في تقدير رجل من رجال التاريخ، ويقول إنه من الخطأ تعظيم الرجل بمقدار الضجة التي يثيرها، وربما من أكبر من قادتهم الظروف وأفادتهم في الوجود “أدولف هتلر”، فهو مخلوق الظروف والمصادفات، فلو انتقل من بيئته أو زمانه أو جيله لما تخيل له شأنا كهذا الشأن الذي انتهى إليه، ويخلص إلى أنه علينا عدم التوقف عن دراسة تلك اللحظة المفصلية التي كان صداها عربيا تماما مثلما كان صداها على الغرب.

كثيرا ما يكون النظر في حركة عالمية بمثابة النظر في حياة رجل واحد هو الذي ابتعث تلك الحرب أو اقترنت باسمه تلك الحركة، لذلك فإن نقطة القوة الأولى في المسلسل هي البداية بتفكيك الحديث عن المجتمع الألماني قبل وصول “هتلر” إلى رأس السلطة.

فقد انقسمت ألمانيا بين فريقين أحدهما يريد عودة الوضع المادي المريح، وهم أصحاب المصانع ومتوسطو الدخل والفنانون، مقابل الفقراء الذين يريدون ألمانيا بقواعد جديدة تتسع للجميع دون فوارق طبقية مزعجة. بل إن تهديد دخول الشيوعية في تلك اللحظة أرعب الطبقة الغنية في ألمانيا، ومع ترجيح كفة “جوزيف ستالين” على “تروتسكي” في روسيا دحضت آمال وجود الشيوعية، وربما كانت تلك اللحظة دون غيرها نقطة صعود “هتلر” الكبرى والظرف التاريخي الذي ساعده بقوة.

هذه الطبقة هي التي أيدت “هتلر” خوفا من انتشار الشيوعية في ألمانيا، للحفاظ على طبقتهم وامتيازاتهم، وإلى جانب ما قدمه “هتلر” لكسب هؤلاء، قدّم معاداة السامية والعنصرية ضد اليهود، بحجة أن ما لديهم من موارد يستحقها الألمان نفسهم، لأن اليهود “مجرد أجانب عالة على الأمة الألمانية”، وهو ما كسب من خلاله بعض الشيوعيين الذي لم يجدوا غيره لإنقاذهم أيضا.

بدا أن عددا كبيرا من الألمان كان على استعداد كامل للتضحية بنصف المليون من اليهود الموجودين في ألمانيا “الذين يأخذون وظائفهم”، التضحية بأي شيء عموما مقابل وجوده الشخصي في اللحظة المخيفة التي أوجدت “هتلر” قبل أن يصنعها.

بناء المسلسل.. محاولة مسيحية للدفاع عن الرجل الصامت

يستند المسلسل على تمثيل حالات تخلص “هتلر” من كل معارضيه بقتلهم دون هوادة، ويقدم ذلك في مقابل خطة صمت البابا في كثير من الأحيان، على اعتبارها “مواجهة ذكية غير مباشرة مع الشيطان”، ورغم صمته العلني في كثير من المواقف التي لا يزال يُدان عليها كما تُدان الكنيسة، خصوصًا أن تلك المعاداة الدينية نالت الكنيسة ذاتها فيما بعد؛ فإن المسلسل يخلص إلى عدد من الاستنتاجات، كان على رأسها القطع بأن “البابا أنقذ حياة خمسة عشر ألف يهودي خلال الحرب العالمية الثانية، وكان مطلعا بالتفاصيل على ما كان يجري آنذاك في قلب القارة الأوروبية”.

وقد اعتمد المسلسل بصريا على مشاهد تمثيلية جيدة الصنع، لمحاكاة تعتمد على الأرشيف للحرب الصامتة التي كانت بين البابا و”هتلر”، فظهر “هتلر” في صورته الغاضبة المعتادة في مقابل مشاهد البابا التي أوجزت في لقطة واحدة متكررة لرجل ينظر من خلال شرفته إلى السماء في صمت، في مناجاة غير بشرية دائمة يعتمد عليها المسلسل لشخصية البابا الصامت على الدوام.

مسلسل “البابا والشيطان” هو محاولة مسيحية مضنية للدفاع عن رجل لا يزال يستحق كثيرا من القراءة والمشاهدة، نظرا للأهمية التي تتجاوز منصبه إلى حياته المديدة الشاهدة على لحظة فارقة في التاريخ البشري، بالنسبة لمن يعتبره خائنا ومعاونا لـ”هتلر”، ومن يعتبرونه المظلوم المناضل الذي ساعد على هروب البعض من المحرقة ووقف في وجه الطاغية. كان هذا المسلسل بداية جيدة تستحق المشاهدة عن حياة الرجل واللحظة التاريخية التي شهد عليها، للبناء عليها من مصادر مختلفة لا تتجاهل الأرشيف الكنسي ولا تعتمد عليه وحده.