“مقابلة مع إرهابي”.. تاريخ تكتبه الدماء والأعداء عن صراع الباسك للاستقلال

فيلم “وجها لوجه مع منظمة الإيتا.. مقابلة مع إرهابي” (Watch Face to Face with ETA: Conversations with a Terrorist) هو فيلم وثائقي أخرج عام 2023، ويتضمن عرضا لنصف قرن من الصّراع الدّامي بإقليم الباسك الإسباني.

فتُستهلّ لحظاته الأولى بسرد جملة من المعطيات، يريدها صنّاعه أن تكون زادا للمتفرّج للفهم والتأويل. فاستنادا إلى أرقام وزارة الدّاخلية الإسبانية، فقد “أُسست منظمة (إيتا) الإرهابية في 31 يوليو- تموز 1959، أثناء حكم الدكتاتور “فرانثيسكو فرانكو” للقتال في سبيل حرية إقليم الباسك، وفي أعقاب موته عام 1975، وبعد التّحوّل إلى النظام الديمقراطي استفحل عنفها، فاقترفت أكثر من 90% من مجموع جرائمها، فقد قتلت 852 إنسانا وجرحت 2661 آخرين ما بين عامي 1968-2010″.

أمّا الحكومة الباسكية فتذكر أنّ “الدولة الإسبانية -فضلا عن اليمين المتطرّف والشرطة الشعبية- شنت حربا غير شرعية ضد إيتا قتل فيها 73 شخصا”.

“إيتا”.. حركة ثورية باسكية للتحرير القومي

ربما يحتاج السياق تنزيلَ الصراع الباسكي الإسباني في سياقه التّاريخي، فقد كانت “إيتا” منظمة مسلحة شكلها بعض الطلاب، وكانت تسعى منذ نهاية الخمسينيات إلى الانفصال بإقليم الباسك عن إسبانيا، وتأسيس دولة مستقلة. ولذلك فهي تصنّف نفسها “حركة ثورية باسكية للتحرير القومي”. وتختزل نضالها خاصّة في:

الدفاع عن اللغة المحلية والعرق الباسكي. العمل على استقلال بلاد الباسك، بما في ذلك الشطر الشمالي الواقع في جنوب فرنسا.

وقد انتهجت المنظمة العمل السري والثوري و”الكفاح المسلّح” سبيلا لتحقيق أهدافها، فشنت أول عملية مسلحة ضدّ أنصار الجنرال “فرانثيسكو فرانكو” في 1961، ثم اغتالت عام 1968 مدير مكتب المخابرات الإسبانية، وفي 1973 اغتالت رئيس الوزراء الإسباني “لويس كاريرو بلانكو”، وفي 1978 أسّست جناحا سياسيا ليدعم عملياتها العنيفة والمسلحة. وتعدّ بداية الثمانينيات التي شهدت مقتل 118 شخصا أكثر السنوات دموية في تاريخها.

شرطي المدينة.. ضحية يصبح منبوذا اجتماعيا

يتضمن الفيلم قصتين متناظرتين أساسا، أولاهما قصة الشرطي “فرانثيسكو رويز”، وهو إسباني انتقل للعيش بالإقليم منذ كان طفلا يبلغ 3 سنوات، فأحبه ورأى نفسه جزءا منه، فتزوج فيه وأنجب بناته الأربعة، وعمل فيه ضابط شرطة محليا، لا لدعم قبضة إسبانيا على الإقليم، بل لحاجته إلى إعالة أسرته وفيرة العدد.

وكان في 9 فبراير/ شباط 1976 يقف على عتبة منزل عمدة المدينة، لوجوده ضمن فريق حمايته، حتى يذهب إلى مقر عمله الذي يبتعد نحوا من 500 متر عن المنزل. ولكنّ خلية كومندوز من منظمة “إيتا” فتحت النار على الموكب، فأصابت العمدة برصاصات قاتلة، وأصابته هو في صدره ومعدته أولا.

ثم أطلق المهاجمون عليه النار عليه مرة أخرى وهم ينسحبون، ولم تكن الرصاصات الست التي اخترقت جسده كافية لقتله “فقد تدخلت العذراء لحمايته، بعد أن استجار بها وطلب منها أن تنقذ حياته، ليربي بناته”.

وبعد رحلة علاج طويلة غادر المستشفى على كرسي متحرك، فوجد أنّ جميع من يعرفهم كانوا يتحاشونه، فينتقلون إلى الناحية الأخرى من الطريق حين يعبره، ولم تكن زوجته تُعامَل بلطف حينما تذهب إلى الفضاءات التجارية، كأن يقول البائع على الملأ مثلا: “كان عليهم قتل ذلك الفاشي منذ سنوات، سحقا للشرطي الذي كان يحميه”.

الملصق الخاص بالفيلم

غدا الشرطي “رويز” مرفوضا في مجتمع غالداكو و”أصبح منبوذا وكأنه مصاب بالجذام، مع أنه كان ضحية”. وهكذا وجد نفسه مجبرا على الرحيل.

“جوسو العجل”.. قائد الحرب والسّلام الذي شيطنه الفيلم

بالتداول مع سيرة الشرطي “فرانثيسكو رويز”، يعرض الفيلم سيرة “جوسو أوروتوكويتشا”، وهو أحد أهم زعماء منظمة “إيتا”، فيجعله الطّرف الثاني في هذه القصّة، ولكنه لم يتح له أن يقدّم نفسه بنفسه كما فعل مع الشّرطي.

فقد عرض مقتطفات سريعة من نشرات الأخبار الإسبانية، تتعلّق بدوره في مقتل الأميرال “كاريكو بلانكو”، وما خلفته عمليات المنظمة من خراب وتدمير هائلين، واتهامه بكونه قائدا لتنظيم عسكري دولي، أو من خلال صوره التي ترفع في المظاهرات المعادية للمنظمة في سائر إسبانيا، أو إلقاء القبض عليه في فرنسا وتقديمه للمحاكمة في لقطات تبدو مهينة، أو في احتفالات القوات الرسمية والسياسيين بهذا الاعتقال وتبادلهم للتهاني.

ثم يُستهل الحوار معه فيشار إليه بكنيته الشهيرة التي لا يحبها، وهي “جوسو تيرنيرا” (Josu Ternera) أي جوسو العجل، والكنية في الأصل اسم رسّخته الاستخبارات ومذكرات التفتيش التي كانت تصدر بحقّه.

ثم تكون المحاورة معه مناورة حقيقية، فتعمل الأسئلة كلّها على ترسيخ فكرة عدم شرعية مطالب المنظّمة، وعلى اختزال حياة “جوسو أوروتوكويتشا” في 12 سنة من السجن وأكثر من 20 سنة من الملاحقة والاختفاء، وفي قيادة تنظيم إرهابي لا يحمل قضية حقيقية. ولا يحتاج المرء إلى الاستدلال على هذا المنحى، فالعنوان يعلن موقف الفيلم بوضوح “وجها لوجه مع منظمة الإيتا.. مقابلة مع إرهابي”.

ولا يخفي “جوسو أوروتوكويتشا” شعوره بالغبن، فقد نسج الآخرون القصة كما يحلو لهم، ووضعوا اسمه في الجانب الشرير منها، فحذفوا منها كل الصفات الإنسانية، وجعلوه شيطانا متعطشا للدّماء، والحال أنه رجل يدافع عن قناعات ثقافية واجتماعية وسياسية يؤمن بها.

الصورة تسهم في ترسيخ صورة يوسو- الماكر

فضبط إستراتيجيته على عدم نكران انتمائه إلى “إيتا”، لكونها جزءا من حياته لا حياته كلّها، وباعتبار أن السياق التاريخي عندها غير السياق التاريخي اليوم، ولذلك لا ينبغي أن تُصدر الأحكام من دون العودة إلى هذا السياق، وعلى كونه مشرفا على الأنشطة السلمية وموجّها للنضال إلى إنهاء النزاع عبر التفاوض. والحق أنه قد أسهم في إنهاء العنف بالإقليم في حواره مع السّاسة الإسبان، بداية من حكومة “خوسيه لويس ثاباتيرو” الاشتراكية 2005.

تحريف الملامح لخلق صورة الفوضوي الفظ.. مقابلة مع إرهابي

مما يشترط في الفيلم الوثائقي الكلاسيكي معالجته السينمائية لموضوعية للواقع، ظاهرا على الأقل، وهذا ما سعى الفيلم إلى الإيهام به، من خلال المواجهة غير المباشرة بين الأمني والثائر، ومن خلال عرض وجهتي نظر الدولة الإسبانية وحكومة الباسك.

ولكن سريعا ما يُظهر الفيلم التحيّز إلى وجهة نظر الحكومة، فيرسم صورة لـ”فرانثيسكو رويز” المتفاني في ضبط الأمن، والضحية للعنصرية الباسكية، لذلك يحضر متأثرا بطعنات الأصدقاء في الظهر أكثر من زخات الرصاص في الصدر، ويظهر متأملا ديّنا إنسانيا.

أما “جوسو العجل” فكان عليه أن يواجه أسئلة مفخّخة، ينقصها اللطف الذي رافق محادثة الشرطي، وكانت تشبّه تفجيرات الباسك بتفجيرات القاعدة في لندن ومدريد، ولم تكن مناداته بالعجل تخلو من استفزاز وإعلان للعداء، في بلد يتسلى جمهوره بقتل العجول الهائجة في ميادين الصّراع.

على مستوى التصوير، أورد الفيلم وجه الشرطي “فرانسيسكو رويز” مضاء مستنيرا، وكان أثناء حديثه يركّز على ملامحه باحثا عن قراءة المؤثر العاطفي. أما “جوسو أوروتوكويتشا” فيرى اللقاء فرصة ليتحدّث عن نفسه بنفسه بعد أن تحدّث الآخرون نيابة عنه كثيرا.

ولكنّ الفيلم اختار زاوية تصوير محرّفة لملامحه، كما اختار له إضاءة جانبية في غالب اللقطات، بحيث يكون نصف الوجه واضحا والآخر معتما، فكان يخلق في عقل المتفرّج إيحاءً بالغموض، ويبث في نفسه الريبة بما يقول، فيشكّل في ذهنه صورة الفوضوي الفظ، لا الثائر من أجل قضية عادلة.

 

تبني وجهة نظر الدولة الإسبانية.. موضوعية في مهب الريح

على العموم، كان الفيلم أبعد ما يكون عن الموضوعية، فدافع عن وجهة نظر الدولة الإسبانية بطريقة فجّة، فاتخذ مادته محاكمة للزعيم الباسكي الذي انتخب في البرلمان المحلّي، ثم سكت عن خرق الحكومة للقيم الديمقراطية.

فقد أجرى إقليم كتالونيا الإسباني استفتاء غير ملزم على الاستقلال عام 2014، أيده 80% من الشعب الباسكي، لكن تنكرت له الحكومة الإسبانية، فقالت إنه ليس من حق كاتالونيا دستوريا أن تنفصل عن دولة إسبانيا.

وفي 2017، نظّم الإقليم استفتاء تقرير المصير مرة أخرى، مع أن القضاء الإسباني منعه، فدعم 90% من الناخبين الانفصال، وأعلن البرلمان الإقليمي أحاديا قيام جمهورية مستقلة، ولكن مدريد عزلت الحكومة الإقليمية، ونظمت انتخابات إقليمية أفضت إلى صعود استقلاليين جدد، فعزلت رئيس الإقليم مرة أخرى وأدانته بالعصيان. ومن البديهي أن نتساءل عن موقف أوروبا ممّا يحدث في أحد أعمدة اتحادها.

“لا أرغب في رؤية اتحاد أوروبي يتكون من 95 بلدا”

لم يجد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أهداف الشعب الباسكي منسجمة مع مبدأ حق الشعوب في تحرير مصيرها، فأدرجا منظمة “إيتا” على لائحة المنظمات الإرهابية، وحاصرا أنشطتها.

والحق أنّ سياسيي الغرب الذين عهدناهم مدافعين شرسين عن حقوق الأقليات، مناصرين لاستقلال جنوب السودان ودارفور، ولانفصال الأكراد في العراق وسوريا، والأمازيغ في الجزائر؛ كانوا يجدون في تململ الباسك تهديدا لكيان الاتحاد الهش.

فيُذكر عن رئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود يونكر” قوله إنّ الاتحاد الأوروبي “ليس بحاجة إلى مزيد من التصدعات والانقسامات”، وقوله “لا أرغب في رؤية اتحاد أوروبي يتكون من 95 بلدا في المستقبل”.

ويعود هذا التّخوّف إلى تتطلع كثير من الأقاليم والقوميات داخل أوروبا للاستقلال، فمن ذلك أسكتلندا التي تريد الانفصال عن المملكة المتحدة منذ عام 1998، والفلاندرز الناطقة بالهولندية في شمال بلجيكا، وجزر فارو أيضا، وهي أرخبيل دانماركي في شمال المحيط الأطلسي.

مفهوم الإرهاب.. لعبة مطاط تشكلها أهواء السياسيين

بصرف النّظر عن الموقف مما ارتكبته منظّمة “إيتا”، يُطرح السؤال حول سبل التمييز بين الإرهاب والمقاومة المسلحة، فهما متشابهان على مستوى ممارسة العنف ضمن الهجمات العسكرية والأمنية المنظّمة، وعلى مستوى الأساليب والآليات.

ولا يسعفنا القانون الدّولي بالنصّ الصريح والمفهوم الجامع الدّقيق، ولعلّ ذلك يعود إلى حرص القوى العظمى على إحداث لبس، ليكون أداة سياسية وإعلامية لاستهداف الحركات التحررية التي تلجأ إلى خيار المقاومة المسلحة، وتتحرك وفق دافع وطني، وتستند إلى مبادئ الحق والعدل وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها المكفول في ميثاق الأمم المتّحدة.

فهذا الميثاق يسمح للهياكل أو المجموعات ذات الامتداد الشعبي أن تنتفض ضد قوات الاحتلال، وأن تتّبع الأسلوب المسلح، وفقا لما قررته قواعد القانون الدولي الإنساني، فتستهدف آلة المحتل العسكرية بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك التخريب واعتماد أسلوب حرب العصابات.

ومقابل عزوف هذه الدول عن تحديد تعريف الإرهاب، عمل الباحثون الأفراد على سد ّهذه الفجوة القانونية. فعرّفه أستاذ العلوم السياسية “أليكس شميد” في كتابه “الإرهاب السياسي” (1983) بكونه يرتبط بـ”أساليب الصراع الذي تُدفع فيه الضحايا جزافا كهدف عنف فعال”، فتوسع دائرته إلى عمليات خطف الطائرات أو القرصنة البحرية، والأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني والجرائم المرتكبة ضدّ الأشخاص المشمولين بالحماية الدولية بمن فيهم الممثلون الدبلوماسيون.

أما الأكاديمي الأمريكي “نعوم تشومسكي” فقد عرّفه بكونه “محاولة الإخضاع القسري للسكان المدنيين، وإجبار حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف أو أعمال العنف، لتحقيق أهداف سياسية”.

من هذه الناحية كان يمكن أن تطرح قضية الباسك، ومدى مشروعية حقّهم في كيان مستقل، يجمع شطري الإقليم الفرنسي والإسباني، ومدى شرعية وصفهم لأنفسهم بكونهم حركة تحرير وطني.

وهذه قصّة طويلة تعود بنا إلى تمرّد الإقليم قبل نحو 10 قرون على الدولة الأموية عام 760، وكان ذلك بدعم من الفرنجة، لتكون جدار صدّ يمنع القوات الإسلامية من التوسع في الأراضي الفرنسية. ثم ما دار بينهم وبين التاج الإسباني من صدام بعد حرب الاسترداد. ولكن الفيلم سكت عن هذا كلّه، لالتزامه بأهداف سياسية واضحة.