نساء الكفاح الفلسطيني.. أيادٍ ناعمة حملت القنابل والبنادق في وجه المحتل

تتتابع قصص بطولات النساء الفلسطينيات الحاملات للسلاح، إما بوجه مكشوف أو ملفوف بكوفية، بين صفحات كتب تؤرخ للنضال الفلسطيني المسلح منذ الانتداب البريطاني إلى الآن، وتثبت أن أيادي النساء الفلسطينيات حملت البندقية، مثلما حملت الزعتر وأشلاء أبنائهن.

تشهد صورة يقارب عمرها نصف قرن على شجاعة الأصابع الفلسطينية الناعمة التي حملت البنادق، وأطلقت القنابل في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ويظهر في تلك الصورة جندي إسرائيلي منحنيا وهو يمسك بثوب امرأة ملقاة على الأرض.

كان ذلك الجندي هو “إيهود باراك” الذي أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما بعد، وكانت تلك المرأة المرمية على الأرض هي المقاتلة الفلسطينية الشهيدة دلال المغربي. كانت تلك الصورة إحدى النقاط المضيئة التي كشفت عن قصص النضال المسلح للنساء الفلسطينيات.

فلسطينيات يحملن السلاح في ثلاثينات القرن الماضي

كفاح الاحتلال.. نساء في ظل الشيخ عز الدين القسام

كتب الصحفي يوسف الشايب في مقال له نُشر عام 1988 بعنوان “البدايات المجهولة”، أن مسيرة نضال المرأة الفلسطينية بدأت عام 1929، وهو عام اندلاع انتفاضة البراق، وفي السنة ذاتها أُسس “اتحاد العاصمة النسائي في القدس”، وكان هدفه الأساسي مناهضة الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني.

وفي عام 1929 أيضا، أسس الاتحاد لجنة للإسعافات الأولية، فبدأت نشاطها الميداني بتقديم الخدمات للمقاتلين في ميدان المعارك التي اندلعت بين الفلسطينيين واليهود آنذاك، ويقول الصحفي الشايب إن بعض عناصر “اتحاد العاصمة النسائي في القدس” شاركن في النضال المسلح في تلك الفترة.

وفي دراسة للباحثة حيفاء عبد الهادي بعنوان “أدوار المرأة الفلسطينية في الخمسينيات حتى أواسط الستينيات.. المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية”، تذهب الباحثة إلى أنه خلال فترة ما قبل النكبة، بدأت النساء الفلسطينيات تعزيز وضعيتهن في المجتمع، من خلال النشاط في الجمعيات، وذلك ما جعل للمرأة الفلسطينية دورا في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

فقد شاركن بإخفاء المقاومين ومراقبة الطرق التي يمر بها الجنود البريطانيون، وهرّبن الأسرى الفلسطينيين لدى سلطات الانتداب البريطاني، وكنّ غالبا ما يرافقن الشيخ عز الدين القسام ومقاتليه، وأسندت لهن مهام تزويد المقاومين بالسلاح والمراقبة. لقد كن مثل ظل يسير بجانب الشيخ عز الدين القسام، لكن الحقيقة أنهن كنّ عنصر إسناد قويا لعمليات القسام في تلك الفترة.

ولم يقتصر نشاطهن المسلح على العمل المنظم، بل كان بمثابة الغريزة الربانية للدفاع عن الأرض والعرض، وسيظل التاريخ يذكر وقوف حلوة زيدان -وهي امرأة ريفية من دير ياسين- أمام عصابتي “الأرغون” و”شتيرن” اللتين ارتكبتا مجزرة في قريتها في 9 أبريل/ نيسان 1948، وقتلتا أمام عينيها ابنها محمد الحاج عايش، ثم استُشهد زوجها أيضا. وقد أطلقت حلوة زيدان الزغاريد، ثم التقطت بندقية زوجها الشهيد، وأطلقت الرصاص على جنود العصابة، وقتلت ستة منهم قبل أن تُستشهد.

“زهرة الأقحوان”.. حاملات السلاح المدافعات عن العرين العربي

بين عامي 1939-1947، أصبحت المرأة الفلسطينية أكثر حضورا وتأثيرا في المعارك التي اندلعت بين الفلسطينيين واليهود بعد موجة التوطين الصهيونية. وفي تلك الفترة، تأسست منظمة نسائية سرية باسم “زهرة الأقحوان”، وقد حولتها مهيبة خورشيد من جمعية تنشط في المجال الخيري إلى النشاط العسكري.

ناريمان خورشيد شقيقة مهيبة خورشيد مؤسسة زهرة الأقحوان

يروي الصحفي هاشم حمدان في مقال له بعنوان “في الثامن من آذار: زهرة الأقحوان” أن مهيبة خورشيد كانت من أوائل النساء اللاتي اخترن الكفاح المسلح بين العامين 1947-1948، فانضمت مع أختها ناريمان خورشيد إلى “جمعية زهرة الأقحوان”.

ويقول حمدان: تمكنت الجمعية من جمع السلاح من بنادق وقنابل يدوية ومدافع رشاشة، واستطاعت أن تجند 12 عضوا من الفتيات العازبات، ومنهن يسرى طوقان وعدلة فطاير وفاطمة أبو الهدى ونجلاء الأسمر، التي أصبحت من قادة منظمة الأرض السرية، وكذلك بعض الرجال، واستطاعت تلك الفتيات أن تدرب الأعضاء على استعمال السلاح. بدأت عضوات الجمعية بتنفيذ العمليات المسلحة جنبا إلى جنب مع الرجال، بالإضافة لأعمال أخرى، مثل المشاركة بالمظاهرات، وجمع التبرعات لشراء الأسلحة، وجمع المعلومات الاستخباراتية.

ويستحضر الصحفي حمدان مقالا في جريدة “المصري”، نُشر في 7 أبريل 1948، بعنوان “المرأة العربية في ميدان الجهاد، مقابلة مع ناريمان خورشيد”، وهو يذكر أن “حركة التجنيد بين الفتيات العربيات ناشطة على قدم وساق، وأن كثيرا من العائلات العربية المحافظة سمحت لفتياتها بالتدرب على استخدام الأسلحة، للدفاع عن البيوت العربية من اعتداءات الإرهابيين اليهود، وقد حدث في إحدى المرات أن حاولت تشكيلة من فرقة الهاغانا مهاجمة مركز الأيتام الإسلامي في يافا، فانبرى لها المجاهدون العرب، وإلى جانبهم عشرة من فرقة زهرة الأقحوان العربية، واستمرت المعركة 3 ساعات استشهدت خلالها فتاة عربية، وانجلت عن اندحار القوات الصهيونية إلى أماكنها”.

“وجدت جمعيتنا لزاما عليها الانضمام للجهاد المقدس”

كان التحول في نشاط جمعية “زهرة الأقحوان” من العمل الخيري إلى النشاط العسكري إثر حادثة قتل جندي بريطاني لطفل فلسطيني. ويذكر الباحث يوسف الشايب نقلا عن شهادة لمهيبة خورشيد، أن مقاومين مسلحين من سيناء وبعض الألمان، شاركوا في العمل المسلح لجمعية زهرة الأقحوان، وقد وُضع شعارها في الهند بإشراف من المهاتما غاندي.

فدائيات من حركة فتح / لبنان 1979

لكن نشاط الجمعية واجه صعوبة كبيرة، بسبب توجه قادة فلسطينيين لتوقيف عملها العسكري، ويختزن أرشيف الهاغانا رسالة وجهتها جمعية زهرة الأقحوان إلى الشيخ الحاج أمين الحسيني في 16 آذار/ مارس 1948، جاء فيها: لقد وجدت جمعيتنا لزاما عليها الانضمام لحرب الجهاد المقدسة، للمشاركة مع إخوتنا المناضلين بالدفاع عن أرضنا المقدسة، من أجل إرجاع الأرض وكرامة نسائنا العربيات، من العهود السابقة اللواتي تركن صفحات من العزة والكبرياء في الفتوحات العربية. فهذا هو حقنا القانوني الواضح كوضوح الشمس.

لقد انضممنا إلى المحاربين في منطقة كرم الصوان وسكنة درويش، بسبب قربهما من أماكن سكننا، وبذلك نستطيع العودة إلى بيوتنا عند انتهاء المعارك. لقد تركنا انطباعات إيجابية على المسؤولين عن المنطقة، وخاصة على القائدين عبد الوهاب العراقي وعلي بيه التركي، اللذين كانا يحضران للمنطقة، ويشاهدان ويسمعان بأنفسهما عن أعمالنا المشرفة.

إن الشيخ حسن سلامة ومعه القائد الجديد عادل نجم الدين قد ضايقانا ومنعانا من الاستمرار بعملنا، مع أننا لم نره في المناطق التي عملنا بها. وذلك بسبب موقفه الداعم لقائد منطقة الجبلية، الذي لا يعجبه النشاط الجدي في منطقتنا، نتيجة مضايقاتنا لراحة اليهود في منطقة بات يام، حيث كبدناهم خسائر جمة بالأرواح والمركبات، ولم يكن لطرفنا أية خسائر.

وعندما اتضح للشيخ حسن سلامة أنه لن يثنينا أمر عن عزمنا ونضالنا، أوقفنا عن العمل بأوامر صارمة. وإذا كانت قد صدرت أوامر بمنعنا من الجهاد، فلماذا دُعيت بعض الجمعيات النسائية للمشاركة بالاحتفال الذي أقامته اللجنة العليا على شرف القادة العرب والبريطانيين، وتم تقديم عضوة جمعيتنا أمام القادة البريطانيين على أنها فتاة عربية محاربة تحسن استعمال السلاح؟

مطالبة النساء بالتدريب على السلاح.. سعي للقتال المنظم

شهدت فترة الخمسينيات والستينيات تغلغلا أكبر للمرأة الفلسطينية في النضال الفلسطيني المسلح، وهو ما أكدته سميرة أبو غزالة في شهادتها التي تضمنتها دراسة “أدوار المرأة الفلسطينية في الخمسينيات حتى أواسط الستينيات، المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية”.

تروي سميرة أنها -ونساء فلسطينيات أخريات- طالبت الحكومةَ الأردنية في 1956 بتمكينهن من التدرب على السلاح. وتقول: كان الاعتداء على مصر سنة 1956، وكنت أشتغل في المدرسة المأمونية الثانوية، وحاولنا أن ننشئ جمعية سيدات في القدس لها أهداف سياسية، وطلبت تدريب حوالي 300 فتاة على السلاح، ودُعيت إلى مؤتمر كبير في سينما الحمراء، ووجهت دعوة للتطوع، ثم طالبت بتجنيدهن وتدريبهن، واستجابت الحكومة الأردنية، ودربتهن على السلاح. كان ذلك خلال العدوان الثلاثي على مصر.

قبل النكسة وبعدها، ألحت طالبات فلسطينيات على طلب تلقيهن تدريبات على استخدام السلاح، وتروي عواطف عبد الهادي -وهي أخت تودد عبد الهادي، أول أسيرة فلسطينية مبعدة- أنها في منتصف الستينيات تلقت مع فتيات أخريات تدريبا على السلاح داخل مدارسهن بعد الدوام، وأشرف جندي على تدريبهن على استعمال الرشاشات والقنابل، ونالت المتدربات شهادات في نهاية التدريب، ولبسن زي التجنيد.

ليلى خالد وسليم العيساوي مع أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين / 1969

في تلك الفترة تأسست منظمة التحرير الفلسطينية، وتوجهت لتدريب النساء والعمل المسلح ضمنها، وتروي بداية ذلك فاطمة محمد الخطيب -وهي رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية بمنظمة التحرير- في شهادتها للباحثة حيفاء عبد الهادي، فتقول: في الستينات، حين بدأت منظمة التحرير الفلسطينية بالعمل بقيادة أحمد الشقيري، بدأ التدريب العسكري للفتيات صلبها، وكان أول نشاط لتدريب النساء على العمل المسلح صلب المنظمة.

وتذهب الباحثة حيفاء عبد الهادي إلى أن الفتيات الفلسطينيات طالبن بالتجنيد في المقاومة المسلحة في تلك الحقبة، لكن الاستجابة لمطالبهن ظلت محدودة، بسبب ما وصفته باستهانة الرجال بقدرة المرأة على التدريب العسكري، وتصورهم أن دورها يقتصر على الدفاع عن النفس.

في المقابل يبرز الباحث بسام يوسف إبراهيم بنات دور النساء في دراسة له بعنوان “النساء الفلسطينيات والمقاومة”، فيقول: مع أن التاريخ الفلسطيني للصراع مع إسرائيل سيطر عليه الرجال منذ زمن طويل، فقد كان هناك عدد من الشخصيات النسائية البارزة، غالبا ما يكنّ مقاتلات وناشطات، وأحيانًا سياسيات وقادة.

وتدعى المرأة التي تعد أول مقاتلة فلسطينية فاطمة البرناوي، فقد زرعت في أكتوبر 1967 قنبلة بإحدى دور السينما في القدس، مما أدى إلى إصابة عشرات الإسرائيليين. وكانت تبلغ من العمر 28 عاما، وكانت عضوا في حركة فتح.

ليلى خالد.. أيقونة النضال النسوي الفلسطيني

في عام 1967، تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي العام ذاته احتلت إسرائيل جزءا أكبر من فلسطين في حرب الأيام الستة، وقد خلّفت تلك الهزيمة خيبة كبيرة لدى الفلسطينيين، ودافعا للكثيرين، لسحب وكالة الكفاح الفلسطيني المسلح من الدول العربية.

وقد دفعت تلك الخيبة فتاة فلسطينية كانت معلمة عشرينية في إحدى المدارس بالكويت، للانضمام إلى الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي ليلى خالد، أيقونة النضال الفلسطيني.

تقول الكاتبة سارة إفرنج في كتابها “ليلى خالد أيقونة التحرر الفلسطيني” إن قادتها في الجبهة طلبوا منها الانتظار، ووعدوها بالانضمام إلى معسكرات التدريب، إذا استطاعت تجنيد 10 أعضاء جدد خلال عام من وجودها في الكويت، ولكنها استطاعت تجنيد 20 عضوا خلال سنة ونصف. وقد واجهت معارضة شديدة من عائلتها، وعرضت عليها أمها أن ترسل أخويها للتدريب، وتبقى هي في الكويت، ولكنها رفضت بشدة، وأصرت على أن تنضم إلى المعسكر.

نالت ليلى خالد موافقة على انضمامها لمعسكر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في شمال العاصمة الأردنية، وهناك تدربت على حمل السلاح والقنابل اليدوية والخطط العسكرية، وبعد انتهاء تدريبها اختيرت للانضمام لفريق العمليات الخاصة، وتلقت مهمتها الأولى خلال مقابلتها وديع حداد مسؤول العمليات الخارجية بالحركة، وكانت تلك المهمة هي خطف طائرة.

حدّدت الجبهة هدفها طائرة “بوينغ 707” التي ستتجه من روما إلى أثينا ثم تل أبيب، فبدأت ليلى خالد التخطيط لمهمتها برحلة استطلاعية إلى روما، لتحديد شوارعها، وخططت لكل شيء بدقة، بما في ذلك مظهرها الذي يوحي بأنّها سائحة.

كان اليوم الموعود هو 29 أغسطس 1969، فحجزت ليلى ورفيقها في المهمة سليم العيساوي مقعدين في الدرجة الأولى، قرب الباب المؤدي لقمرة القيادة، وانطلقت العملية حين ادعت ليلى أنها تشعر بالبرد، وطلبت غطاء إضافيا استعملته لتغطي سلاحها عند سحبه، في حين استغل سليم العيساوي انشغال الطاقم بتقديم الأكل، فتسلل إلى قمرة القيادة شاهرا سلاحه نحو الطيار، وقائلا إن الطائرة تحت إمرة شادية أبو غزالة، وهو الاسم الحركي لليلى خالد.

تحوّلت وجهة الطائرة نحو تل أبيب بأمر من ليلى خالد، وسرعان ما أرسل الجيش الإسرائيلي ثلاث طائرات مقاتلة صاحبت الطائرة. وتواصلت مع برج المراقبة في مطار اللد وطلبت منهم تغيير اسم الرحلة من “تي دبليو إي” إلى “رحلة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حرة عربية”، ولم يستجب البرج لذلك، إلاّ حين صرخ قائد الطائرة قائلا إن الخاطفة تحمل قنابل يدوية في قمرة القيادة.

حلقت الطائرة على علو منخفض فوق حيفا بطلب من ليلى خالد، ثم أمرت بتوجيهها إلى مطار دمشق، وهناك فُجرت الطائرة. وبعد ذلك بعام واحد، حاولت ليلى خطف طائرة إسرائيلية في فرانكفورت مع النيكاراغوي “باتريك أرغيلو”، لكن تلك العملية فشلت وانتهت بمقتل “أرغيلو” في مطار “هيثرو”، وقُبض على ليلى، ثم أُطلق سراحها بعد شهر، إثر خطف الجبهة الشعبية طائرة أمريكية، لإجبار بريطانيا على تحريرها.

دلال المغربي.. الفدائية التي أوصت بالكفاح وهي تحتضر

كانت عملية اختطاف الطائرة التي قادتها ليلى خالد قد حسمت مسألة قدرة النساء الفلسطينيات على المشاركة في العمل المسلح، وقيادة العمليات الكبرى ضد الاحتلال الإسرائيلي. وبعد أقل من عقد من الزمن، أي عام 1978، شاركت دلال المغربي في عملية باسم “عملية كمال عدوان”.

كانت تلك العملية انتقاما لاغتيال القيادي بحركة فتح كمال عدوان، وكان قد استهدفه كوماندوس إسرائيلي عام 1973، وقد تمثلت مهمة فريق الفدائيين في احتجاز رهائن إسرائيليين، بعد اختطاف حافلة في ساحل مدينة حيفا، وكان الهدف الأساسي تفجير مبنى الكنيست في تل أبيب وإطلاق الأسرى الفلسطينيين.

لكن العملية لم تسر كما خُطّط لها، فقد تدخل الجيش الإسرائيلي، وأسفرت الاشتباكات عن مقتل أكثر من 30 إسرائيليا، واستُشهدت دلال المغربي خلال تلك العملية.

كانت دلال قد تلقت تدريبها في مدينة صور اللبنانية ضمن كتيبة أبو يوسف النجار، وقاتلت بشجاعة خلال المهمة العسكرية التي شاركت فيها، ويروى أنها أوصت بصوت عالٍ رفاقها بالمواصلة على درب القتال، وذلك على مسمع من “إيهود باراك”.

وفي 2008، طالب حزب الله اللبناني باسترجاع جثمانها، ضمن القائمة التي تقدم بها في صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، لكن جثمانها لم يكن ضمن الجثامين التي استرجعها حزب الله، وظلت جثتها مجهولة المكان، وأصبحت أشبه بالبطل الأسطورة.

“شعرت أن سكيني أعظم بكثير من دولة إسرائيل”

يروي الباحث بسام إبراهيم يوسف إن أجيالا جديدة من النساء الفلسطينيات شاركن بقوة في النضال المسلح مع دخول الألفية الثانية، ويقول: في 27 يناير 2002، دعا الرئيس الراحل ياسر عرفات النساء الفلسطينيات إلى الانضمام للنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفوجئ بردهن السريع والمدمر. وفي اليوم ذاته، استجابت وفاء إدريس لتلك الدعوة، فأصبحت أول استشهادية فلسطينية.

يذكر القيادي في حركة حماس الأسير عبد الله البرغوثي في كتابه “أمير الظل، مهندس على الطريق” أنه عمل بين العامين 2000-2003 مع خلية تنشط فيها امرأة تدعى أحلام التميمي، وأنه لم يقابل تلك المرأة، وظن في البداية أنها رجل، ولم يعرف هويتها الحقيقية إلا بعد اعتقالها.

يقول البرغوثي: بعد طول تفكير، وقع الاختيار على خلية محمد دغلس، لكي تنفذ هذه العملية (عملية مطعم سبارو)، والسبب الرئيس هو أن محمد دغلس كان يملك عنصرا مهما جدا، وهو الأخت المجاهدة أحلام التميمي التي لم أكن أعلم عنها شيئا، وهنا أقصد لم أكن أعلم اسمها أو إن كانت شابا أم شابة، لكنني أعلم أنه تم اختيارها حسب أعلى المواصفات، من حيث التكتم التام والحس الأمني العالي والإيمان الصادق بدرب كتائب عزالدين القسام.

كانت أحلام التميمي أول امرأة تنضم لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري التابع لحركة حماس، وساهمت في عملية مطعم سبارو في القدس، التي فجر خلالها استشهادي المطعم، بواسطة قيثارة فخخها عبد الله البرغوثي.

شاركت النساء الفلسطينيات في القتال ضد الاحتلال الإسرائيلي بكل ما يتوفر لديهن من معدات، وتقول الباحثة إيمان روبين أبو خضورة إن الأسيرة المحررة صمود كراحة كانت من أكثر الفتيات المقدسيات بروزا، وقد أقدمت على تنفيذ عملية طعن جندي إسرائيلي في حاجز قلنديا شمال القدس عام 2009.

وتنقل الباحثة قول صمود كراحة بعد تلك العملية التي أدت إلى اعتقالها: عندما نفذت عملية الطعن، شعرت أن سكيني أعظم بكثير من دولة إسرائيل، أقوى من أسلحتهم، صوتي أعلى من صوتهم، فلسطين هي أمي.