عقد الثمانينيات.. بداية مبشرة كذبتها ثورات الخبز والانتفاضة والحروب

شهد عقد الثمانينيات تحولات جذرية وعميقة في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي بالعالم العربي، وترك بصمات لا تمحى على مسار المنطقة بأسرها.

كان ذلك العقد مليئا بالاضطرابات الداخلية والخارجية، التي أعادت تشكيل الخرائط السياسية، بل إنها أفرزت أيضا قواعد جديدة في العلاقات الإقليمية والدولية.

جاءت الثمانينيات بعد انتهاء ذروة المشروع القومي العربي، وتمثيلاته التي بدأت من مصر، واتخذت تنويعات شتى سياسيا، تحديدا على مستوى الأنظمة، ومدى القمع السلطوي في سوريا والعراق.

امتد المشروع القومي العربي بخاصة في لحظات الحرب، ووصل إلى اندماج الدول الخليجية ضمن الجسد السياسي العربي، مع الفوارق الكبيرة بين الجذور السياسية الملكية والجمهورية.

تكوّنت في الثمانينيات ذروة جديدة في اتجاه معاكس لما قبلها، من اتفاقيات السلام التي غيرت موازين القوى القديمة، إلى الحروب الإقليمية والأهلية الطاحنة التي استنزفت الموارد، ثم الانتفاضات الشعبية المتتالية التي عكست حالة الغضب الكامنة، وتشابهت في الظروف ومدى الاحتجاج في عدّة دول عربية، وصولا إلى سقوط جدار برلين، الذي أجهز على المعسكر الشيوعي، وما بقي له من حضور في منطقة الشرق الأوسط.

توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر مع إسرائيل عام 1979

في تتمّة السلسلة الوثائقية “الثمانينيات”، وبعد الاشتباك مع الجانبين الفني والاجتماعي بفيلم لكل منهما، أصدرت الجزيرة الوثائقية فيلم “الحياة السياسية: عقد الدم والنار”.

قدّم الفيلم ملامح تاريخية لعقد مضطرب، واعتمد على الإشارات العابرة للحوادث التاريخية البارزة كافة، بمشاركات منوّعة ممن كانوا حاضرين في المشهد الثقافي والسياسي العربي، فمنهم من كانت له تجارب ميدانية يومئذ، ومنهم من انشغل بالاشتباك بحثيا وصحفيا مع تلك المرحلة، لكونها محطة قراءة سياسية نافذة على نتائج كثيرة، تعيشها المنطقة حاليا.

بدايات العقد الفارقة

يفتتح الفيلم عقد الثمانينيات بموضوع محوري، كان تأثيره بالغا على المنطقة بأكملها، ألا وهو اتفاقية السلام التي عقدتها مصر مع إسرائيل عام 1979. يضع الفيلم هذا التاريخ مفتتحا مبكرا للثمانينيات، أعاد تشكيل الصراع العربي الإسرائيلي، فبخروج مصر من دائرة هذا الصراع العسكري المباشر، تراجع الحضور العربي الفاعل.

ذلك الانسحاب وتراجع خطاب القومية العربية، منحا إسرائيل قدرة أكبر على التوغل البطيء في المنطقة، مستغلة الفراغ السياسي الناتج عن غياب الثقل المصري. ويتخذ الفيلم الحرب الأهلية اللبنانية مثالا لهذا التوغل.

عودة الخميني إلى إيران عام 1979

دخل المجتمع العربي عقد الثمانينيات بصراعات داخلية وإقليمية، عقّدت المشهد العام، وألقت بظلالها على سلسلة متشابهة من التغيرات الدستورية، وادعاء بناء أنظمة سياسية ديمقراطية، ثم التظاهر والاحتجاج الشعبي، ثم انقلب مستوى الصراع الطويل بين الدول، وأصبح أكثر حدّة.

شهد المغرب في 1980 استفتاء دستوريا، أساسه استمرارية المؤسسة الملكية، ثم تلته انتخابات تشريعية في 1981، أظهرت محاولات جادة لتثبيت الاستقرار السياسي.

أما تونس، فقد بدأت الثمانينيات ببشائر ديمقراطية واعدة، وهامش ملحوظ من الحرية الإعلامية والحقوقية، لكنها تراجعت لاحقا، وضيّقت الخناق على المجتمع المدني والنشطاء السياسين.

المغرب تشهد في 1980 استفتاء دستوريا أساسه استمرارية المؤسسة الملكية

وخاضت الجزائر تجربة مغايرة، تمثّلت في قلق عِرقي ظهر في “الربيع الأمازيغي” عام 1980، إذ احتجّ الأمازيغيون على تجاهل موروث القبائل الثقافي.

ثم ينتقل الفيلم إلى منطقة أخرى، شهدت صراعات مبكرة وإعادة تشكيل لموازين القوى، فقد استمرت الحرب العراقية الإيرانية 8 سنوات، تسببت في استنزاف بشري واقتصادي، وأنتجت محاور إقليمية جديدة، محورا عراقيا خليجيا، وآخر جزائريا سوريا مؤيدا لإيران، لكن مع ظهور مجلس التعاون الخليجي في 1981، لم تكن العراق عضوا فيه.

ظهور مجلس التعاون الخليجي في عام 1981

على الجهة الأخرى من الجزيرة العربية، لم تكن اليمن في حالة استقرار كافٍ لتأخذ دورا دوليا، فقد انشغلت بحروبها الدموية، والتعدد العرقي، والاستنزاف الاقتصادي، وشابهها في ذلك العمق الأفريقي، فقد كان موقف السودان وجيبوتي والصومال ما يزال خاضعا للنظم العسكرية وسياسات التجويع.

لبنان تحت وطأة الحرب الأهلية

يعرض الوثائقي مرحلة الحرب الأهلية في لبنان بصيغة مختلفة، على مستوى طبيعة الحوار، وكذلك المادة البصرية، فيبدأ عرض جذور الحرب من وجود السلاح الفلسطيني في لبنان، وتخوّف إسرائيل منه.

ثم ينتقل إلى سنوات الحرب بعرض أكثر ثراء في المادة البصرية، كأنّ فعل الحرب يحتاج إلى إعادة معايشة لما حدث، توجب الفهم الكبير لمدى وحشية الحرب، تحديدا الحروب الأهلية.

الحرب الأهلية في لبنان

ويستعين الفيلم بمتحدثين عاشوا هذه التجربة، يروونها مشاهد معلّمة بتواريخ محددة، ويمر هذا الاستدعاء الحر من الذاكرة على اجتياح بيروت، وانقطاع المياه والكهرباء والمواد الغذائية والأدوية أكثر من 80 يوميا، ناهيك عن الانقسام اللبناني حول اقتتال إسرائيل والاتفاق معها.

ثم انتهى الاجتياح بمذبحة صبر وشاتيلا، التي يصفها الفيلم بأنها “أنهت الوجود الفلسطيني البشري والسياسي بشكل كبير في لبنان”.

ثورات الخبز وقمع الجائعين والمعارضين

خلال الحرب الأهلية في لبنان، ظهرت في عدّة دول عربية انتفاضات شعبية عكست غضبا متراكما، وهو تطور يضعه الفيلم في إطار نمط من التغيرات المتناقضة في عقد الثمانينيات، فقد بدأ بتغيرات تشريعية مبشرة كما بدأ بالحرب، وجاءت الانتفاضات الشعبية والاحتجاجات فيه نتيجة لضغط قمع الأنظمة، التي أدارت شؤون الدول بطرق مرتجلة.

انتفاضة الخبز في مصر سنة 1977

ففي مصر تمثّلت الثمانينيات في حالة من الغضب الشعبي، ظهرت مبكرا في انتفاضة الخبز سنة 1977، ثم في حدّة التوتر بين النظام السياسي ورموز المعارضة، وقد انتهت بحل مجلس النواب واعتقال موسّع عشوائي للمعارضة.

ثم جاءت أحداث الأمن المركزي في 1986، فأظهرت أن نظام مبارك بدأ رحلته بمحاولة تهدئة الخواطر والتصالح العام، لكن هذا لم يغير عميقا في الدولة، واستمر الرفض المستمر لمظاهر الديمقراطية الحقيقية والعدالة، لذلك خرجت قوات الأمن المركزي محتجة على سوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.

قوات الأمن المركزي في مصر تخرج محتجة على سوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية

كما ظهرت انتفاضة خبز مماثلة لمصر في تونس سنة 1986، وانتهت بالتراجع عن هذه القرارات، وكذلك في الجزائر، ظهرت احتجاجات قوية على سياسات النظام الاقتصادية.

الانتفاضة الأولى.. ثورة بدائية ذات أثر عميق في فلسطين

جاءت الانتفاضة الأولى في فلسطين سنة 1987، لتكمل موجة الاحتجاجات على اختلافها في المنطقة. ففي الثمانينيات، ومع تراجع الشأن الفلسطيني، ظل هامش الاحتجاج ممكنا.

فقد أخذت الانتفاضة شرارتها من دعس سيارة لجيش الاحتلال فلسطينين في قطاع غزة، فأثار ذلك تظاهرات عارمة انتقلت إلى الضفة الغربية، ثم تمادت إلى انتفاضة طويلة. ومع أن طابع الانتفاضة العام كان بدائيا بالحجارة، فإنه تمثل في قوات أخرى، منها مقاطعة البضائع، والعصيان المدني، ورفض الضرائب.

الانتفاضة الأولى في فلسطين سنة 1987

أما العراق فقد أكمل استنزافه، وختم هذا العقد بمعارك “الأنفال” ضد كردستان العراق، بسبب اتهام المسلحين الأكراد بأنهم مدعومة من إيران، فكان ذلك غطاء لارتكاب مذابح وحشية في الكرد العراقيين، بلغت 180 ألف ضحية.

سقوط الجدار واجتياح الكويت.. بداية عقد جديد

ينتهي الفيلم بسقوط جدار برلين في 1989، ليعيد صياغة كافة أحداث الثمانينيات، التي يصعب اختزالها في نمط واحد، لأنه مثّل نتائج مكثّفة، بدأت باندثار خطاب القومية العربية، وظهرت مبشرات مجتمع مدني وحر، لكنها استحالت صراعا عسكريا دوليا، وإعادة تشكيل تحالفات ومراكز قوي، وتصاعدا في الاحتجاجات الشعبية أغلقت ملفات الثمانينيات.

سقوط جدار برلين في 1989

وبسقوط جدار برلين، كتبت للعالم بداية جديدة بتعريفات اقتصادية وصكوك اجتماعية جديدة، لكن عقد الثمانينيات ظل مؤثرا وجديرا بالاستعادة، لأنه كان عقد تصاعد الغياب، وفي باطنه اختراق كبير، ظهرت في خاتمة الفيلم، فقد غزت العراق الكويت وعبرت الحدود.


إعلان