ثلاثة وثائقيات سورية: عن الحرب والخوف والمنفى

بشار إبراهيم

لم يكد عام انطلاق «الربيع العربي» (2011)، يصل إلى أواخره، حتى كانت ثورة شبه كاملة في الفيلم الوثائقي العربي حدثت وتسيّدت المشهد السينمائي، تماماً إلى درجة أن المهرجانات السينمائية، العربية وغير العربية، التي أُقيمت في ذاك العام، دجّجت برامجها الرسمية وغير الرسمية بعدد من الأفلام السينمائية الوثائقية، التي حققها سينمائيون عرب وأجانب، والتي توقّفت أمام موجة «الثورات العربية» الدافقة، وتناولتها من جوانب مختلفة؛ بحثاً في مقدّماتها، أو رصداً لوقائعها ويومياتها، أو ملاحقة لتداعياتها، أو احتفاءً بمنجزاتها، وبـ«المنعطف التاريخي» الذي أوحت أنها شرعت في تأسيسه، أو قراءة في ملامحها، أو اشتغالاً على تفاصيلها، وتصوير قصص ناسها وشخصياتها.

وفي بحر الشهر الثاني عشر من العام 2011، وقبل أن ينتهي، وهو الذي يمثل اكتمال دائرة سنة أولى من عمر «الربيع العربي» (انطلق «الربيع العربي» من تونس في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010)، صار في إمكان المهتم والمتابع السينمائي العربي خصوصاً، وغير العربي عامة، أن يعدّد العناوين السينمائية الوثائقية الكثيرة، التي قالت شأناً ما: في صدد «البوعزيزي» وثورة تونس وربيعها، وفي مساحة «ميدان التحرير» على اكتظاظه وما جرى في أنحائه، وأيام يناير وثورته الشعبية العارمة، وفي ميادين «التغيير» والإصرار اليمني السلميّ عليه. وسوف تصبح هذه الوثائقيات عناوين أثيرة، تحظى باهتمام خاص، حاضرة باحتفاء مميز، في غير محفل أو لقاء سينمائي، تعبيراً عن تقدير كبير لما بدا أنه يفتتح فصلاً جديداً في التاريخ العربي الحديث.
وثائقيات سينمائية، حضرت خلال العام الأول، جاءت في غالبيتها محمولة على قصص مُختزنة، أو مختزلة، في تفاصيل تنبئ عمّا كان يحتقن الواقع العربي به، عموماً، منذ وقوفه على بوابة القرن الحادي والعشرين، على الأقل، إلى اللحظة التي هبّ فيها مطلقاً صرخته العالية، أخيراً، في وجه الخوف، والاستبداد، والفساد، وفقدان العدالة، والنيل من الكرامة، وافتقاد الفرص وتكافئها، وغياب الحقوق في العيش الآمن، والمسكن اللائق، والعمل المناسب، والرأي، والتعبير… ولكن تماماً قبل أن تتعالى صيحات الاستنكار معتبرةً أن ما يجري ليس سوى «مؤامرة» (خارجية)، تريد نقض ما استقرت الأحوال عليه، رافضة فكرة «الربيع» اسماً وعنواناً ومضموناً، أو متحفظة على نتائجه التي صارت.

سنة أولى، سوف تبدو فيما بعد، وسريعاً تماماً، تمريناً أوّلياً على «الثورة»، وليست «الثورة» ذاتها، ومحاولة في الاشتغال على فكرتها، لا عليها كلها. «ثورة» لن تتحقق أحلامها، ولن تنجز أهدافها، أو تطوي صفحة تفاعلاتها، وتنجو من تحوّلاتها. وسوف تدخل دول «الربيع العربي» كافة، في منعرجات تثبت في صورة قاطعة، وسنة بعد أخرى، أن هذا «الربيع» إنما هو «ظاهرة» تاريخية، و«سيرورة»، و«عملية» متفاعلة (متدحرجة)، ربما تحتاج سنوات أو عقوداً من الزمن، وليس «واقعة» أو «حادثة» أو «صيرورة» ناجزة، ثمارها دانية عند أطراف الأصابع، كما اعتقد الكثير، وتوهّم.
ومع ذلك، فإن الوثائقيات السينمائية التي رسمت الصور الأولى لهذه «الثورات»، وذاك «الربيع»، ما كان لها أن تبهت أو تنطفئ، بل بقيت، في السنوات التالية، منذ ربيع العام 2011 وحتى يومنا هذا، دليلاً يشير إلى بدايات «ثورة» عابقة بالأحلام. توقظها من رقادها، وتستنقذها من النسيان، وتستعيدها مع شهدائها وشخصياتها وروّادها في حنين عارم، حتى لو بنت المآلات والأحداث اللاحقة قطيعةً صارمة معها، واختلفت وتناقضت، وربما انتقلت بها إلى ضفة أخرى تماماً!.

سورية… غياب الصورة السينمائية الوثائقية
وحدها سورية (مع الانتباه لاستثنائية الحالة الليبية، من دون شك) بدت خارج المشهد الوثائقي السينمائي، وغائبة عنه في شكل شبه كامل. سورية ذات التاريخ العريق في صناعة الفيلم السينمائي الوثائقي، وصاحبة المكانة المتقدمة بين شقيقاتها العربيات، وذات الإسهامات الكبرى في هذا المجال، على مدى أربعين سنة مضت قبل ذاك، ستغيب أيضاً في العامين التاليين، إلى درجة يمكن القول إن لا فيلماً وثائقياً سينمائياً سورياً، أو عن سورية، أخذ مكانته في المشهد السينمائي الوثائقي العربي، وغير العربي، حينها، أي على المدى ما بين 2011 ومطلع العام 2014.
وبينما ستحضر وثائقيات سينمائية من مصر وتونس واليمن، وعنها، تتناول وقائع الثورات التي حصلت فيها، والتحولات التي جرت من بعد. وفي وقت تجد هذه الوثائقيات طريقها إلى صالة العرض وشاشة المشاهدة في شتى أنحاء العالم، ومنها ما سيصل إلى مهرجان كان السينمائي، أو ينال حظوة الوصول إلى قائمة الترشيحات الأخيرة (القائمة القصيرة) في جوائز الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، كما فعلت المخرجة المصرية جيهان نجيم، مع فيلمها الوثائقي الطويل «الميدان» (90 دقيقة، 2013)، فإن كل شيء تقريباً بدا غائباً على الصعيد السوري.

سوف تغيب الصورة السينمائية السورية، إلى حدّ بعيد، وتصمت الأفلام الوثائقية، منها وعنها، ولن يرى أحد الأثر السينمائي للحال السورية، التي كانت تتجسّد في واقعها العياني، من دمشق إلى حمص فحلب، وسائر المدن والأرياف السورية، باعتبارها الأكثر هولاً، والأشدّ عنفاً، والأفدح كارثة… حالٌ سورية فاجعة، تغرق في الدم والدمار، وتمعن في الحرب الطاحنة، والتمزّق المجتمعي، والفرقة النهائية… ومع ذلك تغيب صورتها السينمائية، في زمن أدنى صفاته أنه «زمن الصورة»!.

أولى الصور السينمائية السورية… ثلاثية احترافية
عندما فاز الوثائقي السوري «العودة إلى حمص»، للمخرج طلال ديركي، بجائزة كبرى في مهرجان «صندانس»، مطلع العام 2014، كانت لحظة الكشف عن أول فيلم وثائقي سوري، يُمكن أن يُؤخذ على مجمل الجدّ، باعتباره فيلماً وثائقياً يتناول الحال السورية، بطريقة سينمائية احترافية ماهرة، تمتلك ما يُمكن الاعتداد به سينمائياً، من ناحية الشكل والمضمون والبناء والسرد، بعيداً عن سلسلة المحاولات «البدائية»، أو اقتراحات الهواة، التي كان البعض يحاول الاتكاء عليها، خلال السنتين الماضيتين، قبل ولادة هذا الفيلم، من ناحية المزج بين شغل الهواة والمحترفين، وخلط صفة المصوّر وحامل الكاميرا بالمخرج، والمزج بين الفيديوي و«اليوتيوبي»، وتحميله قسراً على السينمائي، دون أن يتمكن من الحيازة عليها.
فيلم «العودة إلى حمص»، وطلال ديركي، في مبادرة غير مسبوقة، أعلنا عن ولادة أول فيلم وثائقي سينمائي حقيقي، يتناول الحال السورية، والشوط الدامي التي قطعته من «الثورة» إلى «الحرب»، لتأتينا الصورة بعد قرابة ثلاث سنوات من «الحراك» السوري، لنكون خلال العام نفسه (2014)، وفي شكل شبه متزامن، أمام إنتاجات وثائقية سورية، متوالية ومفاجئة، خصوصاً وأنها جاءت بإمضاءات وتوقيعات سينمائيين سوريين شباب، لم يُؤثر عنهم من قبل إلا طموحات وأحلام ومكابدات على طريق صناعة الفيلم الأول، فكان أن أتت، وإن متأخرةً، ولكن كان لابد أن تأتي.

كان لابد أن تأتي هذه الأفلام الوثائقية أخيراً، ولو بعد شوط من الزمن والتجربة، وبعد معاناة مريرة، كما نعرف، فقد كان من غير المعقول أن تستمر الحال السورية، دونما صورة سينمائية، ومن غير فيلم وثائقي سينمائي محترف يقولها. تماماً، كما ثبت أن من غير الناجح أن تحتل صور «يوتيوب»، وفيديوهات هواة، ومحاولات مصوّرين، إملاء الفراغ… وإلا كان على المرء أن يتساءل، حينها، كما الآن وغداً: ترى، ما الذي كان يمكن أن يكون عليه المشهد الوثائقي السينمائي السوري، لو لم يحقّق المخرج طلال ديركي فيلمه «العودة إلى حمص» (90 دقيقة، 2014)، والمخرج زياد كلثوم فيلمه «الرقيب الخالد» (72 دقيقة، 2014)، والمخرج غطفان غنوم فيلمه «بوردينغ» (93 دقيقة، 2014)؟
على بوابة العام الخامس، من عمر «الربيع العربي»، ومع وثائقيات «العودة إلى حمص» و«الرقيب الخالد» و«بوردينغ»، صار من الممكن الحديث عن ثلاثية وثائقية سينمائية سورية طويلة، تصادف إنجازها في وقت مُتقارب، أو متزامن، وأن يتحقق كلّ فيلم منها بطريقته، ووفق ظروف وطبيعة إنتاجه، وحال صانعه وتجربته… لتغدو هذه الوثائقيات عنواناً ونموذجاً وحقلاً معرفياً يمكن دراسة الشأن السوري من خلاله، سواء من حيث كونه «ثورة» بدايةً، ومن ثم تحوّلها إلى «حرب»، وما خلقته من حال «خوف»، وأفضت في قسط كبير منها إلى «المنفى»، بما فيه من شتات ولجوء وملايين المهاجرين القسريين…

ثلاثة أفلام سينمائية سورية مستقلة، يمكن لها أن تتآلف وتتكامل، فيما بينها، في الحديث عن الحال السورية؛ من «الثورة» إلى «الحرب» إلى «الخوف» إلى «المنفى»، دون أي تنسيق مسبق، أو ترتيب أو توافق، فكلّ من هذه الأفلام جاء محمولاً على تجربة صانعها الشخصية؛ السينمائي السوري الشاب، الذي عاش، وشاهد، ورآى، وعانى، ووجد نفسه في النهاية، ومن حيث هو صانع أفلام، يشهد من خلال فيلمه الذي صنعه، على هذه السياق المرير، في مرحلة نعتقد أن التاريخ ما عرف مثيلاً لها، في هذا البلد، على رغم ما مرّ به من كوارث ونكبات، عبر أحقاب مديدة، منذ فجر الحضارة الأول.

ثلاثية سينمائية.. وأفلام مستقلة متكاملة
غياب صورة سورية السينمائية، على مدى ثلاث سنوات، منذ فجر «الثورة»، أو «الحرب»، لم يخفّف من الضوابط المُنتظرة لأهلية الفيلم الوثائقي السينمائي المُنتظر، الذي يمكن أن يقول في الحال السورية، ثورةً كانت أم حرباً، أم تحولات اجتماعية، ووصولاً إلى معاناة اللاجئين السوريين في مخيمات العراء، أو في بلدان اللجوء المؤقت، ومحطات العبور نحو بلدان أخرى، في هجرة سيبدو أن لا نهاية لها، ولا أفقاً، في تمزّق اجتماعي سوري بعيد العمق، والمدى، من غير المُنتظر أن يتم ترميمه في جيل أو أكثر.
نختار هذه الأفلام الثلاثة لأنها تمتلك روح المبادرة والمغامرة، وتأخذ لنفسها صفة الريادة الأولى على مستوى الإنتاج والتصوير، ففي حين يشير فيلم «العودة إلى حمص» إلى أن بدء تصويره انطلق في مطلع آب (أغسطس) 2011، واستمر حتى مطلع تموز (يوليو) 2013، فإن فيلم «الرقيب الخالد» يؤرّخ لنفسه التصوير في يوم من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، بينما بدأ تصوير «بوردينغ» في 13 تشرين الثاني 2014، ما يمكّننا من النظر إلى هذه الأفلام باعتبارها على قدر من التتابع التاريخي، من ناحية، وتبادل الأدوار والمواقع وزوايا التناول من ناحية أخرى.
كما أن هذه الأفلام، وبسبب من مضامينها، تكاد ترتسم على قوس الدائرة كاملاً. على المستوى المكاني داخل سورية وخارجها، من دمشق وحمص إلى أثينا. وعلى المستوى الزماني في استعادة لتجربة أربعة عقود من الزمن، على الأقل، باتت هي الذاكرة السياسية والنفسية والاجتماعية لقطاع واسع من الشعب السوري، كما باتت هي حقل قول ما بدا أنه مسكوت عنه، تكتمه أنفاس الخوف، أو الحذر. وعلى مستوى سرد الحكايات، ما بين أفراد يصلحون لتمثيل ذواتهم وتجاربهم الفردية الشخصية، كما يصلحون للقيام بدور المعادل الدرامي، من خلال جعلهم النموذج أو الأيقونة الادلة على المشترك الجمعي الذي بات قاسماً لكثيرين من سوريين يمرون في ظروف متشابهة، في لحظة تاريخية حاسمة.

«العودة إلى حمص»… وثائقي ملحمي عن «الحرب السورية»
يكتب المخرج طلال ديركي في مقدمة فيلمه «العودة إلى حمص»، قائلاً: «في العام 2011 بدأت الثورة الشعبية في سورية، بهدف تغيير النظام بعد 40 عاماً من حكم الأسد. أخذت مدينة حمص صفة عاصمة الثورة، لأن شبابها وقفوا وغنوا ورقصوا في مواجهة الدبابات. وعلى رغم أن كبار السنّ قالوا إن سوريا ستغرق في بحر الدماء قبل سقوط الأسد، إلا أن الشباب كان قد وصلوا إلى نقطة اللاعودة».
هكذا، وعلى نحو مباشر، يضع فيلم «العودة إلى حمص» مشاهده أمام ثنائيات متناقضة ومتضادة: الثورة الشعبية ضد النظام. الشباب الأعزل في مواجهة الدبابات. الشباب الصغار في مواجهة كبار السنّ. الشباب المقدام (الذي وصل إلى نقطة اللاعودة) مقابل كبار السنّ الذين انكفأوا وتراجعوا. ومن المُنتظر، بعد المشاهدة، طبعاً، أن يقوم الفيلم بالوفاء لهذه الإطروحات طالما هي نابعة من مقدماته، وكامنة في نواياه، وقادمة في إطار موضوعه.
الحقيقة أن فيلم «العودة إلى حمص»، لن يأبه بما قدّمه كتابةً، وهو قول سياسي وأيديولوجي واضح، بل سيمضي وفيّاً لموضوعه السينمائي، حتى لو تضمّن نقداً يقوده إليه السرد التاريخي المتعاقب (الكرونولوجي) لحكاية بطله؛ لاعب الكرة عبدالباسط الساروت، لاسيما وأن الفيلم يعمل على المعادلة درامياً ما بين سيرة البلد كله، من ناحية، وسيرة عبدالباسط الساروت، من ناحية أخرى، كما أن الفيلم يشتغل على «كرونولوجي» آخر، يتناول في العمق التحولات التي أصابت «الثورة السورية»، وانتقالها من الحالة السلمية إلى الحرب الدامية.
وهذا ما سيجعلنا نربط بين «تزمين» الفيلم مونتاجياً، وتحوّلات الوقائع التي يرصدها، في محاولة لإعادة قراءة «تزمين» الحراك السوري ذاته، من خلال توقيعات المونتاج الفيلمي، لاسيما وأن الفيلم يزمع بناء ملحمة سينمائية، مدفوعاً بما توفر لديه من مواد مصورة، من قبل أشخاص في قلب الحدث، وعلى علاقة وطيدة بالشخصية المحورية، ومدفوعاً بالمقدرة الانتاجية التي جعلت من المونتاج عملية خلق ثانية. وسوف يظهر لنا أنه لم عفوياً التناسب بين «التزمينين» الفيلمي والواقعي.

امتلاك ميزة التصوير المستمر، على مدى أشهر، وإمكان التواجد في رفقة عبدالباسط الساروت، داخل مدينة حمص وخارجها، وفي أوقات مختلفة، منحت وثائقي «العودة إلى حمص» فرصة استثنائية، اقتربت الصورة خلالها إلى درجة أنها سجلت ولامست الساروت، جسداً وروحاً، واطّلعت على لحظات قوته وضعفه، اندفاعه ويأسه، انتصاره وهزيمته، وما رافق ذلك من تحولات، يمكن في بساطة شديدة إلقاء ظلالها على الحالة السورية كاملة.
من الواضح أن وثائقي «العودة إلى حمص» مرّ في مرحلتين جوهريتين أنتجتاه، هما: مرحلة التصوير (قحطان حسون، أسامة الحمصي، طلال ديركي، عروة النيربية) التي امتدت طويلاً، وفي أمكنة مختلفة، ما مكّن من الحصول على ثروة بصرية كبيرة، تتبدى ملامحها في الشريط السينمائي. والمرحلة الثانية التي لا تقل أهمية أبداً، هي مرحلة المونتاج (آن فابيني)، إذ يبدو «العودة إلى حمص» نموذجياً للفيلم الوثائقي الذي جرى إعادة خلقه في غرفة المونتاج، في هدوء وأناة، كما في دراية ووعي، لمغزى هذا الفيلم، وأهدافه، وما يمكن أن يحققه ويصل إليه من استثنائية من العسير أن تقيض لغيره، خاصة مع صعود نجم الساروت واشتهاره خلال الفترة التي كانت التصوير يجري فيها.
وفي هذا الصدد، يقول المخرج طلال ديركي، في حوار شخصي، غير منشور: «فكرة «العودة إلى حمص» بدأت خلال فترة عملي مصوراً، عند بدايات الحراك في سورية، إذ زرتُ حمص، وعملت مع أسامة (الحمصي)، وتعرفتُ من خلاله على «باسط» (عبدالباسط الساروت)، ومن خلال صداقته، وعلاقته بالمقاومة في حمص، وجدتُ فيه مادة نموذجية واعدة للأيام المُقبلة. وفي المحصلة كان البحث عن شخصية فاعلة، يمكن أن نعكس في لقطة قريبة منها حقائق تلك الأيام، فكان خياري وقتها: مدينة حمص، واثنين من شبابها».

ويوضح ديركي ما نريد الذهاب إليه، بالقول: «تنفيذ الفيلم له خصوصية، فمنذ البدء كان هناك أوفياء للكاميرا. سوريون يُقتلون في سبيل نقل الحدث. منظومة شعبية كاملة في كل مشهد، ومن هو خلف الفيلم كالذي أمامه. التجربة ذاتها، والهاجس ذاته، مع اختلاف في نهايات الشخصيات، فنحن ودّعناهم في المراحل الأسوأ. لم نمض خلفهم. هناك حيث انتهت قصتنا، كانت رغبة ملحّة في هذا الصخب أن نصنع من حمص وأبطالها ملحمة تاريخية، يستقى منها الكثير، فالتحدي أن تصنع فيلمك في زمنه الحاضر. أن يواكب التصوير شخصياته، أن لا يغيبوا عنا في زمن الحصارات والرعب. مجموعة كبيرة عملت في صمت لإتمام هذا المشروع».
صحيح أن «المنظومة الشعبية» لن تظهر كثيراً في الفيلم، أو أمام الكاميرا، التي سنجدها منشغلة تماماً برصد الساروت (أو «باسط» كما ينادونه)، ولكن الصحيح أيضاً أن تحقيق هذا الوثائقي احتاج من دون شك لتعاون وتكاتف من قبل أشخاص كثر، وعلى غير مستوى، ليتحقق التصوير أولاً، في ظلّ المخاطر التي كانت محدقة، حتى حدود الموت، وظهر جزء منها في الفيلم. كما أن من الصحيح أن الفيلم وهو يغيّب «المنظومة الشعبية»، كان يتماشى مع التحوّل الذي أصاب الحراك السوري، وانتقاله سريعاً من «ثورة» شعبية إلى «حرب» مسلّحة.
في لحظات متقدمة من فيلم «العودة إلى حمص» سندرك أن لقطاته الأولى التي توقفت باندهاش وذعر عند إطلاق غاز مسيل للدموع في 1 آب (أغسطس) 2011، ومقتل الشاب عدنان عبدالدايم، الذي كان يحمل لافتة «سلمية»، ما هي إلا بداية لا يمكن مقارنتها أبداً بما ستجيء به اللقطات التالية، ولن يكون اللقاء مع الساروت (ثاني أفضل حارس في قارة آسيا، وحارس مرمى منتخب شباب سوريا، وشباب نادي الكرامة)، الشاب الذي اشتهر منذ أن جرى رفعه على الأكتاف، في أول اعتصام عرفته مدينة حمص، هاتفاً بأسماء أبطال الخالدية، وأبطال البياضة… إلا فاتحة للكلام، وعبوراً إلى المأساة.

بمرافقته لعبدالباسط الساروت، يتحوّل وثائقي «العودة إلى حمص» سجلّاً ودفتر أحوال سورية، يمكن العودة إليه لرصد المحطات والانعطفات التي حصلت، دون أن نغفل عن فكرة عناية الفيلم، من الناحية المونتاجية، التوازي مع هذه الانتقالات، بدءاً من «السلمية»، والمطالبة بـ«إسقاط المحافظ»، ووصولاً إلى المطالبة بـ«إسقاط النظام»، وانتهاء بالخروج عليه، والاشتباك معه، وقتاله، وما انتهت إليه تجرب الساروت شخصياً، وحمص عموماً. وليس من الغريب في هذا المقام أن تتداخل المعرفة المتكونة من خارج الفيلم، مع المعارف التي يقدمها الفيلم.
يؤثث «العودة إلى حمص» شريطي الصورة والصوت بالتفاصيل اليومية والآنية حينها، ولكنها التي تحوّلت من ثمّ إلى وقائع تاريخية، ومحطات مفصلية. فعبر قناة تلفزيونية نسمع الأخبار عن انشقاقات في الجيش، والهجوم على الرستن، كما نرى ونعرف أن عبدالباسط بات مطلوباً بتهمة الإرهاب، وأنه تمكّن من الهرب، وقُتل أخوه الأكبر وليد، وأولاد خالته، وعدد من رفاقه… وسيخبرنا الساروت بنفسه عن محاول اغتياله بقصف السيارة عند حاجز «القاهرة» في مدينة حمص، وأن هناك من طلب منه (قبل شهرين أو ثلاثة، من لحظة التصوير)، الدخول في المصالحة عبر الحضور إلى دمشق، ومقابلة الرئيس، والظهور على قناة «الدنيا»، وأنه سيرجع بعدها لاعباً أساسياً ونجماً في النادي.

لن تحدث المصالحة طبعاً، وسرعان ما سيفقد الساروت ثقته بالحل السلمي (الدقيقة 11 من الفيلم)، حيث سنرى انتشار الجيش والأمن… ونصب الحواجز، وبدء الحصار، انتشار الحواجز والدبابات والقناصة، وما يتطلّبه هذا في المقابل من اعتماد الساروت ورفاقه على التسلل ما بين الخالدية والبياضة، للتخفيف من آثار الحصار الذي بات مصحوباً بالموت والقتل.
عند الدقيقة 15 (من الفيلم البالغ طوله 90 دقيقة)، يبدأ تواصل الساروت مع الخارج للحصول على مال وسلاح. هذا سيترافق مع تغييرات في المشهد، إذ بدأ المسلحون يظهرون علانية ملثّمين في الشوارع، ويطلقون النار خلال تشييع الشهداء، كما ستختلف طبيعة الأناشيد والأغنيات التي كان الساروت يؤديها في التظاهرات، لتتحوّل إلى نبرة إسلامية واضحة، وتنكفئ من الساحات والميادين العامة إلى جلسات داخل البيوت، أو في حارات خلفية ضيقة، وفي تظاهرات ليلية. حتى رفاق الساروت تغيّروا وباتوا إسلاميين.

اعتباراً من شباط 2012 (الدقيقة 24 من الفيلم، والعام الأول من «الحراك» يكاد يكتمل)، يحدث الإعلان عن انتهاء الحلم بالثورة السلمية. ففي يوم السبت 4 شباط (فبراير) 2012، وقعت «مجزرة الخالدية» بقذائف الهاون. بدأت الحرب. الناس غادرت بيوتها. انقطعت أخبار الساروت قرابة شهرين، قيل خلالها إنه على «جبهة شارع القاهرة». منطقة البياضة تحت سيطرة الجيش. ولقطة «ترافلينغ» يمرّ عبر العديد من البيوت، من خلال فتحات ثقّبت جدرانها. باتت الحرب حقيقة، وبات الدمار والخراب أمراً واقعاً.
كل ما سيأتي في النصف الثاني من الفيلم، لن يكون إلا دوراناً في فلك الحرب، وويلاتها، وتداعياتها… ولعل من أبرز مظاهر ذلك، اختفاء الظهورات الجماعية (الشعب)، فالناس غادرت المدينة، أو انزوت في حجرات لا تبين، والثوار باتوا مجموعة من المسلحين، يظهرون فرادى أو في مجموعات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. تحوّلت حمص إلى جبهات، وبات الحديث مقصوراً على طلب السلاح. تغيّرت حمص. وتغيّر المزاج. وشاع الشغف بالسلاح، ولم يعد للساروت إلا الانتقال من الغناء في الساحات، إلى الغناء في غرفة لا تضم إلا رفاقه المسلحين.
وفي المسافة الزمنية ما بين شباط (فبراير) 2012، لحظة مغادرة الحالة السلمية والدخول في الحرب، ووصولاً إلى 9 حزيران (يونيو) 2012، لحظة الشروع في إطباق الحصار على حمص، لن يعرف الشارع، كما يبدو، إلا تلك العناوين التي باتت علامات دالة على زمن سياسي واجتماعي ونفسي، وجزءاً من ماض يطوي نفسه ويغيب، كما في مشاهد حضور المراقبين الدوليين، وتكليف كوفي عنان مبعوثاً، وتعاظم قوة «الثوار»، وتمكّنهم من «تحرير» المباني الحكومية في وسط العاصمة، وفشلهم في «تحرير» البياضة… وإصابة الساروت برصاصة في قدمه.
ما بدا لوهلة أنه صعود نحو الانتصار، سرعان ما تبين أنه وقوع في الكمين. المناطق المحررة باتت سجناً. الساروت يتذمّر من الوعود التي لا تتحقق. أسامة يعتقل على الحدود السورية اللبنانية، وهو عائد من علاجه في أحد المستشفيات اللبنانية… لقطات مقربة ومعبّرة. عناية بالصورة السينمائية التي تقول الكثير، وتختصر الحال التي صارت. الصورة ترينا الساروت في حالة انكسار. جالساً في ممر ضيق، منكس الرأس، منكسراً، محاصراً بين جدارين، وعمود النور يهطل محمّلاً بالغبار… جالساً مرهقاً يغالبه النعاس ويكاد يغفو… صوت إطلاق نار كثيف في الأسماع. وحيداً… يمشي في شوارع مدمرة فارغة.
يرصد الفيلم الثلث الأخير منه لفكرة كسر الحصار عن حمص، أو اختراقه، بدءاً من أنباء عن عزم «الجيش الحرّ» على فكّ الحصار عن حمص، وقيام الساروت بتوزيع المهام القتالية على المجموعات، وفق قرار الهجوم التي اتُخذ، بعد تجهيز 200 مقاتل لدخول الحي. ومن ثم وقوع الساروت ورفاقه في كمين، والعمل على حفر نفق، تحت شارع القاهرة، لمدة 13 يوماً، للعودة من الحصار الجديد إلى الحصار القديم، دون أن يفتّ هذا من ثقة الساروت بأن الثورة ستنتهي بالانتصار.

بعد تفكير وتردد… اقتنع الساروت بالخروج عن طريق أنفاق الصرف الصحي، لجلب الطعام والمؤن للمحاصرين، وحثّ الثوار في الريف المجاور، على التحرك لفك الحصار عن المدينة. ولكن الوضع معقد. الجيش اكتشف النفق وأغلقه. الحرب امتدت مثل بقعة زيت على الأراضي السورية كافة. في الدقيقة 70 من الفيلم، يقرر الساروت العودة إلى حمص، يودع والده ووالدته، ويبدأ رحلة العودة التي ستكشف إلى أي مدى خُذل باسط من الكثيرين، وأضاع وقته في انتظار وعودات بالمساندة لم تتحقق.
الأهمية الكبرى للدقائق العشر الأخيرة، والتي تبدأ منذ الدقيقة 80 حيث عبدالباسط على سرير العلاج، بعد إصابته. بين المكوث تحت تأثير التخدير، وحافة استعادة الوعي، بدا أن ما يجري لعبدالباسط شكل من أشكال العلاج الروحي والنفسي، التي ستحوله من بعدها إلى شخصية واقعة تحت تأثيرات الفكر الديني في شكل قوي. صراخه المتتالي «هي لله»، تعبيرٌ عن انتقال عبدالباسط الساروت من المغني الشعبي إلى المنشد الديني، أي انتقاله من الثائر السلمي إلى المحارب الأيديولوجي. الأمر الذي أكّده الفيلم بالانتقال إلى مشهد الثلج.
لم يكتمل وثائقي «العودة إلى حمص» إلا بعد ظهور المخرج (الدقيقة 83)، حيث يلتقي عبدالباسط الساروت، ويتحادثان في شؤون شتى، ويتوادعان في افتراق يبدو أن لا لقاء بعده. الساروت المتحوّل في انعطافتين جوهريتين، من السلمية إلى الحرب، ومن البعد الوطني إلى الديني، سيعود إلى حمص تحت راية أخرى، غير تلك التي رفعها في البداية.

في 7 تموز (يوليو) 2013، تمكّن عبدالباسط من العودة إلى المدينة المحاصرة. قُتل أخوه وعمه، وأُصيب… لكنه نجا.
من خارج الفيلم، سنعرف أن المحاصرين، ومن بينهم عبدالباسط الساروت، سيضطرون إلى الخروج في اتفاق أُجري مع النظام، تمّ بموجبه السماح للمسلحين بالخروج من مدينة حمص والأحياء المحاصرة، والتوجّه إلى ريف ادلب، التي ستكون إمعاناً في التمزّق، على موعد من دوامة حرب من نوع آخر، في العام 2015.

«الرقيب الخالد»… عن مدينة الخوف
رحلة يوم واحد في أعماق المجتمع السوري يقوم بها وثائقي «الرقيب الخالد»، للمخرج السوري زياد كلثوم، (72 دقيقة، 2014)، ما يجعله أقرب إلى مسبار يستكشف المسكوت عنه في مجتمع تتوضّح خلف كل نأمة تعبير معالم الخوف من الحاضر والمستقبل، والخوف على الماضي ومنه. من الصعب العثور على صفة أخرى غير الخوف تختزل الحال التي يقولها الفيلم عبر شخصياته التي يلتقيها، ويقدمها لنا.
في يوم من أيام تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، سوف يستيقظ الرقيب المجند زياد كلثوم، يغادر المكتب الذي يؤدي فيه خدمته «العسكرية» (الخدمة الإلزامية، أو خدمة العلم)، يمرّ على صالة السينما «العسكرية»، في مقرّ خدمته؛ إدارة التوجيه السياسي في قوى الدفاع الجوي. ومن ثم يركب ميكروباص متجهاً لعمله الآخر، مساعداً للمخرج محمد ملص في تصوير فيلمه الروائي الطويل «سلّم إلى دمشق»، وسيعود الرقيب المجند في المساء، إلى الثكنة، وقد استكشفنا معه عوالم دمشق التي يمكنها أن تكون صورة مكثفة عن سورية كلها. سيعلن الرقيب المجند انشقاقه عن الجيش، ويعلن عدم التحاقه بـ«الجيش الحر»، أو أي جيش آخر، إذ أن سلاحه «الكاميرا». وإذ ذاك سوف يصير الرقيب المجند جديراً بصفة «الرقيب الخالد».

هذا الاختصار لفكرة وحكايته الفيلم الوثائقي «الرقيب الخالد» يشير إلى الذكاء والنباهة في الالتقاط، ولاشك أن مشاهدة الفيلم سوف تعزز هذا الذكاء بالمقدرة على استنطاق ما هو غير عادي أبداً، من الكثير العادي الذي نعيشه، أو نمرّ في جواره، من دون أن نمنحه الاهتمام اللائق، أو الانتباهة الحصيفة. الأشياء العادية التي نراها ونسمعها ونعيشها تتحول إلى غير عادية أمام عين الكاميرا التي تجعلنا نعيد النظر فيما نتلقاه صورة كانت أم كلاماً، عبارة أم طرفة عين أو رجفة يد، وارتباك تعبير، وغمغمة.
لاشك في أن المخرج زياد كلثوم، وهو يمضي في مهمته هذه، كان أعدّ العدة اللازمة لارتكابه فيلماً سينمائياً. كاميرا سرية، ومشي كثير مع هذه الكاميرا التي تتحوّل إلى عين ثالثة. عين فاحصة. فضولية. تستنطق وتسأل وتتساءل. وتتهكم في أمل ومرارة. «الرقيب الخالد» الذي بدا في لحظة وكأنه عن فريق فيلم «سلم إلى دمشق» وكواليسه، سوف يفيض عن ذلك، ليتحوّل إلى فيلم عن سورية، أو عن دمشق، الآن وهنا (العام 2012)، وعن المجتمع السوري، في المدن والأرياف.

ذكاء فكرة الفيلم، تتكامل مع تنفيذه، وبنائه، وسرديته، وقدرته على النفاذ إلى «وصف الحال السورية»، من دون أن يقولها مباشرة، بل عبر أصوات نازفة الألم والخوف. شخصيات تبدو صلبة من الخارج، ولكن هشّة من الداخل. وأخرى تبدو هشّة من الخارج، ولكنها صلبة من الداخل. توازن مفقود، يصل أحياناً حدّ المأزق، ما يجعل من الكائن غريباً، لا نريد أن نقول أقرب إلى الجنون، فعمّا قليل سوف يأخذنا الكلام إلى بقعة ضوء داخل قلب العتمة، وإلى طعنة عتمة في قلب ما يوهم الكائن نفسه بأنه نوع من الضوء.
في مدينة دمشق، يجري تصوير فيلم سينمائي. الفريق ينتقل من مكان إلى آخر. وقائع دمشق الأخرى تجري في الوقت نفسه، وفي الأمكنة كلها. في الأعالي يتصادى صوت الطائرات مع صمت مطلوب على الأرض. الصمت يأتي، سواء بأوامر من المخرج، أم بأوامر من «الرقيب الخفي» الكامن داخل كل كائن. سيحتاج أحدهم إلى جرعة من الجنون حتى يقول ما يشاء. ويحتاج آخر إلى مخدّر ليقول ما لا يقدر على قوله في حال صحو، ويحتاج ثالث إلى كأس من الكحول كي يمتزج الضحك بالبكاء.

فيلم أمام الكاميرا، وفيلم خلفها أمام كاميرا سرية. كأنما هي الحال السورية ذاتها، أو شكل آخر من اختزالاتها وتكثيفها. مجتمع محكوم بالسرية. الصمت عنوان السرية، والقول فضيحتها. الصورة السينمائية توازي القول ولا تقوله. إنها استعارة أو دلالة أو إحالة. هذه المرة لن نرى الحرب. سنعيشها. لن نرى الطائرات. نسمع زعيقها. لن نرى القتلى. سوف نسمع قصصهم وحكايتهم. لن نرى الدمار. سوف يخنقنا غباره. ولن يكون الحديث عن المجتمع لأننا نحن هو. سنرى أنفسنا وراء الوجوه التي ظهرت أمام كاميرا «الرقيب الخالد».
يستغرب المخرج محمد ملص الحال الذي وصلنا إليه، والحال التي صارت دمشق فيه. وتتوقع مديرة التصوير جود كوراني، بين الجد والمزح، اختفاء دمشق. وسنعرف إلى أي درجة جرى تقطيع أوصال المكان، والقطيعة مع الزمان، والانقطاع بين البشر. صار عالم آخر غير ما يمكن أن يتوقعه أحد. صار الوصول من جرمانا إلى باب توما مغامرة محفوفة بالموت، ربما تشبه العبور من اليونان إلى أوروبا، كما سنرى في «بوردينغ»، الوثائقي السوري الثالث، بعد قليل.

الرجل الهارب في شكله من الأفلام الكلاسيكية، يكتب عزاء نفسه بفقدان ابنه الشاب لنفسه، على لصاقة النعوة، أمام صالة السينما التي عاش فيها أحلامه هارباً من واقعه، ليصدمه هذا الواقع مرة أخرى، إذ يتحداه وينال منه. إمعان الواقع في القسوة، يواجهه الكائن السوري بالغوص في عدم المواجهة. كأنما الكائن لا يرد مواجهة واقعه، ولا خوفه، ولا صمته. الصمت يمتدّ إلى الأبد، تماماً كما «الرقيب الخالد»، الذي غزل صفته على منوال «الرفيق الخالد». إنه الخلود السوري.
«الرقيب الخالد» صامت على رغم الكلام كله الذي قيل. المسكوت عنه هو الأهم. خلف غلالات الصمت تتوارى السينما، ويختبئ الحقيقة التي يريد الوثائقي الكشف عنها. المسكوت عنه هو الهدف. ليس الهدف ما تقوله الممثلة الكومبارس ذات الأدوار الصامتة، والتي وجدت أخيراً دوراً ناطقاً… وليس الهدف التعليق بطريقة النميمة من زميلها الممثل الشاب. هذه مؤيدة، وهو معارض. حسناً. ولكن الثنائية السورية، كما تتصادى في الفيلم، تفيض عن ذلك. ثمة دم في المكان. دم لا نراه على الشاشة. لكن حرارته تصل. رائحته تصل. إنه كما الضحكة التي كان يثيرها محمد من مسافة مئات الأمتار.

لا يحتاج المجتمع السوري لتفتيش أكثر من هذا. ولم يكن لوثائقي «الرقيب الخالد» أن يصرّ على إبراز موقفه من النظام. تلك مراهقة سينمائية ما كان هذا الوثائقي، ولا المخرج، ولا المشاهد يحتاجها. «الرقيب الخالد» هو فرصة نادرة تتماسّ فيه الكاميرا السينمائية مع الواقع السوري مباشرة. تماسّ واضح وصريح ونادر. فرصة لم تتحقق من قبل، ولا نظن أنها ستتحقق من بعد. مرة واحدة. ربما كما الولادة. كما الموت. كما هو «الخالد».
مصادفة تاريخية، أن تنطلق الرحلة في «الرقيب الخالد» من ما يشبه الريف (بلدة المليحة)، إلى قلب مدينة دمشق، وأهم وأشهر أحيائها. وأن تنتهي من ثمّ بالعودة إلى المليحة ذاتها، التي سنعرف خارج الفيلم أنها ستكون فيما بعد ميدان حرب حقيقية. و«الرقيب الخالد» ينجو. ليس تماماً كما نجا الساروت في «العودة إلى حمص»، فلكل طريقته وطريقه. لكنها النجاة المنقوصة ذاتها. نجاة «المؤقت» على حساب «الخالد».

«بوردينغ»… حكايات السوري المؤقت
إذا كان «الرقيب الخالد» و«العودة إلى حمص» تقاسما المكان السوري بين ودمشق وحمص. أي بين «عاصمة البلد» و«عاصمة الثورة»، وتوزّعا الحديث بين السلم والحرب، أو ما يمكن تسميته «طمأنينة الخوف» بحثاً عن السلم، و«قلق الشجاعة» الآخذة بالمتمرد إلى حرب العصيان… فإن الوثائقي الطويل «بوردينغ»، للمخرج غطفان غنوم (93 دقيقة، 2014)، يشرع كاميراه في العاصمة اليونانية أثينا، للحديث عن مآسي اللاجئين السوريين في المنفى اليوناني، والذي يمكن اعتباره نموذجاً وإن لم يكن قياسياً لما يواجهه السوريون «الناجون» من الحرب.
طوّحت الحرب السورية بملايين السوريين الذين تركوا بيوتهم وأراضيهم واضطروا على عجل إلى اللجوء إلى أمكنة أخرى، داخل سورية وخارجها. تساكن السوريون داخل سورية. أفسحوا لبعضهم البعض البيوت والمنازل. المباني والأراضي. أعدّوا إقامات مؤقتة، على أمل العودة في أقرب وقت إلى المكان. ولم يُقل الكثير عن لاجئين ما زالوا يدورون في فلك المواطنة السورية، التي بقيت جامعة، على رغم ما وقع فيها من نصال، وما تعرّضت له من تمزيق.

لكن الأزمة الإنسانية تبدّت في أقسى صورها مع حال اللاجئين السوريين الذين أجبرتهم الظروف على الفرار واللجوء خارج سورية، سواء في بلدان الجوار، أو المنافي البعيدة. من مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان وصولاً إلى مخيمات اللاجئين في تركيا. ومن حكايات اللاجئين السوريين في غير مدينة عربية، وعلى حدود غير بلد أوروبي، وحكايات الموت في البحار والصحاري والغابات… خيط مأساة لا ينتهي.
يـأخذ المخرج غطفان غنوم من أثينا ميداناً لتصوير وثائقيه «بوردينغ». يتجوّل في هذه المدينة. يلتقي عدداً من اللاجئين السوريين في اليونان. بعد فرارهم الأول من بلدهم، هاهم يتحضرون لفرار آخر، من اليونان إلى بلدان أوروبية تستقبل اللاجئ السوري، وتمنحه حق اللجوء والإقامة.
خطوة أخرى على طريق النجاة الشخصية. الحلّ الفردي. البحث عن أمان، وربما استقرار، بعد أن افتُقد هذا في بلاده سورية، وما عاد من الممكن رتق الفتق، ولا تجاوز التصدّع الذي حصل ما بين المرء ومكانه، المواطن ودولته، الإنسان وزمانه، ممزقاً النسيج المجتمعي السوري.

لكل لاجئ سوري حكايته. تتعدد الحكايات. ووراء الحكاية ذاتها تنطوي حكايات أخرى. تستحضرها الذاكرة، ويوقظها الحنين. لاجئون يقصّون حكاية وطن من خلال حكاياتهم الفردية. تفاصيلهم الصغيرة تتجمع لترسم صورة بلد، ذاكرته، أنفاسه، وما جرى في السرّ والعلن، في الضوء والعتم، في العام والخاص، ما قيل وما لم يُقل بعد.
السوري الخالد، منذ آرام الأول، بات لاجئاً. واللاجئ هو المؤقت. على حافة المكان والزمان. على الحد الفاصل ما بين الخطر والحذر والموت والأمان. اللاجئ حكاية. وغطفان غنوم يقدّم عبر فيلمه الذي صوّره خلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، بعضاً من هذه الحكايات. وبعض الححكي يتحول إلى محاولة للشفاء من الألم. ألم اللجوء، والقهر، والاضطهاد، والإذلال، الذي يتعرّض له اللاجئ السوري، وهو يحاول العبور ما بين حدّين، أو شاطئين.
«بوردينغ» حكاية السوري وهو يصل إلى آخر المأساة. لاجئاً إلى المؤقت، ريثما يصير البديل.

ليست خاتمة… ربما بداية مرة أخرى
تفتح أفلام «العودة إلى حمص»، و«الرقيب الخالد»، و«بوردينغ»، صفحة جديدة في السينما السورية. لا فرق إن كانت سينما الحرب، أو سينما الثورة، أو سينما اللجوء، أو سينما الخوف، أو ما بعده. هي صفحة سينمائية جديدة، حتى ولو فيها الكثير من المأثور عن السينما السورية المتحققة عبر عقود. ربما تنتظر السينما السورية الجديدة وقتاً ريثما تستقر على اسم لها، أو صفة، أو شكل… لكنها في الأحوال كلها سينما سورية، وأفلام وثائقية أنجزها سينمائيون يؤمنون أن الكاميرا هي وسيلتهم، وهي سلاحهم، وأن عليهم استخدامها في كل وقت، وكل حين، وكلما أُتيح لعدسة أن تنبض بلقطة… ولكن ما على قدر كبير من الأهمية أن هذه الأفلام كان أول طلائع الوثائقيات السورية التي سنشهد تدفقها خلال عام تال.
فلم يكد العام 2014 يطوي آخر أيامه حتى كنا شاهدنا مجموعة من الوثائقيات السورية التي توزعت على عدد من العناوين والموضوعات ففي «مسكون»، للمخرجة لواء يازجي (117 دقيقة، 2014)، يتركز الحديث عن العلاقة بين السوري وبيته وهو مجبر على مغادرته قسراً، ويثير سؤال ترى ماذا يحمل المغادر من بيته؟ وما الذي يبقى له بعد هذه المغاردة؟. أما وثائقي «ملكات سوريا» للمخرجة ياسمين فضة (60 دقيقة، 2014)، فهو تصوير لتجربة مسرحية، أقرب إلى طابع العلاج بالمسرح، من خلال اختيار مجموعة من النساء السوريات اللاجئات في الأردن لأداء عرض مسرحي جماعي، ومراقبة ما يجري في المسافة ما بين التححضير والتدريب، ولحظة العرض.
ويكاد «ماء الفضة» للمخرجين أسامة محمد ووئام بدرخان (91 دقيقة، 2014) لا يترك لقطة فيديو على الـ«يوتيوب»، إلا ويجعها قطبة في نسيجه البصري، الرامي لقول في الحال السورية، اتكاءً على بلاغة المخرج المقيم في فرنسا، والاستعانة بالفتاة الموجودة في حمص المحاصرة، والتي شاركته الفيلم بما تمكّنت من تصويره.
ويمكن لفيلم «أنا مع العروسة» للمخرجين الفلسطيني السوري خالد سليمان الناصري، الايطاليين وغابرييل دل غرانده وآنتونيو آوغليارو (98 دقيقة، 2014)، أن يجمع الانتسابات إلى السينمات الثلاثة: الفلسطينية، السورية، الايطالية. وإن لم يجمع هذا الفيلم هذه الانتسابات، فعلى كل وجه من أوجه هويته المتعددة أن ينازع للحيازة على هذا الفيلم  وانتسابه. هذا فيلم متميز حقاً، وتجربة استثنائية على مستوى الشكل والمضمون والانتاج. كما أنه حقق عروضاً واسعة في العالم. ونجاحاً في صالات العرض الإيطالية.

وعلى صعيد آخر، ينبغي الانتباه بقوة إلى أن إنتاجات «المؤسسة العامة للسينما» في سورية لم تتوقف، ولكنها اقتصرت في شكل أساس على الفيلم الروائي، الطويل منه والقصير، مثال: «العاشق» لعبداللطيف عبدالحميد، و«الرابعة بتوقيت الفردوس» لمحمد عبدالعزيز، و«مطر حمص» لجود سعيد، و«مريم» و«الأم» لباسل الخطيب… كأنما في إعادة إنتاج لثنائية مأثورة: روائي، وثائقي. هنا، وهناك. هل تذكرون جان لوك غودار؟