من محاذير الانتاج الوثائقي
يبدأ العديد من مخرجي الافلام الوثائقية حياتهم المهنية بنظرة رومانسية حول تغيير العالم. و بطبيعة الحال هناك بعض المخرجين الاكفاء و الموهوبين الذين غيروا فعلا عديد الاشياء في العالم. و لذا فان ميدان الفيلم الوثائقي مؤثر جدا و اثره ملموس حولنا. و لكن لا يجب لهذه الحقيقة ان تحجب مسؤولية مخرج الافلام الوثائقية اثناء العمل الشاق و اثناء ايصال رسالته الى المشاهدين. وبالمقارنة، العبء ثقيل على مخرج الفيلم الوثائقي اكثر منه على الفيلم الروائي لأسباب اجتماعية و ثقافية وسياسية وحتى قانونية. فهناك عدة طرق يمكن من خلالها لمخرج الوثائقي ان يستطلع الموضوع لكي يخرج بفيلم له تأثير ويمكن ان يستقطب الاهتمام لفترة طويلة و ربما يصبح من الاعمال المؤثرة و الدائمة في المشترك الانساني. و لكن هناك ايضا عوائق كثيرة يمكن للمخرج ان يتجنبها بنوع من الحذر اثناء الاعداد للإنتاج و كتابة السكريبت او السيناريو واثناء الانتاج و في مرحلة ما بعد الانتاج.
الاعداد للإنتاج
لا ينبغي لأي مخرج وثائقي جدي و جدير بالاحترام ان يبدا الانتاج من فكرة غامضة وغير محددة. فاذا كانت الفكرة غير واضحة بالنسبة للمخرج فلن تكون غير ذلك او اشد سوء بالنسبة للمشاهد بعد الانتهاء من جميع مراحل الانتاج. في بعض الاحيان يندفع الكثير من مخرجي الوثائقي الى مرحلة الانتاج و يهملون المرحلة الاهم وهي الاعداد الجيد والمنضبط. فاذا كانت الفكرة غير واضحة او فيها غموض نسبي فالأحرى ان يعمل المخرج، وهو بصفة عامة صاحب الفكرة والاعداد، على بلورتها و توضيحها بالشكل الكافي. و ربما في هذه المرحلة المهمة على المخرج ان يشرك شخصا او اشخاصا يثق بهم و يختبر اذا كانت الفكرة واضحة بما فيه الكفاية بالنسبة لهم. وهناك طريقة تطبيقية لفحص الفكرة وهي ان يحاول المخرج ان يصيغها في جملة قصيرة واحدة. و اذا تعذر ذلك فمعنى هذا ان الفكرة مازالت مستعصية. و في هذه الحالة لا بد للمخرج ان يستعمل جميع الطرق المتاحة لتركيز الفكرة اكثر.
لا يمكن طبعا لمشروع الوثائقي ان يتطرق الى موضوع عولج من قبل في مشاريع وثائقية اخرى. و هذا الاحتمال مغر حتى بالنسبة للمخرجين المتمرسين. فالمخرج بطبيعته يشاهد عديد الاعمال التي ينجزها الآخرون و يتمنى لو سبقهم لإنجازها هو. و لكن يدرك المخرج كذلك انه لا يستطيع ان يلم بجميع المواضيع او يخرجها بالكيفية المثالية وان لكل مخرج اهتماماته واسلوبه. لذا فمن المهم ان يشاهد المخرج اعمال الآخرين و لكن عليه ان يكون حذرا كي لا يتأثر و يعيد، عن علم او جهل، انتاجها او صياغتها. فكل مخرج يساهم بطريقته في تقديم اعمال جيدة اذا اعطى لنفسه الوقت الكافي.
في جميع الاحوال لا يجوز للمخرج ان يعطي الوعظ او الدروس و اذا اراد ذلك فالوثائقي ليس المجال المناسب. على المخرج اثناء بناء افكار المشروع الوثائقي ان يقاوم الميل لإعطاء الدروس في الحياة، و في طريقة التفكير و الاخلاق و ما الى ذلك من الاهتمامات بالقضايا المهمة. و لكن بكل تأكيد الفيلم الوثائقي ليس المجال المناسب للوعظ والخطب الرنانة. و لكن هذا لا يعني ان المخرج يجب عليه ان ينأى بنفسه عن الاجابة عن الاسئلة المطروحة و المهمة او تقديم التحاليل الضافية بطريقة غير مباشرة. و لكن على المخرج ايضا ان يحترم ذكاء المشاهد وان يعامله كشخص راشد. المشاهد ذكي و يأتي لمشاهدة الوثائقي لأنه ينتظر منه ان يعبر بطريقة ابداعية واصيلة عن وجهات نظر جديدة ولكن لا يقبل ان يكون في حضرة خطاب وعظي يشعره بالغباء والذنب او تفرض عليه افكار لا يستسيغها.
و لا يمكن لمخرج الفيلم الوثائقي ان يقدم طلبا في الدعم لإنتاج مشروع على موضوع معين، و لكن بعد الحصول على الدعم المالي يقوم بتنفيذ عملا آخر. صحيح ان مخرج الوثائقي يقع تحت الضغط المادي لكي يقبل بإغراءات الداعمين و شركات البث والتوزيع. ولكن في الغالب لا يقتنع المخرج بأفكار واقتراحات هذه الشركات والمؤسسات و يجد نفسه شبه مجبر على قبول الدعم المشروط و محاولة تنفيذ افكاره الاصلية. و لكن هذه الطريقة ليست النهج الصحيح في كل الاحوال. هناك دائما الداعمون، اذا ما اجتهد المخرج اكثر وبحث جيدا، الذين يهتمون بأفكار المخرج الجيد. ولذا عوض ان يحاول المخرج استعمال المغالطة وحتى الغش، عليه ان يبحث جيدا على الذين يلتقون مع افكاره ومشاريعه و يودون مشاركته في تنفيذها.
على المخرج ان يحتاط من استعمال الكثير من الممثلين الاجتماعيين في الوثائقي اثناء الاعداد لملف الانتاج. فأثناء اجراء المقابلات الاولية و خلال التحضير لتنفيذ الفيلم الوثائقي يلتقي المخرج بأعداد كبيرة من الناس. هذه العملية تشبه اختبار الممثلين للأفلام الروائية. و لكن على المخرج ان لا يقع في مازق اختيار اغلب من يقابلهم، بل عليه فقط ان يختار من بينهم من هم اقدر على التعبير و اكثر حضورا. و بإمكان مخرج الوثائقي ان يجري اختبارات على الكاميرا ليتأكد من ان الممثلين الاجتماعيين يتمتعون بالحضور و التأثير في المشاهد. و لكن الكثير من المخرجين يعتبرون هذه الاجراءات سطحية و لا تليق بالفيلم الوثائقي. و في الواقع الفيلم الوثائقي هو كذلك نص سردي له بداية ووسط ونهاية و يجب ان يتبع البناء الدرامي نفسه. لذا فاختيار الممثلين الاجتماعيين عملية مهمة للغاية و لا بد من الانتباه اليها في اي عمل وثائقي.
و لكن بالطبع على المخرج الا يحول الفيلم الوثائقي الى سلسلة من المقابلات مع ممثلين اجتماعيين. بل على العكس من ذلك تماما، على المخرج ان يفكر بطريقة بصرية اكثر جدوى وتأثيرا من الاطارات الثابتة لأشخاص يوجهون حديثهم الي الكاميرا. فربما يجد المخرج نفسه مكرها على استعمال المقابلات على حساب التعبير البصري. فعلى الارجح يستعمل اغلب المخرجين المقابلات مع شهود العيان و الخبراء و اصحاب النفوذ وآخرين. و لكن هذا لا يقلل من اهتمام المشاهد بمتابعة الاشخاص و هم يعيشون معترك الحياة، و يقدمون الحلول للمشاكل الحقيقية التي تعترضهم، و يردون الفعل عوض ان يتحدثوا عنها. فالفيلم الوثائقي مشحون بالعاطفة و المشاهد المؤثرة، و يود المشاهد ان يجربها و يعيشها عبر الممثل الاجتماعي.
و لكن مع اهمية الممثل الاجتماعي للفيلم الوثائقي، لا يجب على المخرج ان يتعهد له باي شيء. صحيح ان المخرج يواجه بعض الصعوبات في اقناع الكثير من الناس بالظهور في الفيلم الوثائقي. في هذه الحالات المثيرة لليأس احيانا يتمنى مخرج الوثائقي ان يفعل اي شيء لإقناع الناس بالمساهمة في العمل. و لكن حتى و ان وعد المخرج الممثل الاجتماعي بشيء ذي جدوى او معنى فغالبا ما لا يوفي بوعده. فيمكن للمخرج ان يعد الممثل الاجتماعي بالا يظهره بشكل سلبي، او انه بإمكانه التحفظ على النسخة النهائية للفيلم بقطع النظر عن البناء الدرامي. و في بعض الاحيان يجد المخرج نفسه مجبرا على التعهد بدفع بعض المال للممثل الاجتماعي في حال ينجح الفيلم. و لكن لا يمكن الوفاء بكل هذه الوعود، و لذا من الاحسن الا يتعهد المخرج بها اصلا.
و اثناء الاعداد لتنفيذ المشروع على المخرج ان يوظف التقنيين الاكفاء بقطع النظر عن اجرتهم. و اي محاولة لتوفير المال على حساب جودة العمل هو فعلا مدعاة للأسف. فعلى عكس الفيلم الروائي، لا يتمتع الوثائقي غالبا بميزانية جيدة. و لذلك يجد بعض مخرجي الوثائقي انفسهم مجبرين على توظيف تقنيين مبتدئين او متطوعين. ولكن على المخرج ان يعي انه بالنهاية سيتحصل على النتيجة بالثمن الذي يدفعه، و اذا لم يكن للمشاركين اي دافع او التزام فلن يقدموا افضل النتائج. فمن الممكن ان يتغيب التقني عندما يكون المخرج في امس الحاجة اليه، او ان يقوم بالأدنى المطلوب منه، و هذا هو الأسوأ. فلن يقدم التقني للمخرج النصائح التقنية و يكتفي بتنفيذ ما يطلب منه في احسن الاحوال. على المخرج اذا، ان يجازي التقني الكفء كما يستحق، و الا فسيتحصل على عمل رديء لا يستحق العناء سواء لإنتاجه او لمشاهدته.
![]() |
