الفيلم الوثائقي في عصر التلفزيون
د. عبدالله أبوعوض .
يعتبر التلفزيون أقوى وسائل الإعلام المعاصرة رواجا في العالم، باعتباره وسيلة تعتمد على السمع والبصر ووسيلة سهلة لعرض الحركة المرافقة للصورة بالصوت. كما أنه الجهاز الإعلامي الأكثر قدرة على تركيز اهتمام الناس لربطهم بأشياء محددة، وله قدرة فائقة على الانتشار، ولقد عرف العالم العربي ولوج البث التلفزيوني في بداية الخمسينات من القرن الماضي . وإذا كان لكل وسيلة إعلامية ميزتها الخاصة بها فإن التلفزيون هو الأقرب إلى الواقع من غيره في كسب اهتمام المشاهد، فأغلب الآلات الحديثة كالراديو والتلفزيون، أسرع من الصحافة، وأقرب من الواقع وأكثر فورية، وهي أمور لم تتوفر للمطبوع . ولذلك يستنتج أن :
? التلفزيون أكثر الوسائل الإعلامية تأثيرا.
? أن الإذاعة أكثر الوسائل الإعلامية انتشارا.
? أن الصحافة أكثر الوسائل الإعلامية توثيقا .
غير أنه في هذا العصر يمكن القول أن التلفزيون أكثر الوسائل الإعلامية تأثيرا وانتشارا وتوثيقا، في ظل هذا التطور الكبير المتمثل في توسع نطاق بثه، والتجدد في خط برامجه، فالتلفزيون بدأ يتخذ مجموعة من الوظائف المهمة التي تساير التأثير في الرأي العام كالوظيفة التثقيفية، و الإجتماعية و التوجيهية والسياسية و الدعائية والإعلانية والترويجية…..
ولعل التلفزيون كأحد الوسائل السمعية البصرية قد رسخ أهم الوسائل العملية لترويج وترسيخ هذه الوظائف. إذ تنبع أهميته وخطورته إضافة إلى فحوى خطابه الإعلامي والوظيفي، من وصوله، واقتحامه لمعاقل المتفرج في أخص مكان لديه… في بيته. مما يعني أن الإقرار بشرعية وجوده، وبشرعية احتلاله لأوقات هامة من حياتنا، سواء توافقت برامجه ومشاريعه مضمون قناعاتنا أو لم تتوافق.
كما أن ما يقدمه التلفزيون غالبا لا يقبل الحوار أو المقاطعة باعتباره إرسالا من طرف واحد وعلى الطرف الآخر التلقي فقط، حتى وإن كان الحوار متاحا في بعض البرامج، فإن أمر الاتصال لن يكون متاحا للجميع لأسباب كثيرة .
لقد استطاع التلفزيون من بناء سلطته في زمن قياسي ليتوج نفسه على رأس وسائل الإعلام من حيث حجم جمهوره، ومدى تأثيره، وقد أثبتث عدة دراسات ميدانية وأخرى نفسية، أن الفرد أكثر ميولا لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أي التلفزيون، ففي إحدى نتائج سبر الآراء قامت بها إحدى الدوريات الأمريكية، تأكد أن التلفزيون جاء في المرتبة الثانية تأثيرا بعد البيت الأبيض من حيث السلطة والنفوذ، بينما جاءت الصحف في المركز السابع عشر .
الوثائقي والتلفزيون …علاقة التثقيف الخلاق عبر حكاية الصورة.
تشكل وسائل الاتصال والإعلام بالنسبة لملايين البشر الوسيلة الأساسية في الحصول على الثقافة، وجميع أشكال التعبير الخلاق، كذلك فللاتصال دور في تدبير شؤون المعرفة وتنظيم الذاكرة الجماعية للمجتمع، وبخاصة جمع المعلومات العلمية ومعالجتها واستخدامها، هو يستطيع إعادة صياغة القالب الثقافي للمجتمع . واليوم وبفضل التطور الثقافي أصبح هناك امتزاج بين الثقافة والتقانة، هذا الامتزاج أو التزاوج يجعل من الثقافة لأول مرة سلعة يمكن تبادلها .
فالبرنامج الثقافي الذي يقدمه التلفزيون، يعتبر هدفه الأول هو توسيع الآفاق وتعميق ورفع مستوى الذوق، مهما كان شكل هذا البرنامج وطالما أنه ” بعيد عن الدعاية الرخيصة والإعلان البغيض” ويجب في هذا الصدد الإشارة إلى أن قيمة المعرفة، لا تتحقق بغيرتمثل تلك المعرفة، وهذا سيحيلنا إلى القول، أن أهمية البرامج الثقافية الناجحة هي تلك البرامج التي تحرك المشاعر النفسية والذهنية والسلوكية في الفرد والجماعة، ولذلك فإن الفنون والآداب تصنف باعتبارها ” work shops ” يتم فيها تصنيع المعاني الثقافية وتخليقها .
![]() |
