انقلاب تركيا الفاشل.. الرصاصات التي هزت عرش أردوغان

كانت ليلة 15 تموز/يوليو 2016 أطول ليلة في تاريخ تركيا، وكان الحدث المؤلم أقصر انقلاب في ذاكرة العنف السياسي الذي احتل المشهد التركي منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، فقد حدث ما لم يكن متوقعا، ووقع ما لم يكن في حسبان سيد القصر الرئاسي رجب طيب أردوغان وهو في أوج قوته، بعد أن كبد التيار العلماني والمؤسسة العسكرية خسائر سياسية باهظة، وقلم كثيرا من أظافرها التي طالما انغرست في وجه تركيا وفي مفاصلها المتعددة.

اجتماع المخابرات والأركان العامة.. بداية النذر الأولى

كانت البداية مع وصول معلومات للمخابرات التركية عن تحركات مريبة في عدد من القواعد العسكرية داخل البلاد، خصوصا في قاعدة “أقنجي” الجوية القريبة من أنقرة، وقد سارع رئيس المخابرات التركية “هاقان فيدان” لإبلاغ الرئيس الثاني لرئيس الأركان العامة، الفريق أول “يشار غولر” عبر الهاتف، قبل أن يصل لقيادة الأركان لإطلاع قيادتها على المعلومات التي بحوزته في اجتماع استمر نصف ساعة.

بعد مغادرة قائد المخابرات عقد اجتماع آخر على وجه السرعة داخل قيادة الأركان بين رئيس هيئة الأركان الفريق أول خلوصي أكار، والقائد الثاني للأركان، وقائد القوات البرية، وقد خرجت ثلاثة قرارات سريعة عن اجتماع قيادة الأركان تمثلت أساسا في منع إقلاع الطائرات من كل القواعد الجوية حتى إشعار آخر، ومنع خروج الآليات العسكرية وخصوصا الدبابات والمدرعات من القواعد العسكرية حتى إشعار آخر. بينما نص القرار الثالث على وجوب اتخاذ كل التدابير اللازمة لتطبيق هذه القرارات.

وبينما كان الانقلابيون يسابقون الوقت للإطاحة بالنظام، كان الرئيس رجب طيب أردوغان يقضي إجازته السنوية في فندق “غراند يازجي” بمدينة مرمريس الساحلية، وهو الفندق الذي بدأ منه الرئيس قصة التحدي والمواجهة لأخطر محاولات الإطاحة بنظامه في السنوات الأخيرة.

 

جمعة الرصاص.. ليلة الرعب الطويلة

في تمام الساعة العاشرة من مساء يوم الجمعة 15 يوليو/تموز 2016، بدأت عمليا رحلة الانقلاب القصير، في ليلة رعب طويلة جدا على تركيا والعالم الذي وقف مشدوها أمام أحداث لم تكن متوقعة، وقد جرت الأمور بسرعة وعنف مثل أي فيلم تركي يحكي قصة من قصص الدراما التركية الصاعدة.

بدأت الأحداث من داخل رئاسة الأركان القريب من ميدان كزيلاي وسط العاصمة التركية أنقرة، عندما بدأ جنود الانقلاب إطلاق النار بعنف داخل أهم مركز عسكري في البلاد، وقد واجهتهم مقاومة عنيفة من داخل المركز القيادي، قبل أن تتدخل مروحية تابعة للانقلاب وتطلق النار بكثافة على جيب المقاومة حاسمة بذلك الموقف لصالح الانقلاب الناشئ بإحكام السيطرة على رئاسة الأركان، ليمتد الزحف بعدها باتجاه مبنى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بمنطقة أوران.

لم يكتفِ الانقلابيون بالسيطرة على نقاط القوة العسكرية والإعلامية، بل عملوا بقوة على قطع شرايين المواصلات في قلب العاصمة العثمانية، وذلك بإغلاق جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح الرابطين بين شطري إسطنبول الآسيوي والأوربي.

رئيس الوزراء بن علي يلدرم في رسالة صوتية يؤكد فشل الانقلابيين وأنهم سيستحقون عقابا شديدا

يلدرم على خط المواجهة.. رسائل متعددة

لم يمض وقت طويل حتى بدأ كبار المسؤولين في الدخول على خط المواجهة، وكان البداية بظهور رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم بإحدى القنوات التلفزيونية المحلية، معلنا أن ما يجري هو محاولة انقلاب على يد مجموعة صغيرة داخل الجيش، وأن تركيا لن تسمح بوقوع ذلك الانقلاب، وسيدفع القائمون عليه الثمن عقابا صارما.

كان تصريح يلدرم شبكة رسائل متعددة، توجهت كل واحدة منها إلى المستهدف بها، سواء تعلق الأمر بالشعب التركي الذي ما يزال كثير منه تحت الصدمة، أو للجنود الأوفياء للدولة ونظام حزب العدالة والتنمية، أما الرسالة الثالثة فقد كانت موجهة إلى قلوب الانقلابيين وهم يضغطون على زناد الخيانة وفق رأي أنصار أردوغان، بأنهم سوف يلاقون العقاب الشديد، وأن قوة النظام لا تزال في أوجها.

وقد بدأت الرسائل تتفاعل، في صراع عنيف بين قوى الانقلاب وقوى المقاومة التي بدأت تتجمع في مواجهة عنف غير مسبوق للثلة الانقلابية، ولمواجهة ردة الفعل المرتقبة استطاع الانقلابيون أسر القائد العام للجيش التركي خلوصي أكار في الساعة 23:30 على يد مجموعة من صغار الجنود.

سيطر الانقلابيون على مطار أتاتورك ومقر التلفزيون، لكنهم غفلوا عن قطع خطوط الإنترنت والأقمار الصناعية

منابر الإعلام.. ميدان المعركة الكبرى

مع التقاء عقارب الزمن عند الساعة صفر من مساء الجمعة ليلة السبت، باتت الصورة أكثر وضوحا، وأعلنت المصالح الأمنية التركية أن ما يجري هو محاولة انقلاب يقودها ضباط وعناصر عسكرية من منظمة فتح الله غولن المعروفة بحركة الخدمة.

بدأت الدقائق والثواني تأخذ قيمة أكبر وأسرع من وتيرتها الزمنية، فكل لحظة تمر هي ميدان صراع عنيف بين إرادة البقاء التي يمثلها أردوغان وأحلافه سياسيا وأمنيا، وبين إرادة التغيير العنيف التي تمثلها زعامة الانقلابيين، أو بعبارة أخرى كانت صراعا بين الديمقراطية والتنمية كما يراها أنصار أردوغان، أما الانقلابيون فكانوا يرون الأمر ثورة عظيمة ضد ديكتاتورية السلطان العثماني.

مع السير البطيء المثقل بالأحداث أجبر الانقلابيون موظفي الإذاعة والتلفزيون على إذاعة بيان الانقلاب، لترد الرئاسة التركية بسرعة بأن البيان المذكور لا يمثل قيادة الأركان ولا الجيش التركي، داعية المواطنين إلى التزام الدقّة حيال هذا الشأن، وهو ما أضاف نقطة تعادل بين الزمنين المتقاطعين والإرادتين المتصارعتين.

لم يطل الأمر حتى قطعت هيئة البث التركي الإرسال عن مقر الإذاعة والتلفزة مانعة الانقلابيين من الحصول على منفذ إعلامي مهم، وهو ما رد عليه ثوار فتح الله غولن بقصف عنيف لمقر هيئة البث.

في فندق في مرمريس، وصل الخبر لأوردوغان فصلى ركعتين ثم انطلق يقود بلده ضد الانقلابيين

“بسم الله”.. أردوغان يتلقى الخبر

مع دخول الساعات الأولى لليوم الموالي بدأت الكفة تميل إلى صالح النظام، ومثل ظهور أردوغان بداية النهاية لآمال فتح الله غولن وجنوده الانقلابيين في السيطرة على الحكم في بلاد العثمانيين.

بين التاسعة والعاشرة كان أردوغان في جلسة عائلية بفندق “غراند يازجي” بمدينة مرمريس، حين بدأت ترد أولى الاتصالات الهاتفية التي تحمل معها الأنباء الأولى لتحركات مريبة في إسطنبول وأنقرة، وكان صهره براءات البيرق زوج ابنته إسراء أردوغان هو أول من أبلغه بالمحاولة الانقلابية.

وروى البيرق لاحقا تفاصيل تلك اللحظات المشحونة والفارقة في تاريخ الرئيس شخصيا وفي تاريخ تركيا الحديث، حيث أكد أن أردوغان كان هادئا. وذكر تفاصيل أخرى من بينها أن أردوغان أجرى بعض الاتصالات وحين تأكد من نبأ الانقلاب، دخل وتوضأ وغير ملابسه وصلى ركعتين وقال بسم الله، ثم بدأ قيادة مواجهة الانقلاب.

أغلق الرئيس هاتفه واتفق مع معاونيه على خطة المواجهة، وقد تضمنت خطوات سريعة من بينها مغادرة الفندق ومخاطبة الشعب في أسرع وقت ممكن، وفي تلك الأثناء كان البحث يجري على قدم وساق عن الرئيس، وكانت وحدات عسكرية خاصة تهبط في القاعدة العسكرية الثانية بإزمير لذلك الغرض، وطلب من عناصرها الاستعداد لتنفيذ عملية خاصة ضد أحد قاعدة العناصر الإرهابية.

قبل أن يغادر الرئيس جاءه مدير الفندق يعرض عليه خدمة إجلائه إلى اليونان، قائلا إن الفندق يملك زوارق صغيرة وسريعة بإمكانها إيصاله بسرعة وأمان إلى بعض الجزر اليونانية القريبة، ولكن مسؤول الفندق أصيب بالحرج الشديد بعد أن نظر إليه الرئيس نظرة غاضبة وخاطبه باستغراب قائلا: ماذا تقول يا رجل؟

المذيعة بقناة سي ان ان التركية هاندا فرات، كانت البطلة الحقيقية ضد الانقلاب بوعيها وحب بلدها

هاندا فرات.. بطلة الإعلام التي أوقفت الانقلاب

استدعى معاونو الرئيس عددا من الصحفيين المحليين لتسجيل تصريح للرئيس، ولكنه لم ير النور بسبب قطع البث وصعوبات فنية أخرى، وفي تلك الأثناء ذلك جاء اتصال لمدير مكتب الرئيس من الصحفية هاندا فرات المذيعة في قناة سي إن إن التركية، حاولت خلاله إقناعهم بأن يتحدث الرئيس عبر تقنية الفيس تايم، وهو ما استجاب له السلطان الجريح، وتحولت شاشة الهاتف الصغير إلى منصة جديدة للشرعية، حيث شاهد العالم كله الرئيس التركي وهو يطمئن شعبه ويتوعد الانقلابيين.

تحولت الصحفية هاندا فرات إلى أيقونة للشرعية التركية، حيث توجهت إليها أنظار العالم الذي رأى في هاتفها الصغير نموذجا للإبداع التركي في الالتحام الوطني ومقاومة الانقلاب العنيف.

كما مثلت لقطة ظهور أردوغان وهو يتحدث عبر هاتف الصحافية هاندا، اللحظة الأكثر أهمية ورمزية في ليلة الانقلاب التركي، بعد أن انقطع البث عن التلفزيون الرسمي، وكان الرهان الأساسي للانقلابيين متركزا على منع أردوغان من مخاطبة شعبة.

رسالة إلى 100 ألف إمام وخطيب أرسلها مدير الرئاسة الدينية لرفع الأذان ودعوة الناس للنزول إلى الشوارع

صدور الجماهير العارية.. بداية المواجهة

خلال حديثه المقتضب لقناة “سي إن إن”، دعا أردوغان أنصاره وأبناء شعبه إلى حماية الديمقراطية بالنزول إلى ميادين المطارات والمحافظات وإلى الإمساك بالانقلابيين وحماية تنمية وديمقراطية تركيا، وعلى الفور، بدأت الجماهير تتدفق بسرعة إلى الشوارع، مما جعل الانقلابيين في مواجهة صدور عارية تماما، إلا من عزيمة المقاومة والبقاء.

ما إن وصلت الأخبار إلى مدير رئاسة الشؤون الدينية محمد غورماز، حتى قام على الفور بتوجيه رسالة نصية إلى أكثر من 100 ألف إمام وخطيب مسجد للتوجه إلى المساجد ورفع الأذان ودعوة الناس للنزول للشوارع والدفاع عن حقوقهم، وهو تقليد من تقاليد الدولة العثمانية.

وبعد وقت قصير من كلمة أردوغان، وتحديدا في الساعة 00:35 أعلن المدعي العام في مدينة إسطنبول علي دوغان فتح تحقيق في المحاولة الانقلابية، مؤكدا أن جميع الجنود المنتشرين في المدن سيعتقلون، وهو ما مثل رسالة أخرى إلى الجنود المتمردين أو الخلايا النائمة للانقلاب، ومثل رسالة أخرى إلى الجنود الانقلابيين بأن مصيرهم سيكون مؤلما، كما وجه رسالة أخرى بأن النظام القائم لا يزال في موقع القوة.

وبعد دقائق مرت مثقلة بالأمل والموت والدم والانتظار، أعلن وزير الدفاع أن ما يجري هو محاولة انقلاب على يد مجموعة من الضباط في القوات المسلحة، ليبدأ مؤشر قوة الانقلابيين في التنازل بعد أن احتلت الجماهير الشوارع، وأصبح حمام الدم الذي فجره الضباط والجنود مستنقعا يغرق آمالهم في إنهاء حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

 

استعادة الشرعية.. كرّة العنف الأخير

مع حلول الساعة 01:39 تماما عقد رئيس البرلمان التركي مع عدد كبير من النواب جلسة طارئة، وكانت إعلانا للشرعية البرلمانية ودليلا على تماسك السلطات في موجة رصاص الفجر المسكوب، وفي الثانية صباحا بدأت قوات الأمن التركي في توقيف الجنود الانقلابيين واحدا إثر الآخر، وكان للمواطنين دور أساسي في الإمساك بأولئك الذين كانوا قبل ساعات يُمنّون أنفسهم بالسيطرة والحكم.

بعد أقل من ساعة على جلسة البرلمان وبعد أن بدأ الخناق يضيق على الانقلابيين، أخذت آلة العنف الانقلابي تقذف اللهب بشكل هستيري على الجماهير والمراكز العسكرية والأمنية، وأدى قصف رئاسة القوات الخاصة بعنف غير مسبوق على الفور إلى مقتل 17 من عناصر الشرطة المقاومة، قبل أن تتدخل مقاتلة تركية وترمي بكرة من اللهب على مروحية “سيكورسيكي” التي كانت منصة لهب الانقلابيين.

تواصل العنف المجنون يقذف شرره بسرعة، وفي الساعة 02:30 ألقي القبض على 13 عسكريا بينهم ثلاثة ضباط كبار كانوا يسعون إلى اقتحام المجمع الرئاسي الكبير في أنقرة، وفي الوقت نفسه تصاعدت الحرب الإعلامية واشتعل أوارها بقوة بين الطرفين لكسب الرأي العام وإقناعه بنجاح المحاولة الانقلابية أو فشلها.

وعلى خط الجبهة الإعلامية دخل المستشار الإعلامي لجهاز الاستخبارات نوح يلماز ليعلن “إجهاض المحاولة الانقلابية”، لكن شرارة اللهب لم تزل تتفجر بين الحين والآخر، فبعد اثنتي عشرة دقيقة من إعلان يلماز أصيب عناصر من الشرطة بسبب إلقاء الانقلابيين قنبلة على مجلس الأمة الكبير (البرلمان) في أنقرة.

مع وصول أروغان إلى مطار إسطنبول، صرح بأن الانقلاب إهانة للوطن وتعدّ على اختيار الشعب

هزيمة الانقلابيين.. عودة الأسد إلى عرينه

مع حلول الساعة الثالثة فجرا استعاد التلفزيون الحكومي بثه، وأذاع نبأ السيطرة الكاملة على الأوضاع، وتحولت كفة الأوضاع بسرعة لصالح أردوغان، وبدأت حملة اعتقالات واسعة للجنود الانقلابيين من الشارع والبيوت والثكنات ومراكز الأمن.

وبعد عشرين دقيقة من عودة البث التلفزيوني، وتحديدا في الساعة 03:20 وصل أردوغان إلى إسطنبول وأصدرت النيابة العامة عند الساعة الرابعة فجرا مذكرة توقيف دولية بحق أعضاء “لجنة السلام في الوطن” التي تضم القيادة العسكرية للمحاولة الانقلابية الفاشلة.

وقد واصلت جيوب من الانقلابيين إطلاق النار، وكان الهدف هذه المرة فندق “غراند يازجي” في مدينة مرمريس التي كان يقيم فيه أردوغان في ساعات الانقلاب الأولى، وجاء القصف بعد ربع ساعة من مغادرة أردوغان إلى إسطنبول.

ومع خيوط الفجر الأولى أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم عبر حسابه على تويتر ورود معلومات عن مقتل جنرال انقلابي، ويشير إلى توقيف 130 عسكريا بينهم ضباط برتبة عقداء باتوا تحت رحمة السلطان الغاضب رجب طيب أردوغان.

مع بزوغ ضوء النهار، أدرك الانقلابيون فشلهم فبدأوا بتسليم أنفسهم على شكل مجموعات

استسلام الجنود.. أبواب الزنازين الغاضبة الجائعة

في الصباح الباكر عززت السلطات التركية الحماية الأمنية على المراكز الجمهورية والعسكرية في العاصمتين أنقرة وإسطنبول، وأعلن رئيس الوزراء تعيين قائد الجيش الأول رئيسا للأركان بالوكالة، وواصل التصدي للانقلابيين الذين ما زال في جعبتهم قليل من اللهب، قبل أن تعلن وزارة الداخلية اعتقال 336 شخصا ممن وصفتهم بأتباع جماعة الخدمة التابعة لفتح الله غولن في المؤسسة العسكرية.

وبالتوازي مع ذلك، سارع عدد من الانقلابيين لإلقاء السلاح والخروج من الثكنات رافعي الأيدي مسلمين أنفسهم إلى الأمن التركي الذي قادهم إلى ثكنات الاعتقال ليبدأوا رحلة أخرى مع التحقيق والمحاكم، ولم يطل الانتظار حتى استسلم حوالي 900 جندي في غصون ساعتين.

وبدأت أبواب الزنازين تبتلع الانقلابيين بنهم غاضب، حيث أعلنت قوات الأمن اعتقال مئات من عناصر القوات المسلحة، قبل أن يرتفع العدد إلى آلاف في الأسابيع والشهور اللاحقة.

ضباط برتب كبيرة اعتقلوا بتهمة التخطيط وخيانة الوطن

جنرالات في قبضة السلطان.. خيوط المخابرات

على المستوى الاستخباراتي تكشّفت معظم الخيوط بسرعة، وأحاطت القيود بمعاصم قادة كبار في الجيش التركي، من بينهم قائد لواء القوات 49 الخاصة الجنرال يونس قوطامان، وقائد القوات الخاصة الثاني في مدينة بولو الجنرال إسماعيل عونتش أر، وقائد القوات الجوية السابق الجنرال أكن أوز تورك، وقائد التدريب القتالي بالقوات البرية الجنرال ميتن إيدبيل، وغيرهم من كبار القادة العسكريين الذين طالتهم الاعتقالات في الأيام التالية لفشل المحاولة الانقلابية.

كانت ليلة السبت عنيفة جدا، وقد انشقت عن صباحها بعد مقتل 161 شخصا وجرح 1440 في عموم تركيا، وبالخصوص في إسطنبول وأنقرة اللتين كانتا مسرح العنف والميدان الأبرز للمحاولة الانقلابية.

حين انتصف نهار السبت كان رفاق أردوغان قد تجاوزوا أخطر تحدّ في السنوات الأخيرة، وأضحت تركيا الدولة قد طوت صفحة أطول ليلة في تاريخها الحديث، وفتحت صفحة أخرى جديدة من الملاحقات والمحاكمات والحفر حول جذور الانقلاب، حيث كشفت التحقيقات عن عمق المخطط الانقلابي الذي كان يجري بتخطيط وربما بدعم أطراف دولية وإقليمية، وبتنفيذ من شبكة الخدمة التي تمثل أعمق أخطبوط سياسي وأمني في تركيا، حسب ما تقول المصادر الرسمية التركية.

فتح الله غولن الرأس المدبر لعملية الانقلاب الفاشلة يقيم في أمريكا ويمول الانقلابيين ضد الحكم العثماني الجديد

سوسة الجيش التركي.. تنظيم غولن في مواجهة الاجتثاث

مر الانقلاب بثلاث مراحل، وقد تميزت أولاها بالمباغتة والسيطرة على مراكز أساسية وحساسة في البلاد، أما المرحلة الثانية فقد كانت المقاومة واستعادة الشرعية، بينما كانت المرحلة الثالثة هي الأصعب والأهم، وهي تتبع شبكة غولن واجتثاث خيوطها المتعددة والمتداخلة.

وقد شملت الاعتقالات عدة آلاف من العسكريين والمدنيين من بينهم حوالي 3000 من القضاة في مختلف مستويات المؤسسة العدلية في تركيا.

وقد أظهر الانقلاب بالفعل أن الجيش التركي لم يكن تحت السيطرة الكاملة لأردوغان وتوجهاته السياسية والفكرية، وأن عددا كبيرا من قادته كان إما مشاركا بالفعل في المحاولة الانقلابية أو متواطئا أو مستعدا لدعمها في حالة النجاح.

لم يدعُ أردوغان الجيش إلى الالتفاف حول قائده رئيس الجمهورية، بل وجه كلمته إلى الشعب مباشرة، حيث كانت علاقته بالمؤسسة المدنية والقطاعات الجماهيرية أكثر عمقا، رغم سعيه الحثيث إلى اعتبار الكيان الموازي مجرد أقلية داخل جيش جمهوري ووطني.

بين التوافقات والاختلافات، فتح الله غولن يختار طريق المعارضة والانشقاق عن الديمقراطية فيصبح مطلوبا للعدالة

فشل الانقلاب.. تركيا اليوم والأمس

يمكن الحديث عن أسباب متعددة لفشل المحاولة الانقلابية التي قادها ضباط وجنود محسوبون على جماعة فتح الله غولن من أهمها:

–  انعدام الدوافع الأخلاقية والقانونية، فتركيا الصاعدة جربت سلاسل مؤلمة من الانقلابات العسكرية التي لم تأت بغير الفشل والانهيار الاقتصادي والاجتماعي وحرب الهوية الثقافية والقضاء على الديمقراطية، ومع نظام العدالة والتنمية تحولت تركيا إلى قطب دولي، وودع الأتراك عهودا من الرعب والجوع والانهيار الاقتصادي العميق.

–  ضيق دائرة التحرك، إذ ظلت المحاولة الانقلابية محصورة في مدينتي أنقرة وإسطنبول، مما أفقدها فاعلية التحرك، وسمح للسلطة بأن تحرك قواتها التي كانت أكثر عددا وأوسع انتشارا من القوات الانقلابية.

–  سطوة الإعلام وتأثير الرئيس، فلم يستطع الانقلابيون السيطرة على الإعلام الحر ولا قنواته ووسائطه المتعددة في تركيا، متناسين أن الزمن مختلف، وأن أجيال اليوم ووسائله أكثر حدة من عهود الانقلابات السابقة، وقد كان لظهور الرئيس رجب الطيب أردوغان الدور الحاسم في قطع الجدل بشأن حياته ومصيره، وتوجيه بوصلة الجماهير إلى المقاومة.

–  أسوار الشعب ورماح المآذن، فقد استطاع الشعب التركي إقامة أسوار عازلة حول شرعيته وديمقراطيته الناجحة، ورغم تركيز الانقلابيين على المساجد لإسكات صوتها الأخاذ، فقد نجح المؤذنون في رفع صوت النداء معلنين بذلك سقوط سطوة الانقلاب.

على طرفي نقيض، مقبرة لشهداء الأمة ذات أزهار وأسوار، وأخرى للانقلابيين الخونة لا معالم لها سوى عنوانها

مقبرة الخونة.. جثامين محرمة على الزوار

لم يكتفِ أردوغان باجتثاث الانقلابيين والزج بهم في السجون، بل ترك بصمة أخرى على قتلى المحاولة الانقلابية وذلك بنقل جثامينهم إلى مقبرة خارج العاصمة التركية في أرض جرداء حملت لافتة مكتوبة بحروف تركية واضحة كتب عليها مقبرة الخونة.

لا تحمل المقبرة شواهد بأسمائها، ولا يسمح للمواطنين بزيارتها، وهو ما أثار انتقاد هيئات حقوقية متعددة اعتبرته إمعانا في العقاب بعد الموت، ولا يوجد من رفيق في الصحراء الجارة سوى ساحة أخرى مخصصة لتجميع الكلاب الضالة.

وعلى الضفة الأخرى من المشهد أنشأت السلطات التركية مقبرة زاهية لضحايا الانقلاب وحملت اسم شهداء الأمة، تاركة للتاريخ شواهد وعلامات وقصصا ستجد من يكتبها ويرويها عن قصة أطول ليلة في تاريخ تركيا المعاصرة.