“دهم المحيط الأطلسي”.. سفن أوروبية تنهب الثروة الأفريقية باتفاقات غامضة

تواجه دول غرب أفريقيا مشاكل كبيرة، بسبب الصيد الجائر وغير القانوني للسفن الأجنبية العملاقة في مياهها، وتنتج عن ذلك النهب الواسع للمصدر الأساسي لغذاء السكان أزمات معيشية واقتصادية نابعة بالأساس من شح الأسماك الحاصل في مياه المحيط الأطلسي المقابلة لسواحلها، والذي تلازمه موضوعيا تبعات كارثية أخرى على بلدانها.

يأخذ الوثائقي الفرنسي “دهم المحيط الأطلسي” (Razzia sur l’Atlantique) السنغال مثالا، فقد أدى انتهاك السفن القادمة من الغرب ودول أخرى إلى حرمان صياديها من أرزاقهم، مما دفع بعضهم للتفكير بالهجرة بحثا عن مصدر رزق في مكان آخر، كما تركت آثارا اجتماعية سيئة، ولا سيما على النساء المعتمدات في عيشهن على بيع الأسماك في الأسواق المحلية.

كل ذلك يأتي من خلال بحث سينمائي تحليلي يربط المشكلة الرئيسة بالمشاكل الفرعية الناتجة عنها، لتقدم بمجموعها صورة واضحة عن جشع أصحاب سفن الصيد الأجنبية، وانتهاكهم الصارخ لحرمة مياه الغير.

أسماك الأطلسي.. هبة سماوية تنهبها السفن الأجنبية

يذكر الوثائقي أن السنغاليين يرون حرفة صيد الأسماك وما تدره عليهم من النعم هبةً سماوية، فهي لا توفر لهم الغذاء فحسب، بل تتشكل على هامشها سلسلة أخرى من المهن المرتبطة بها، مثل صناعة الشِباك وبناء القوارب وعمليات بيع وشراء الأسماك في الأسواق المحلية، إلى جانب تنشيط حركة التصدير للخارج، وغيرها الكثير.

بدأ كل هذا بالانحسار منذ عدة عقود، بسبب وصول سفن الصيد الأجنبية إلى مياه المحيط الأطلسي المقابلة لسواحل السنغال، ونهبها أغلب الثروة السمكية المتوفرة فيها، ولهذا بات الصيادون المحليون يواجهون شحا ملحوظا في كميات الأسماك، وعجزا في نفس الوقت عن مواجهة شركات صيد عملاقة تملك سفنا حديثة، شِباكها تغرف آلاف الأطنان من السمك، وعلى متنها تجري عمليات تنظيفها وتعليبها، لتكون جاهزة للتصدير والبيع.

يقابل صانع الوثائقي الفرنسي “نيكولا فان إنجين” ممثل نقابة الصيادين السنغاليين “كريم سال”، فيخبره أن كثيرا من الصيادين بدؤوا يبيعون قواربهم، بسبب قلة ما يحصلون عليه من أسماك، منذ أن أخذت السفن الأجنبية بالوصول إلى سواحل غرب أفريقيا.

ويوجز الصياد “مالك سين” الحالة التي يعيشها الصيادون، وهي شح الأسماك حتى الأسماك الصغيرة الحجم، مما يجعلهم عاجزين عن توفير وقود محركات قواربهم، ناهيك عن توفير مبالغ تصليح شِباك صيدهم. هذا الحال لم يعد طارئا، بل أضحى خلال العقود الثلاثة الماضية حالة ثابتة على طول سواحل السنغال، تدفع الكثير منهم لترك المهنة، مما يدعو للسؤال عن موقف حكومات دول تلك المنطقة من كل ما يجري؟

معاهدات الصيد.. لغز جائر تتستر عليه الحكومات

للبحث في موقف حكومات دول غرب أفريقيا عموما، وفي السنغال خصوصا، يراجع الوثائقي تاريخ المعاهدات التي سمحت للسفن الأوروبية بنهب ثروات الشعوب الأفريقية، ويعرض صورا لأول معاهدة وقّعت في باريس بين دول الوحدة الأوروبية والحكومة السنغالية، وبموجبها أجازت للسفن الأجنبية الصيد في المياه المقابلة لسواحلها، ولم تُنشر بنود المعاهدة علنا، بل ظلت طي الكتمان، مع مطالبة القوى السياسية المعارضة بنشرها.

هذا التكتم شجع دولا أخرى للقدوم والصيد في مياه الأطلسي، وفي أحيان كثيرة من دون توقيع معاهدات ثنائية. لم تنهب السفن الأجنبية الأسماك فحسب، بل خربت البيئة البحرية بأكملها.

يعرض الوثائقي الأضرار الناجمة عن الصيد الجائر بشِباك عملاقة يمكنها صيد ما يقارب 6 آلاف طن من الأسماك يوميا، أي بمعدل يقارب مجموع ما يحصل عليه قارب محلي خلال عام كامل. لقد أدرك الصيادون والناس في البلد أن الحكومة الموقعة والمجددة للمعاهدات لا تفكر بأحوالهم، بل هم فقط منشغلون بما يحصلون عليه من امتيازات جراء توقيعها.

معاهدات تعطي للأوروبيين حق أخذ ما ليس لهم

يثير هذا الوضع غضب النقابات التي تدعو الصيادين للخروج في مظاهرات تطالب بعرض بنود الاتفاقات وعدم تجديدها.

“ماكي سال”.. اتفاقات أوروبية جديدة تعج بالثغرات

في هذا السياق يبدأ بالظهور اسم السياسي المعارض “ماكي سال” الذي قاد حملة انتخابية عام 2012، وقد تعهد خلالها بإلغاء كل معاهدات الصيد السابقة، وأنه سينشر بنود أي اتفاقية جديدة على الملأ، لكنه بعد مرور سنتين على توليه الحكم وقّع معاهدة جديدة مع الأوروبيين تنص على السماح لسفنهم بصيد أنواع محددة من الأسماك، وخصوصا تلك التي لا يرغب في تناولها السنغاليون، مثل سمك التونة وغيرها من الأنواع.

من تلك الثغرة التي تسمح بصيد بعض الأنواع تسللت السفن الغربية، وراحت -كما كانت من قبل- تنهب الثروات البحرية في غرب أفريقيا، وذلك من خلال التحايل على القوانين المنظمة لعمليات الصيد، وأكثرها شيوعا رفع العلم السنغالي فوق السفن التي يملكونها، لتظهر كأنها سفينة محلية تقوم بعملية صيد مشروعة، في الوقت الذي يكشف الوثائقي فيه أن هذه الأعلام لم تكن أكثر من مجرد مظهر كاذب يخفي الأسماء الحقيقية لمُلاكها الأجانب.

“أولغا نايدانوف”.. إيقاف سفينة روسية مارقة على القانون

يكشف نقابيون محليون آليات عمل السفن الغربية، إذ تظهر يوما واحدا فقط في موانئ العاصمة داكار، بعدها تأخذ طريقها محملة بآلاف الأطنان من السمك نحو جهات أخرى بعيدة، وتخسر ميزانية الدولة جراء هذه العملية ملايين الدولارات سنويا، ومع صول السفن الروسية والصينية إلى مياه الأطلسي بشكل غير شرعي زادت الخسارات أكثر.

يفضح ناشطون في منظمة “السلام الأخضر” نشاطا غير مشروع لسفينة روسية تحمل اسم “أولغا نايدانوف”، كانت لحظة وصولهم إليها تقف وسط المياه الإقليمية السنغالية، وترمي شباكها من دون موافقة أحد، واللافت أن قبطانها قد حجب اسمها بقطعة من البلاستيك، وذلك متعارض مع قوانين البحار العالمية.

السفينة الروسية تغطي على اسمها الحقيقي

ينتج عن عملية الدهم تلك إلقاء القبض على طاقم قيادة السفينة، وتسليمهم لشرطة خفر السواحل السنغالية، لكن إذا كانت هذه العملية قد كُتب لها النجاح، فإن الأمر لا يتكرر مع السفن الصينية التي توغل في نهبها وعدم احترامها للقوانين الدولية.

سفن الصين المتعجرفة.. وقاحة تنهب البحر وتحرق البشر

يثير سلوك السفن الصينية المتعجرف غضب الصيادين المحليين، فبعد أن أدركوا أن حكومتهم والمؤسسات المعنية بحماية مهنتهم باتت عاجزة عن مواجهة النهب الحاصل لثرواتهم البحرية، قرروا مجابهة اللصوص بأنفسهم.

يرافق الوثائقي مجموعة من الصيادين اقتربوا بقاربهم الصغير من سفينة صينية عملاقة، وأخذوا يوجهوا إنذارات لطاقمها، ويدعونهم للابتعاد عن سواحلهم، وبدلا من الانصياع لهم أمر قبطان السفينة برمي مواد حارقة على الصيادين، مما أدى إلى إصابة بعضهم بحروق شديدة.

من خلال متابعة الوثائقي للحادثة ولمعرفة الدوافع الحقيقية وراء سلوك قادة السفن الصينية، نتوصل إلى أن الصين لا ترتبط بأي معاهدة صيد مع السنغال، وأن الحكومة الصينية تشجع عمليات النهب، تشبها منها بالدول الغربية، كما أن طواقمها يشغلون على متنها صيادين سنغاليين، بأجور قليلة جدا، ليتجنبوا بهم دهم شرطة خفر السواحل لسفنهم، وعدم اقتحامها خشية من تعرض العمال المحليين للخطر.

تجفيف الأسماك.. مهنة النساء التي اختطفتها المطاحن

كثرة مطاحن الأسماك في السنغال يشير إلى جانب آخر من الكارثة، فأغلبها يشتري الأسماك من أصحاب القوارب مقابل مبالغ زهيدة تأخذ بالانخفاض لتصل حد التبادل، إذ يعطي الصيادون لهم كل صيدهم مقابل حصولهم فقط على كمية قليلة من الوقود.

بيع الأسماك للمطاحن يحرم باعة الأسماك في الأسواق من العمل، وأكثر هؤلاء الباعة هم من النساء، لذلك بدأت تتعالى أصواتهن وتطالب بوضع حد للظاهرة الآخذة بالاتساع، لكثرة الطلب من الخارج على طحين السمك المستخدم في الدول الصناعية علفا للحيوانات والدواجن وأسماك المزارع أيضا، وبسبب انتشارها يضطر كثير من النساء إلى ترك العمل في الأسواق.

العاملات في أسواق بيع السمك وتجفيفه يرفعن أصواتهن احتجاجا

يقدم الوثائقي فكرة عن العمليات التقليدية لتجفيف الأسماك وطحنها، وكانت من قبل محصورة تقريبا على النساء، أما اليوم فالمطاحن هي التي تقوم بهذه العملية، وباتت النساء خارج المهنة. كل تلك العوامل مجتمعة تدفع الشباب -ولا سيما الصيادين- للتفكير بالهجرة، واتخاذها حلا بديلا بعدما ضاقت سبل عيشهم.

“المقبرة البحرية”.. غرق في سبيل الهجرة إلى لقمة العيش

ينقل الوثائقي مشاهد لعمليات الهجرة بالقوارب غير الشرعية إلى أوروبا، التي يتعرض الكثير من ركابها للغرق، لتنتهي أحلامهم وسط “المقبرة البحرية” كما باتت تسمى، لكثرة حوادث غرق المهاجرين فيها.

ينبه الوثائقي إلى الآثار المدمرة لهجرة الشباب السنغالي إلى أوروبا، فمن نتائجها انخفاض نسبة الشباب في المجتمع، مما يؤثر على عملية التنمية الاقتصادية.

يقابل صانع الوثائقي صيادا شابا وصل إلى إسبانيا، وحصل على عمل فوق سطح سفينة فرنسية، وهو يتمنى مجيء اليوم الذي يستطيع العودة فيه إلى وطنه وأهله، وإلى قاربه الذي ورثه من آبائه وأجداده، لكنه اضطر للتخلي عنه بعد أن شحت أسماك المحيط، وباتت ثروته نهبا لأصحاب سفن الصيد الأجنبية.