“في ظلال بيروت”.. جراح صبرا وشاتيلا النازفة على أطراف المدينة السياحية

كيف يا ترى أصبح مخيما صبرا وشاتيلا اليوم بعد مرور أكثر من 40 عاما على المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من أربعة آلاف شهيد؟

قد لا يكون هناك فيلم أعاد اكتشاف الوجه الآخر لمدينة بيروت، وتعمق تحت القشرة السطحية، وغامر بالاقتراب من عالم المهمشين والمنسيين، مثلما فعل الفيلم “في ظلال بيروت” (In the Shadow of Beirut) الذي أنتج عام 2023.

إنه عمل شديد المعاصرة، أي أنه يصلح اتخاذه أساسا لفهم الكثير مما يحدث اليوم في تلك المنطقة، بما في ذلك الحرب الضارية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على سكان قطاع غزة من الفلسطينيين، فالعنف والتهميش والاستبعاد والنفي داخل البلد الواحد، إلى جانب الاضطهاد والتفرقة، كلها عناصر كامنة في البيئة الممتدة من سوريا ولبنان إلى فلسطين وقطاع غزة.

وصورة بيروت التي نراها في هذا الفيلم هي مناقضة تماما لصورة بيروت السياحية، أو حتى بيروت المزدحمة التي تعاني من أعراض الفوضى الاقتصادية والسياسية والأمنية، فهي بيروت التي لا يعرفها أحد، ربما حتى سكان بيروت أنفسهم لا يعرفونها.

صبرا وشاتيلا.. أربع سنوات من معايشة الحياة اليومية

يدور الفيلم في مخيمي صبرا وشاتيلا اللذين عرفهما العالم بعد وقوع المذبحة الشهيرة في عام 1982، وهي المذبحة التي دفع إليها الجيش الإسرائيلي أثناء الاجتياح الكبير للبنان في تلك السنة، ونفذتها عصابات الكتائب اللبنانية، وكان معظم ضحاياها من النساء والأطفال الفلسطينيين.

أما “في ظلال بيروت” الذي اشترك في إخراجه المخرجان الأيرلنديان “ستيفن جيرارد كيلي” و”غاري كين”، فهو يعود بنا إلى مخيمي صبرا وشاتيلا كما أصبحا اليوم، لرصد أحوال سكان المخيمين، ليس من الفلسطينيين فقط، بل أيضا من اللبنانيين الفقراء المحرومين الذين لا تعترف الدولة اللبنانية بهم، وتنكر عليهم الهوية، وتعدهم من الغجر الهائمين على وجوههم، في حين أنهم استقروا في هذا المخيم من عقود.

قضى المخرجان نحو أربع سنوات في معايشة سكان المخيمين، والاقتراب منهم ومن حياتهم اليومية، قبل البدء في تصوير الفيلم الذي استغرق أشهر عدة، ثم عملية المونتاج التي استغرقت وقتا إضافيا، لذلك فقد بلغت مدة المعايشة والتصوير واستكمال الفيلم أكثر من أربع سنوات.

وجاء هذا الفيلم الوثائقي الطويل وثيقة نابضة بالحياة، شديدة التأثير، تفيض بالمشاعر والعبرات، مع ظهور شخصيات كثيرة من سكان المخيم، من الرجال والنساء والأطفال، يواجهون الكاميرا، دون خشية أو تعثر، بعد أن نشأت تلك الصلة الحميمية معها عبر سنوات، يبوحون بأسرارهم وشكاواهم، معبرين عن محنتهم الإنسانية، وعن محنة لبنان وفلسطين.

ولكن مع كل ما يمكن أن يتولد من شعور بالأسى والحزن عند مشاهدة الفيلم، لا يزال يشيع الأمل في قلوب الجميع، فهم يتطلعون إلى المستقبل وكلهم أمل في أن تتغير الأحوال إلى الأفضل.

ميناء بيروت.. انعكاسات أسوأ واقع تعيشه لبنان

يتابع الفيلم أربعة خيوط تروي أربع قصص تتداخل وتتقاطع، تعرض وجهات نظر لأفراد من أربع عائلات، ليست متناقضة، ولكن متباينة، تصب جميعها في اتجاه واحد، أن لا شيء تغير منذ عقود، بل ظلت سياسة التهميش والاستبعاد والاضطهاد قائمة، تجعل هؤلاء البشر الذين يستحقون نعمة الحياة، يعيشون في ظلال المدينة الكبيرة أو على هامشها، من دون أن يشعر أحد بوجودهم أو يلتفت إلى معاناتهم الممتدة عبر الأجيال.

يبدأ الفيلم بلقطات عامة لآثار الانفجار الذي وقع في ميناء بيروت في أغسطس/ آب 2020، ثم تنزل بعض المعلومات المكتوبة على شاشة سوداء عن أن لبنان تعيش حاليا أسوأ فترات تاريخها، بسبب الأزمة الاقتصادية العنيفة والحكومات الفاسدة التي تتعاقب على إدارة البلاد وتفسخ النظام السياسي، لكن قبل هذه الكوارث المتلاحقة كان هناك مئات الآلاف من السكان يقاسون شظف العيش.

الأم والبنت: حياة بائسة مليئة بالحرمان

هذه اللقطات والمعلومات تمهد للانتقال إلى شاتيلا ثم صبرا، واللقطات التي نراها من الجو للمخيم الأول تظهر البيوت العشوائية، بحيث يصبح المخيم بأسره أقرب ما يكون إلى مقبرة بدائية غير منظمة، ويزداد المشهد هيبة مع الموسيقى التعبيرية، لتجعلنا نشعر بالخروج من المدينة والدخول إلى القبر، إلى حيث تعيش أجيال متعاقبة من المهمشين والمستبعدين الفلسطينيين والمحسوبين على لبنان وسوريا، يكافحون من أجل البقاء.

“نعيش في أكثر مناطق بيروت قذارة وفقرا”

هناك أسراب من الماعز تتجول، تلتقط ما يمكن إيجاده بين أكوام النفايات والقمامة، أقدام كثيرة تروح وتجيء، وصوت رجل يأتينا من خارج الصورة يقول: “نحن حوالي 30 ألف شخص، نعيش كلنا في مساحة كيلومتر مربع واحد”. وعلى وقع انفجارات يتجمع الشباب، ويواصل الصوت السرد: “إننا نعيش في أكثر مناطق بيروت قذارة وفقرا مع غياب تام للقانون”.

بعد ذلك سنكتشف أن تلك الانفجارات ليست سوى الألعاب النارية التي يطلقها بعض الشباب احتفالا بالعيد، أطفال يلعبون، وحمائم تصطف فوق أحد الأسطح، وأسراب أخرى تطير في السماء، وطفلة تضع إصبعها في فمها وتتطلع إلى أعلى كأنها تكتشف صورة جديدة للحياة، وأب يحمل ابنته ويقبلها، والمياه القذرة تنساب، ورجل يزيح المياه بما فيها من قاذورات بعيدا، لا نعرف إلى أين، وأطفال يجرون ويمرحون.

من هذه اللقطات المتعاقبة يصنع المخرجان البناء الشعري للفيلم الذي أساسه هو الإنسان، وكيف يمتلك القدرة على استخراج الشعور بالسعادة من وسط كل هذه الظروف الشاقة التي لا يمكن للعين الأوروبية أن تتخيلها، وتتخيل أن يعيش فيها كل هذا العدد من الناس الذين يبدون كأنهم استبعدوا خارج التاريخ، وهو الوضع المتكرر بتنويعات مختلفة، في مخيمات سوريا ولبنان وغزة.

ضحايا الحروب.. قصص أربع تجسد زوايا المأساة

ليس المقصود من النسيج الشعري للفيلم أن يطغى الشكل والصور الجميلة على القبح الكامن في أعماق الصورة، بل العكس من ذلك، فالأساس هنا هو الإنسان والمعاناة الإنسانية، بحيث يصدم الفيلم المتفرج ويصبح في مرحلة ما، شديد القسوة للعين وللفكر.

مخيم شاتيلا كما يبدو في الفيل

قصص الفيلم الأربع يرويها الناس أنفسهم، وقد صُورت خلال أربع سنوات منذ 2018، مرورا بانفجار فيروس كورونا، وحتى انفجار مرفأ بيروت.

جميع الذين نراهم في القصص الأربع هم ضحايا الحروب، الحرب الأهلية في سوريا، الحرب الأهلية اللبنانية، حرب فلسطين وما تلاها، أجيال عاشت وأنجبت أجيالا، وما زالت هذه الأجيال تعيش معا، لكن الفيلم يركز بشكل كبير على الجيل الأصغر من الفتية والفتيات، كيف يرون المستقبل وهم منغمسون في ذلك الحاضر اللعين، وهم جميعا محرومون من اعتراف الدولة بهم، فهم ممنوعون من الالتحاق بالمدارس، أو الحصول على الرعاية الطبية في المستشفيات، محظور عليهم العمل.

أبو أحمد.. طفل يجمع القمامة مقابل 3 دولارات

من أبطال الفيلم أبو أحمد، وهو ابن ثماني سنوات، وقد جاء مع أخيه وأمه بعد أن قُتل زوجها في سوريا على أيدي تنظيم داعش، لقد فروا من الصراع المسلح هناك، وفقدت هي أربعة آخرين من أبنائها اختفوا ولا تعرف لهم طريقا.

ولم تجد العائلة سوى اللجوء إلى مخيم شاتيلا الذي تغيب عنه أبسط مقومات الحياة، فمياه الشرب ملوثة، والأمن غائب، والجريمة مزدهرة، والعمل غير متوفر إلا لمن يقدر على العمل اليدوي أكثر من 12 ساعة يوميا، كما يفعل أبو أحمد نفسه ابن هذه المرأة.

يعمل أبو أحمد في جمع القمامة، ويحمل أكواما هائلة ثقيلة ينقلها لتاجر فلسطيني، مقابل ما يعادل ثلاثة دولارات يوميا، على أن يبدأ العمل -كما يقول- في السابعة صباحا، وينتهي منه في التاسعة مساء، لكي يعول أمه وأخاه مع أنه الابن الأصغر.

هذه الأسرة ليست لديها أي حقوق في لبنان، لا اعتراف ولا رعاية، حتى أن العمل الذي يقوم به أبو أحمد غير مصرح به، شأنه في ذلك شأن التاجر الفلسطيني أبو عرب (الذي كان ضالعا في الحرب الأهلية اللبنانية)، وهو يدرك أن ما أسنده إلى الطفل عمل شاق لكن لا مفر منه، وقد أسنده إليه رأفةً بحاله وحال أسرته.

كوجيج.. أب يضمن مستقبل ابنته بالزواج

تعيش أسرة كوجيج في مخيم صبرا، ومعيلها هو أيمن الذي ولد في لبنان لأم سورية، ولم يحصل على الاعتراف من جانب الدولة اللبنانية، لذلك يفتقد للهوية هو وأبناؤه الخمسة.

لكن محور قلقه الآن هو ابنته سناء التي بلغت من العمر 13 عاما، أي أنها أصبحت من وجهة نظره ناضجة، وأصبح يخشى عليها من مغبة الوقوع في الإغواء من جانب أحد الشباب الذين بدؤوا يحاصرونها كلما خرجت، يريد أن يبقيها داخل جدران البيت المتداعي الضيق، ويمنعها من الاختلاط في الخارج.

سناء التي ترضخ لرغبات والدها رغما عنها

ومع أنه يتظاهر بالتحرر، وبأنه يترك الأمر لها في تقرير مصيرها، فإن من الواضح أنه ضغط عليها ليقنعها بالارتباط عن طريق الخطوبة، تمهيدا للزواج من شاب لديه دخل ما، وهو مغرم بها ويراه أيمن ضمانا لمستقبلها الذي لا يبدو أنه يحمل لها أي مخرج من ذلك المأزق الحياتي، وهي تستسلم لما يريده أبوها لأنها تشعر في الوقت نفسه بأنها تثقل عليه ماديا ومعنويا.

آل ضاهر.. عائلة غجرية ليست لديها حقوق مدنية

تنتمي عائلة ضاهر لفصيلة يعتبرونها من الغجر (أو الدوم)، لذلك فهي فاقدة لحقوقها المدنية في لبنان، مع أنها استقرت في مخيم شاتيلا منذ سنوات بعيدة، وليست من الغجر الذين ينتقلون من مكان إلى آخر ويعيشون في الخلاء.

الأم ربيعة امرأة قوية تريد أن تعالج ابنتها التي تعاني من مرض جلدي مزمن نادر يؤثر على ساقيها وقدرتها على الحركة، لكن لا ملجأ لها ولا مشفى يقبل علاجها، وتتدهور حالتها من عام لآخر، وترنو إليها عيون الأهل في أسى.

عبده زياني.. تائب يعيده المجتمع إلى مستنقعه

يعاني عبده زياني (أو عبدوي) فيعاني بعد أن قضى سنوات في السجن، ثم خرج تائبا يريد العودة إلى المجتمع والبدء في حياة جديدة بعيدة عن الجريمة، لكن المجتمع يلفظه، فيلجأ إلى العيش في المخيم، وينغمس مجددا في التعامل مع المخدرات وسيلةً وحيدة للعيش.

لا ننسى أن هذه المنطقة التي أصبحت أكثر اكتظاظا بالسكان، وأكثر فقرا وظلت منبوذة محرومة من أوليات الحياة، هي نتاج الحرب والمذبحة التي دارت في نفس المكان قبل أكثر من 40 سنة.

عمل صادق يخاطب الإنسان.. ترشيح للأوسكار

هذا عمل صادق، تطغى على صوره التي أجاد “ستيفن جيرارد كيري” تصويرها وتظليلها بالصدق والتلقائية والقدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة من بين جوانب المكان، نغمة حزينة تكثف مأساة عيش غرباء داخل وطن لم يعد وطنا.

الأطفال يتساندون رغم المحنة

ومن الجدير بالذكر أن الشركة التي أنتجت الفيلم تساهم فيها “هيلاري” و”تشيلسي كلينتون”، زوجة وابنة الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون”، كما عملتا أيضا منتجتين منفذتين للفيلم.

أما مخرجا الفيلم فقد أنجزا فيلم “غزة” (Gaza) عام 2019، وهو من إنتاج نفس الشركة التي أنتجت “في ظلال بيروت”، وهو من الإنتاج الأيرلندي، وشاركت في إنتاجه شركات في ألمانيا وفرنسا، وقد رشحته أيرلندا رسميا لتمثيلها في مسابقة الأوسكار الأمريكية 2024 في فئة أفضل فيلم دولي (أجنبي)، وليس في فئة أفضل فيلم وثائقي طويل، رغم أنه ليس عملا روائيا، لكن العنصر الدرامي فيه نلمسه من خلال حكايات البؤساء والمهمشين.

إنه أساسا فيلم قضية إنسانية يخاطب الإنسان في كل مكان، وهذا وقته المناسب تماما، لكي يراه الجمهور في العالم ويتفاعل معه.