أفلام النكبة.. صناعة سينمائية عاجزة عن رسم المأساة الفلسطينية

خلال 76 عاما، منذ أنْ وقعت النكبة الفلسطينية، اجتهد كثير من المخرجين والمخرجات الفلسطينيين والعرب والأجانب، لإنتاج أفلام وثائقية عن النكبة تنقل حقيقة ما وقع، وذلك لتكوين رواية مقابل أخرى إسرائيلية تنفي وجود النكبة، وتركّز على أنه شعب بلا أرض جاء ليستوطن أرضا بلا شعب.

وقد راكمت السنوات مئات الأفلام الوثائقية، وهي غالبا ما تسلّط الضوء على زاوية بعينها، أو حكاية واحدة تُقدّم من خلالها بانوراما تاريخية، ومنها أفلام أخرى ذات طابع نسوي، كأفلام المخرجتين الفلسطينيتين ساهرة درباس ونجاح عوض الله، وفيها تتحدث النساء عن معاناة اللجوء ومعنى الوطن.

كما صُنعت أفلام تعتمد على مادة أرشيفية متكاملة كالصور القديمة والمقابلات ومقاطع الفيديو من المصادر المفتوحة، مثل منصة يوتيوب والمكتبات الإلكترونية كما فيلم “استعادة” لرشيد مشهراوي.

سلسلة “النكبة” وثلاثية “الطريق 181”.. أفلام بطابع ميداني

هناك أفلام تلاحظ فيها طابعا إخباريا أو سمة الصحافة الميدانية، كسلسلة أفلام توثيقية من إنتاج الجزيرة، أبرزها فيلم “النكبة” للمخرجة الفلسطينية روان الضامن، ويتكون من أربعة أجزاء وثائقية، وقد حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الجزيرة الدولي عام 2009، وحمل الجزء الأول عنوان “خيوط المؤامرة” والثاني “سحق الثورة”، أما الجزء الثالث فكان عن “التطهير العرقي”، والرابع انتهى بعنوان “النكبة مستمرة”.

ولا يمكن التنكّر لثلاثية الوثائقية الجريئة للمخرج الفلسطيني الذي يعيش في بلجيكا حاليا ميشيل خليفي، وهي ثلاثية فيلم “الطريق 181″، وهو فيلم وثائقي فلسطيني أُنتج عام 2003 كعمل مشترك لخليفي مع المخرج “آيال سيفان”.

والفيلم بحسب ما وصفه صانعوه لمواقع إعلامية مكوّن من ثلاثة أجزاء مدتها أربع ساعات ونصف، ويجري المخرجان مقابلات على الشريط الحدودي حسب قرار التقسيم بموجب قرار 181، ويركّز على ثلاث مناطق، أولها من أسدود حتى غزة، ثم من اللد حتى القدس، وبعدها من رشعين قرب جدار الفصل العنصري وحتى الحدود الشمالية مع لبنان، وتشمل اللقاءات فلسطينيين وإسرائيليين، منهم جنود مقاتلون سابقون في العصابات الصهيونية، يُقدّمون شهاداتهم عن أحداث النكبة وما شاركوا به من أعمال عنف وإبادة للسكان الأصليين.

تكرار السرد والأرشيف.. أزمة الأفلام الوثائقية عن النكبة

لا توجد آلة للزمن تُرجع صانعي وصانعات الأفلام إلى ذلك الوقت لتلتقط العدسات ما وقع، بيد أن المخيّلة لا تزال موجودة، لكن ماذا يمكن أن تفعله المخيلة مع التاريخ؟ فليست هناك مساحة واسعة للإبداع في الفيلم الوثائقي على عكس الروائي، أو الأجدر القول إن هناك رؤية حاسمة منحازة في الفيلم الوثائقي يجب تقديمها.

وربما يكون هذا جزءا من الأزمة التي وقعت فيها الأفلام الوثائقية عن النكبة، فجميعها متوقع الأحداث والمسار، ويغلب عليها الدأب المتكرر من مقابلات طويلة، وسرد متشابه، وأرشيف محدود، مع كثير من العاطفة والحزن وتمجيد الأطلال، لكن ماذا يمكن أن يفعل فيلم النكبة الوثائقي غير هذا؟

يقول الروائي والناقد السينمائي سليم البيك إن هناك عدة أسباب لأزمة فيلم النكبة الوثائقي، أهمها الحذر من مقاربة المأساة وخصوصا النكبة، وليس فقط في السينما، بل في كل الفنون، ومع ذلك تبقى للفيلم الوثائقي حساسيته، فمثلا في الأدب أو السينما الروائية ليس المبدع مضطرا أنْ يحيط الموضوع الذي يشتغل عليه من كافة الجوانب، أما الوثائقي فهو يشبه كتاب التاريخ، فإنّ طرح موضوع النكبة يعني غلبة الجانب المعرفي والمعلوماتي، وتغييب الجانب الجمالي والسردي.

“طنطورة”.. اعترافات يعجز عنها صناع السينما العرب

يقول الناقد سليم البيك في حديث خاص للجزيرة الوثائقية: إن غياب هذا الجانب (الجانب الجمالي والسردي) يعتبر الإشكالية الأخرى التي لا يستطيع أن يتحرك فيها المخرج أو المخرجة كثيرا، وقد يأخذ تفصيلا معينا يُركز عليه، مما يزيد من نسبة السرد الإبداعي، أو يتوسع في فيلمه متسلحا بأكبر قدر من المعلومات، مثل فيلم روان الضامن الذي يعتبر من أهم الأفلام الوثائقية.

إضافة إلى ما ذكره البيك، فإن نبش التاريخ وتقديم معلومات جديدة قد تُشكّل مفاجأة؛ هو كافٍ لتقديم فيلم قوي، كالكشف الذي قدمه فيلم “طنطورة” الوثائقي للمخرج الإسرائيلي “ألون شوارتز” نهاية عام 2022، فقد عرض اعترافات بالإعدام والاغتصاب على لسان جنود إسرائيليين كانوا جزءا من لواء “ألكسندروني” في الجيش الإسرائيلي الذي ارتكب المجزرة بحق أهالي القرية.

وقد نجح الفيلم في أن يهدم صرح الإنكار الإسرائيلي بأنه لا توجد مجازر مرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين خلال النكبة، ففي ساعة ونيف من توثيق حقائق مرعبة حدثت خلال النكبة بقيت الضحية تقولها لعقود؛ اعترف بها الآن الجاني.

وهنا يقول الناقد في “العربي الجديد” نديم جرجوره في حديث خاص للجزيرة الوثائقية: أيُعقل أنْ يتمكّن الإسرائيلي -وهذا نادر أصلا- من كشف أرشيف خطر يُؤكد أن الصهاينة قتلة، وأن إبادات وتغييب أناس وقرى وبلدات حاصلة كلها لحظة النكبة، وقبلها وبعدها؟ في حين لا يستطيع الفلسطيني ذلك.

موضحا أن الأرشيف المقصود هنا يتمثّل بمستندات ووثائق خاصة بالجهات الرسمية العربية.

“أغار حين أرى الإسرائيلي يسوّق مشكلته بهذا الشكل المتقن”

في الوقت الذي تُقدم إسرائيل والسينما العالمية فيه رواية مختلفة عن ما حدث عام 1948، ونادرا ما تظهر حقيقة النكبة، وذلك ضمن آليات سرد سينمائي غير تقليدية وبدعم من شركات إنتاج ضخمة، يظهر فيلم النكبة على الناحية الأخرى ناحية الضحية، عبارة عن حالات فردية طبقا للإبداع والإنتاج المتوفر، وليس أقصى ما يمكن تقديمه أو ضمن إستراتيجيات وطنية ثقافية.

تقول المخرجة الفلسطينية نجاح عوض الله وهي صاحبة فيلمين وثائقيين عن النكبة هما “هناك داري” و”المنازل الأولى” في حديث للجزيرة الوثائقية: أغار حين أرى الإسرائيلي يسوّق مشكلته بهذا الشكل المتقن، والغرب يُروّج لمأساته بشكل مقنع وباذخ سينمائيا، في الوقت الذي تملأ المآسي حياتنا، ولا يعبّر عن حقيقتها بالشكل المطلوب الذي تستحقه.

وهي ترى أن المشكلة الرئيسية التي تواجهها حين تصنع فيلما عن النكبة هي نقص مواد الأرشيف، مما يجعلها تعوّض غياب الصورة بحركة الشخصيات، والمشكلة الثانية غياب الإنتاج والدعم لهذا النوع من الأفلام، وأخيرا هناك الموت الذي يُغيّب شخصيات عاشت منذ أيام النكبة وانتشرت في دول العالم، وكان من الممكن أنْ تكون حكايات أفلام عن النكبة، لكن لم ينجزها أحد، موضحة أن فيلمها “هناك داري” توفيت خمس من شخصياته الستة الرئيسية في الفيلم.

أرشيف فلسطين.. ثروة نهبها الاحتلال في الوطن والمهجر

سرق الاحتلال الإسرائيلي عشرات الآلاف من الأوراق على مراحل من التاريخ، أبرزها وقت النكبة عام 1948، وفي اجتياح بيروت عام 1982، وما شمل ذلك من اجتياح المركز الفلسطيني للأبحاث، أو سرقة الأرشيف العائلي من منازل الفلسطينيين، وهو يغطي فجوات زمانية في مرحلة ما قبل النكبة وما حدث خلالها أيضا.

وهنا يرى الناقد نديم جرجوره أن السؤال الحقيقي هو: ما قيمة الذاكرة لدى العربي عموما وتوثيقها؟ ثم نصل إلى الحال الفلسطيني هذا، ونتساءل ألدينا أرشيف موثَّق وصالح للاعتماد عليه، كي تُنجَز أفلام وثائقية تتناول نكبة فلسطين، وغيرها من المسائل والأزمات والمطبّات والتحدّيات؟ وإن كان هناك أرشيف موثَّق وصالح للاعتماد عليه، فهل هناك إمكانية اطلاع عليه لقراءته وتحليله، وللاستفادة منه في قراءة ذاكرتنا وتاريخنا، كما يحصل في دول غربية؟

جنود إسرائيليون ينهبون أرشيف قسم الفنون الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر/أيلول عام 1982

ويستدرك أنه مع ذلك فإن غياب الأرشيف ليس حجة، إذ يقول: أيُعقَل أنْ تختفي السينما الوثائقية العربية عن معاينة النكبة وغيرها، بحجة أنْ لا أرشيف ولا وثائق ولا مستندات ولا صُورا؟ وهذا غير محسوم كليا، فالجيش الإسرائيلي نهب مؤسّسات فلسطينية في بيروت في اجتياح 1982، وبعض المنهوب ظهر وسيظهر لاحقا في أفلام إسرائيلية، من صور وتسجيلات ووثائق.

ثم يقول في خلاصة الفكرة: ليس سهلا الاشتغال السينمائي الوثائقي والروائي المتعلّق بالنكبة، لكن هذا يُفترض به ألا يُبرّر الغياب شبه المطلق لأفلام عنها.

ويؤكد أن ما قاله ليس جَلْدًا للذات، فهناك محاولات عدة تقول شيئا من أحوال وعيش وذاكرة، وإنْ تكن قليلة أو مشغولة بشكل عادي وساذج في الوثائقي والروائي. أميل إلى قول مفاده إن اختيار النكبة (وربما غيرها من أساسيات تاريخ وذاكرة عامّين) سينمائيا غير سهل، فلا إنتاج يُصرَف، ولا توزيع يحصل، ولا يوجد اهتمام بها.

سنة الروايات.. عوالم خفية وحكايات تثري أدب النكبة

يقول الناقد السينمائي نديم جرجوره: أميل إلى اعتقاد يتمثّل بأن الأسهل على السينمائي والسينمائية العربيين تناول مواضيع أخرى، وهذا ليس ملغيا لأفلام روائية ووثائقية، قصيرة وطويلة تعاين تلك اللحظة الكارثية، رغم أن تلك الأفلام قليلة العدد، ومعظمها غير سينمائي، بقدر ما أنه عادي بصريا.

ورغم نصيحة الناقد التي تُفضل الابتعاد عن هذا الحقل الشائك، فإنه يبقى تحديا إبداعيا يستطيع فيه صناع الأفلام أنْ يُقدموا شيئا مغايرا ومدهشا لا يشبه الأنماط الوثائقية الفائتة حين يتعلق الأمر بموضوع النكبة.

فكما أبدعت الروايات في إيجاد عوالم خفيّة لتلك النكبة وحكايات عن الإنسان الفلسطيني لا يمكن نسيانها، كما في كتب سحر خليفة وغسان كنفاني وإيزابيلا حماد وإلياس خوري، فمن الممكن أنْ نشاهد ذلك يوما في أفلام مغايرة قد تُلبّي أساليب الحداثة الإبداعية وتتسع للخيال، على الرغم أن ما حدث وقتها يفوق الخيال.