“حروب الكوبالت”.. وحشية الصراع في مناجم المعدن النفيس الذي ينتظره العالم

يُصنّف فيلم “حروب الكوبالت” الذي عرضته قناة الجزيرة بالفيلم الوثائقي الاستقصائي الناجح، وهو يكشف عن محاسن ومساوئ هذا المعدن الثمين الذي سيُحدِث ثورة جديدة في حقل الطاقة، ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية لوحدها يعمل أكثر من 150 ألف مواطن كونغولي في استخراج الكوبالت الذي أصبح مطلوبا بشدة في الأسواق العالمية، وعلى الجانب الآخر من العالم تُصنّع السيارات الكهربائية وتباع بفضل هذا المعدن الذي يدخل في صناعة البطاريات.

وفي السباق مع التغير المناخي يغدو هذا المعدن الآسر مفتاحا للقيادة بلا تلوّث، ولكن ما الثمن الذي يدفعه الكونغوليون أو غيرهم من عمّال المناجم في العالم الذين يتعرضون لغبار التعدين والغازات المشعِّة والمسرطِنة من اليورانيوم الذي يوجد أيضا في الصخور، ناهيك عن تسميم المياه وتلويثها وتعريض البلدان المُنتجة لهذا المعدن إلى كوارث بيئية لا يمكن تجاوزها حتى بدفع أثمان باهظة؟

الاتحاد الأوروبي يقرر منع بيع مركبات الاحتراق الداخلي بدءا من عام 2035

وبما أنّ السيارات تُنتج ربع انبعاثات الغازات الدفيئة في أوروبا، فقد تقرر منع بيع مركبات الاحتراق الداخلي في الاتحاد الأوروبي، بدءا من عام 2035، ونتيجة لتداعيات هذا القرار قررت شركات السيارات الكبرى مثل “فولكس فاغن” و”رينو” و”بي إم دبليو” أن تستثمر في السوق الجديد للتنقّل الصديق للبيئة.

لكن السؤال الأهم الذي يثيره هذا الفيلم هو: هل السيارة الكهربائية صديقة للبيئة فعلا، أم أنها لا تقل خطورة عن سيارات البنزين والديزل والمحروقات الأخرى المتعارف عليها منذ اكتشاف السيارة وحتى يومنا هذا؟

جمهورية الكونغو.. ثروة معدنية تضاهي النفط السعودي

يطرح “ماروش سيفكوفيتش”، نائب رئيس المفوضية الأوروبية حقيقة موضوعية مفادها: إذا أردنا تحقيق الحياد المناخي في 30 عاما، فعلينا أن نوظف كل التقنيات المتاحة.

ثم يذهب إلى توضيح فكرته قائلا إن الاتحاد الأوروبي يقف في صدارة المُستثمرين في قطاع البطاريات، إذ استثمر خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 120 مليار يورو، وهذا الرقم يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الأموال المُستثمرة في القطاع نفسه في الصين، ذلك التنين الذي ينهب الموارد المعدنية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، باتفاقيات مُجحفة ومدروسة سلفا.

طفل من بين عشرات الصغار والكبار الذين يتسابقون على جمع بعض الكوبالت من بين أنقاض الشركات الأجنبية

ولا شك في أن هذا الاستثمار يخلق الكثير من الوظائف، خاصة أنّ البطاريات التي تُصنّع في أوروبا على وفق تقنية النيكل والمنغنيز والكوبالت تكون مؤهلة لأن تقطع مسافة 400 كلم في الشحنة الواحدة، وإلى جانب الليثيوم والمنغنيز والنيكل، تحتوي هذه البطاريات على عشرة كيلوغرامات من عنصر الكوبالت الذي يعزِّز أمانها وعمرها التشغيلي.

ويقول “جورج هيبل” -وهو مستشار في بطاريات الليثيوم والكوبالت بمجموعة “سي. آر. يو”- إن جمهورية الكونغو الديمقراطية هي المُنتج الأول لهذا المعدن المطلوب، ولا يوجد مكان آخر في العالم بجودته وحجم احتياطه غير الكونغو، كما هو الحال في السعودية بالنسبة للنفط.

نساء يغسلن الكوبالت المستخرج لتنقيته من التراب العالق به قبل بيعه

لكن يرى كثيرون أنّ الثروات المعدنية الهائلة التي تنعم بها الكونغو هي نعمة ونقمة في آنٍ واحد، لأن المواطن الكونغولي يعيش تحت مستوى خط الفقر، ولا ينعم بالحد الأدنى من هذه الثروات المعدنية التي تتناهبها الشركات العملاقة المتواطئة مع القيادات السياسية لهذا البلد الغارق في الجريمة والفساد حتى أُذنيه.

الحياد الكربوني.. معدن نقي للدول الكبرى وتلوث لدول المناجم

لم يكن الكوبالت المعدن الاستراتيجي الوحيد الذي تتصارع عليه الشركات العملاقة، فهناك مواد إستراتيجية أخرى، فقد برز المطّاط في القرن التاسع عشر، واليورانيوم في منتصف القرن العشرين، وكانا عرضة للنهب المنظّم، بحسب “بيتر فام”، المبعوث الأمريكي السابق لمنطقة البحيرات الكبرى لسنة 2018-2020.

ويقول “بيتر فام” إن الانتقال إلى “الحياد الكربوني” يستدعي التحوّل إلى المركبات الكهربائية والطاقة المتجددة التي تنتج الكونغو معادنها الأهم، وعلى رأسها الكوبالت الذي أسالَ لُعاب الشركات الصينية، ودفع الأوروبيين للتفكير باستثمار مواردهم المعدنية الكثيرة التي تتوفر في فنلندا والنرويج والسويد.

الشركات الصينية تمتلك 15 من أصل 19 منجما تجاريا للنحاس والكوبالت في جمهورية الكونغو

ويُقدم الفيلم معلومات تفصيلية تدل على رصانة البحث ودقّته؛ فيصحبنا إلى مدينة كولويزي، وهي عاصمة الكوبالت في العالم، وتقع في قلب الحزام الممتد عبر الكونغو وجارتها زامبيا، ويوضِّح التعليق الصوتي بأنّ 100 عام من استخراج المعادن المتنوعة قد تركت بصمة واضحة في مُقاطعتي لولابا وكاتانغا اللتين تقع فيهما معظم احتياطات النحاس والكوبالت.

لكن الشركات الأجنبية هي التي تستأثر بهذه الثروات العملاقة، فالشركات الصينية -على سبيل المثال لا الحصر- تمتلك 15 من أصل 19 منجما تجاريا للنحاس والكوبالت، وتشاركها في ذلك شركة “غلينكور” السويسرية العملاقة، إذ تمتلك اثنين من أعلى المناجم إنتاجية في العالم، ومجموعة الموارد الأوراسية.

الشركات الأجنبية تستأثر بالثروات العملاقة في الكونغو

ولا تنقل الشركات المواد الخام إلى بلدانها مباشرة، بل تعالجها في الكونغو وتترك مخلفاتها ونفاياتها الخطيرة على الطبيعة وصحة الإنسان والحيوان، ثم ينقل بالشاحنات إلى جنوب أفريقيا، ويحمّل بالسفن في ديربِن، ومنها إلى الصين بوصفه معدنا نظيفا خاليا من الشوائب والانبعاثات.

أكياس من الكوبالت يحملها عمال محليون على ظهورهم لبيعها للشركات الصينية التي تبخسهم حقهم فيها

ويبلغ الطلب العالمي على الكوبالت في المنطقة نحو 150 ألف طن سنويا، ويتوقع الخبراء أن يرتفع الطلب إلى ربع مليون طن خلال السنوات الخمس القادمة، الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن موارد جديدة، علما بأنّ سعر طن الكوبالت في السوق العالمية يصل إلى 70 ألف دولار، ويمكن استخراجه من مكامن النحاس، خاصة أنّ طفرة البطاريات قد بدأت قبل عشر سنوات. ولا تتوقف الشركات الكبرى عن التنقيب عن الكوبالت، على حساب السكّان المحليين الذين يعانون الفقر المُدقع، ويعيش غالبيتهم بأقل من دولارين في اليوم الواحد.

عاصمة الكوبالت.. مدينة ثرية تشرب من مياه الينابيع

يقول “دوناتيين كامبولا” -وهو محامٍ وناشط في حقوق الإنسان- إنه يعيش بالقرب من أعمال التعدين في بلدة “كولويزي” التي تفتقر إلى كل شيء تقريبا، فهي بلا مدارس ولا مستشفيات ولا شوارع ولا مياه، وإن توفرت المياه فهي غير صالحة للشرب، لكثرة الأحماض الموجودة فيها، مما يدفعهم إلى مياه الينابيع، لكنّ التلوث داهمها أيضا ونقل سمومه إليها، فأعمال التعدين تسهم في إفقار السكّان بدلا من تحسين مستواهم المعيشي، وتسبب لهم أمراضا خطيرة مُهلكة.

في مناطق تعدين الكوبالت، لا توجد أية مظاهر للمدنية تخدم سكانها

وتُنتج المناجم الصناعية في لولالبا وكاتانغا 80% من كوبالت الكونغو، ويأتي الباقي من مناجم تقليدية، حيث يزاول العمّال الحفر أسفل الأغطية البرتقالية في الأنفاق التي يصل عمقها إلى عشرات الأمتار، ويتعرّض بعضهم لخطر الانهيارات والفيضانات، وقد يموتون اختناقا في باطن الأرض، من أجل تأمين لقمة العيش لأنفسهم ولأطفالهم.

أنفاق خطيرة تتهدد العمال البسطاء الباحثين عن لقمة العيش بالحفر عن الكوبالت بالطرق البدائية

وينطوي الفيلم على قصص ثانوية تعزز الحكاية الرئيسية للفيلم، فـ”دوناتيين بيلا” هو واحد من 150 ألف كونغولي يعملون في المناجم التقليدية، ويتوافدون من مختلف أنحاء البلاد، للخروج من دائرة الفقر المُدقع، ونيل نصيبهم الشحيح من ثروات التعدين.

عمالة الأطفال والتلاعب بالسكان.. آفة المعادن النفيسة

يُعد الكوبالت -في الغالبية العظمى من المناجم- مُنتجا ثانويا إلى جانب النحاس أو النيكل، ومنهما تأتي معظم إيرادات المنجم، وإذا شهد الكوبالت ارتفاعا مفاجئا، فلن تتمكن الشركة من زيادة حجم إنتاجه، لأن ما يهم هو النحاس، والاستثناء الوحيد في هذه القاعدة هو التعدين التقليدي، وينتج الحفارون يوميا -على صعوبة عملهم- 350 كيسا من الكوبالت يزن الواحد منها 20 كغم، لكن الصينيين يتلاعبون بالموازين وينقصون الكيس الواحد إلى 10 كغم.

طفل يقوم بفرز قطع الكوبالت عن العوالق قبل بيعها

يقوم “مارك دوميت”، رئيس قسم الأعمال وحقوق الإنسان التابع لمنظمة العفو الدولية، بأول رحلة له إلى كولويزي، فيُفاجأ بحجم اعتماد هذه المدينة على صناعة التعدين، لكنه شعر بأنّ الأهالي يجب أن يستفيدوا من هذه الثروة الاستثنائية التي تتنعّم بها الشركات الصينية والأوروبية والأمريكية، في حين يعاني الناس من مصاعب الحياة، إذ يجازف الحفارون بحياتهم وصحتهم ولا يتقاضون أجورا مُجزية. ويشير “دوميت” إلى وجود أطفال بين السابعة أو الثامنة يعملون في هذا القطاع، ويتعرضون إلى الضرب أو السرقة والإهانة.

الكوبالت عنصر أساسي في صناعة البطاريات الكهريائية القابلة للشحن

يتقصى الفيلم بقوة عمالة الأطفال، والتعدين التقليدي، وصناعة الكوبالت. فيطل علينا “ماروش سيفكوفيتش”، نائب رئيس المفوضية الأوروبية ويطرح فكرة مفادها: إذا أرادت أوروبا أن تصنع أفضل السيارات وأكثرها استدامة، فلا يمكنها القيام بذلك وهي تستورد البطاريات من الخارج من دون أن تتبع مصادرها وتتحقق من أنّ البصمة الكربونية في أدنى مستوياتها.

ويرى “ماروش” أن اللحاق بالصين سيشكّل إنجازا عظيما، إذ سيضمن محاربة التغيير المناخي، ويخلق فرص عمل واستثمارات جديدة، والتزامات واضحة بأنّ معايير الاستدامة يجب أن تُطبّق بنسبة 100%.

نقص البطاريات.. هاجس يؤرق أوروبا في عصر الكهرباء

ينطوي هذا الفيلم على معلومات كثيرة، من بينها أنّ أوروبا تُنتج 3% فقط من البطاريات في العالم، وهي تخطط لبناء 30 مصنعا عملاقا بحلول عام 2035، لترفع نسبة إنتاجها إلى 25%، وقد أُزيلت مساحات واسعة من الأشجار في السويد من أجل هذه التقنية الجديدة، وتعكف شركة “نورثفولت” السويدية على بناء مصنع هو الأول من نوعه ضمن سعيها لمنافسة المنتجين الآسيويين.

شركة “نورثفولت” السويدية جذبت في عام 2016 استثمارات بقيمة 6.5 مليارات دولار

ويقول المؤسسان لشركة “نورثفولت” إن العالم يشهد إنتاج 20 مليون مركبة، يعمل على صناعتها قرابة 14 مليون عامل، وإذا صدقت فرضية أن جميع السيارات التي تنتجها هذه المصانع ستصبح كهربائية، فإن عدم إنتاج كمية كبيرة من البطاريات سوف يبقى هاجسا مؤرقا لأوروبا.

لذلك أسسا هذه الشركة عام 2016، واستطاعت جذب استثمارات بقيمة 6.5 مليارات دولار، ونجحا في اجتذاب أهم شركات السيارات في العالم مثل “بي. إم. دبليو” عام 2018، كما تُعد “فولكس فاغن” من أهم عملاء ومستثمري “نورثفولت”، وأعلنا قبل مدة عن مشروع مشترك مع “فولفو” لبناء مصنع عملاق آخر.

فنلندا.. الدولة الوحيدة القادرة على إنتاج البطاريات في أوروبا

يوجد في فنلندا منجمون نشطون عن الكوبالت والنيكل، ويجري تطوير 7 مشاريع لاستغلال خامات البطاريات، وقد فتحت فنلندا مساحات شاسعة من أراضيها لاستكشاف المعادن، وهي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تحتوي تربتها على كافة العناصر اللازمة لصناعة البطاريات.

في فنلندا يجري تطوير 7 مشاريع لاستغلال خامات البطاريات من الكوبالت والنيكل

وقد أسست حكومتها شركة “تيرافيم” التي تزوّد “رينو” بالنيكل لبطاريات مركباتها، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للكوبالت 7400 طن تُنتج منها كبريتات الكوبالت بكميات تكفي لـ300 ألف مركبة كهربائية سنويا بحلول عام 2030، وهذا ما يستدعي إقامة عشرة مشاريع شبيهة بـ”ترافيم” لإنتاج الكوبالت، وأن تُصبح أوروبا مُصدِّرا رئيسيا له.

وتسعى هذه الشركة إلى إعادة تدوير المعادن بلا نهاية، فيمكن استخراجها من المناجم مرة واحدة، ثم استخدامها إلى الأبد، وسوف يمر وقت طويل قبل أن نصل إلى السيارة الكهربائية النموذجية، ويذهب “جورج هيبل” إلى أن تزايد حجم إعادة التدوير سوف يقلل اعتماد الدول على المعادن الأفريقية.

قطاع التعدين الكونغولي.. جرائم حية ذات تاريخ عريق

ما يزال الآلاف من الأطفال يعملون في التعدين في لولالبا، وثمة مشكلات أخرى مثل النزوح الإجباري للسكان من دون تعويض ملائم، والتلوث، والفساد. ثم إن سلب الموارد الكونغولية ليس جديدا، فقد نهبت بلجيكا ثروات ضخمة خلال أكثر من 60 عاما.

آلوف من العمال الكادحين يعملون في التعدين في الكونغو

وبعد استقلال الكونغو عام 1962، ظهرت أشكال جديدة من السرقة، إذ سحب الدكتاتور “موبوتو” وأقاربه مليارات الدولارات من أموال “كيكاماين”، وهي شركة التعدين المملوكة للدولة، وعندما أطاح “لوران كابيلا” بـ”موبوتو” عام 1997، غرقت البلاد المفلسة في حرب أهلية، إلى أن خلفهُ ابنه “جوزيف” ووقّع بعد اغتياله اتفاقية سلام، وأعاد إحياء قطاع التعدين لتغذية خرائن الدولة، أمّا “كيكاماين” فقد انهارت تماما.

مناجم عملاقة تتبع شركات متعددة الجنسيات مثل “غلينكور” و”فيرست كوانتوم

وقد نصح البنك الدولي بإجراء إصلاحات وفتح الباب أمام الشركات متعددة الجنسيات مثل “غلينكور” و”فيرست كوانتوم”، لكن هذه الشركات لم تأتِ لتحسين معيشة المواطنين بل لكسب الأموال، فقد نبّهت “إليزابيث كيسنز”، مديرة منظمة “ريسورس ماترز” إلى دور خطير لعبه رجل الأعمال الإسرائيلي “دان غيرتلر”، حين عمل وسيطا بين الشركات متعددة الجنسيات الباحثة عن النحاس والكوبالت، وبين السياسيين الكونغوليين الذين يمسكون بزمام السلطة.

فما حدث هو أن الشركة المملوكة للدولة أبرمت عقودا توصف بأنها اتفاقيات ودية مباشرة مع “غيتلر”، وهو ذو صلات قوية مع “جوزيف كابيلا” رئيس الكونغو السابق، وقد أقدم على بيع تلك الامتيازات بأسعار متدنية جدا، وعندما وصل “جوزيف” إلى السلطة عام 2001، جعل “غيرتلر” أقرب مستشاريه.

“جوزيف كابيلا” رئيس الكونغو السابق يتحالف مع الإسرائيلي “غيرتلر” لجلب الأموال إلى بلده

وقد جلب هذا الرجل أموالا كثيرة كانت الكونغو في أمسّ الحاجة إليها، وصارت الشركات الكبرى مثل “غلينكور” تدفع له ملايين الدولارات نظير توسّطه لدى الكونغو للحصول على عقود تعدين. وعندما نشر الإعلام هذه القضية، لفت الموضوع انتباه الإدارة الأمريكية، فشكّت في رشوة “غيرتلر” لنظام “كابيلا” في عدة مشاريع، فخسرت الكونغو أكثر من مليار دولار في هذه القضية على وجه التحديد، وسببت متاعب كثيرة لـ”غيرتلر” وعدد من كبار الضباط في نظام “كابيلا”، وخضعت “غلينكور” للتحقيق والمقاضاة في المملكة المتحدة وسويسرا.

“غيرتلر”.. رجل أعمال إسرائيلي يعبث بالدولة والموارد

ليس الفساد جريمة بلا ضحايا، مع أنه يصور عادة على أنه مجرد تداول للأموال بين الوسطاء ومسؤولي النخبة الفاسدة، فهناك في آخر السلسلة يقبع مواطنون عاديون يعانون كثيرا بسبب الفساد، وما حدث في منجم “ميتال كول” ليس استثناء من ذلك.

يتكون هذا المنجم من مخلّفات مناجم كولويزي التي تراكمت خلال حقبة الاستعمار البلجيكي، وقد نالت شركة “فيرست كوانتوم” الكندية حقوق استغلال هذا المنجم في مطلع القرن الحادي والعشرين، وكانت صفقة القرن بحق، ويقال إنّ هذه المخلفات تحتوي على 300 ألف طن من الكوبالت بقيمة 20 مليار دولار، وقد فاجأ نظام “كابيلا” شركة “فيرست كوانتوم” بسحب هذا الامتياز منها.

رجل الأعمال الإسرائيلي “دان غيرتلر”

وتذهب “أنيكا فان فودينبيرغ”، المديرة التنفيذية لمنظمة “ريد” غير الحكومية، إلى أن حقوق التعدين قد نزعت بمساعدة شركة يملكها “غيرتلر”، فقد أدرك مدى ربحية ذلك المنجم، فاحتفظ به مدة قصيرة، ثم باعه لشركة تعدين ضخمة تُدعى مؤسسة الموارد الطبيعية الأوراسية، وقد أثبتت سجلات المحاكم أن “غيرتلر” قدّم الرشى لمسؤولين كونغوليين -ومنهم بعض القضاة- للحصول على رخصة التعدين.

ارتفاع مستوى الكوبالت في الدم والبول.. كارثة في كولويزي

يتحدث البروفيسور “سلستين بانزا” -وهو خبير علم السموم وأستاذ في جامعة “لوبومباشي”- عن مهمته في كولويزي، وهي تنحصر في تقييم مستويات التلوث في القنوات المائية والأسماك التي تُصطاد منها، وتأثير ذلك على الناس الذين يأكلونها، إلى جانب مستوى التلوث في جسم الإنسان.

ويعكف على دراسة التداعيات البيئية والصحية للتعدين في الكونغو بمساعدة منظمات غير حكومية، فقد تبين أنّ شركة “كي سي سي” هي السبب في هذه الكارثة البيئية، فهي تصب المياه الملوثة في نهر الكونغو، وهو أحد أهم الأنهار الأفريقية، ويعتمد عليه جزء كبير من السكان الكونغوليين. وقد أقرّت شركة “غلينكور” بتسرب حمض الكبريتيك، لكنها أنكرت تأثيره على البرك المجاورة، والغريب أنّ الشركة بدأت بتعويض السكّان وإعادة تأهيل برك الأسماك.

البروفيسور “بانزا” يؤكد ارتفاع مستوى الكوبالت في الدم والبول عند العمّال في منجم كولويزي

وفي عام 2008، أثبت البروفيسور “بانزا” وفريق عمله ارتفاع مستوى الكوبالت في الدم والبول عند العمّال في منجم كولويزي، وأنه يسبب تغييرات في الحمض النووي للأطفال المتعرِّضين لغبار التعدين، وهي إشارة واضحة إلى ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان مستقبلا. ويخشى “بانزا” أن تواجه معظم البحيرات والأنهار كارثة بيئة إذا لم يتوخوا الحذر.

تلويث الأنهار والبحيرات.. هواجس فنلندا الغنية بالمعادن

يشعر الفنلنديون أصحاب البحيرات الألف بالقلق على موارد المياه العذبة وتأثيرات أعمال التعدين على البيئة، ففي عام 2012 تسربت مياه سامة من منجم “سوت كامو” المملوك لشركة “تال فيفارا”، فدمرت ألف هكتار من مياه الأنهار والبحيرات، ودفع الضغط الشعبي الحكومة إلى إغلاق المنجم، ثم أعادت “تيرافيم” إطلاق عملياته فيما بعد.

باحثون فنلنديون يتفحصون تسرب المواد السامة إلى الأنهار والبحيرات والقنوات المائية

يخشى الفنلنديون تسرب المواد السامة إلى الأنهار والبحيرات والقنوات المائية، ولنا أن نتصور حالة البلاد بعد 100 أو 200 سنة من التعدين في المناجم الفنلندية. وتشير التوقعات إلى أن الطلب على مكونات البطاريات سيتضاعف 30 مرة بحلول عام 2040، لتحقيق أهداف الانبعاثات التي نصّت عليها اتفاقية باريس للخامات المعدنية، ومن السهل تخيّل مصير هذا البلد إذا أصبح مصدر الخامات لأوروبا.

نشطاء فنلنديون يطالبون بحماية البحيرات من التلوث الذي تتسبب به شركات التعدين

ويرغب الاتحاد الأوروبي في تقليص اعتماده على المواد المتدفقة من الكونغو والصين، وهو توجه سليم في ظل الأوضاع السيئة السائدة هناك، فمن مصلحة هذا الكوكب أن يقود الناس سيارات كهربائية، وإذا أردت شراء سيارة، سأنصحك بشراء دراجة، وإذا كان لا بد من شراء سيارة، فلتكن سيارة كهربائية بدلا من السيارات التي تعمل بالبنزين أو الديزل، من أجل الكوكب ومن أجل الأجيال المستقبلية.

ولا تنس أن تسأل صانعي السيارة عن مكونات البطارية، وماذا يفعلون في عمليات التعدين التي تستخرج المعادن المستخدمة في البطارية؟ وماذا يفعلون للتأكد من أنها غير ضارة لشعب الكونغو الديمقراطية أو الدول الأخرى التي تشهد أعمال التعدين؟

إعادة تدوير الكوبالت سيوفر الكثير على الشركات المصنعة للسيارات

وبعد أن أصبح “فليكس تشيسكيدي” رئيسا للكونغو الديمقراطية عام 2018، خلفا لـ”كابيلا”، وعد بإعادة التفاوض على عقود التعدين، لكن هذه العملية ستستغرق وقتا طويلا، وما زال الشعب محروما من ثروات وطنه.

وبالتزامن مع ذلك يتواصل استخراج المعادن من الكونغو وغيرها من بلدان العالم لصناعة مئات الملايين من السيارات الكهربائية التي ستجوب شوارعنا، ومع ذلك ترتفع الأصوات في جميع أنحاء العالم، ويواصل الناشطون والمحامون والعلماء العمل، وينظمون أنفسهم لمواجهة شركات التعدين، وليس بوسع السياسيين أن يستمروا في تجاهل أصواتهم.