تقارير

أطفال تونس.. فئران تجارب الغزاة

عبد الله أيد

تونس من الدول التي يوجد بها مرض اللشمانيا كغيرها من دول شمال أفريقيا

إبان احتلال العراق وجد الجنود الأمريكيون أنفسهم في مواجهة كبرى مع مرض اللشمانيا، الذي ينتج عن جرثومة طفيلية وحيدة الخلية تنتقل عن طريق البعوض، وله انعكاسات سيئة لكونه يعطي سمات مزمنة ملازمة طول العمر، وكان في الأصل مرضا يصيب الحيوانات بعيدا عن الجنس البشري.

أصيب بهذا المرض الجلدي ثلاثة آلاف جندي أمريكي وصمتهم به لدغة بعوض، الأمر الذي زاد اهتمام وزارة الدفاع الأمريكية بالمرض فقامت بمحاولة للقضاء على هذا المرض بأسرع وقت وبأقل ثمن، وذلك في ظل منع أداء التجارب الخطيرة قانونيا داخل الولايات المتحدة، لذلك فقد أصبحت الضرورة ملحة من أجل تجربة دواء جديد يخرق القوانين الدولية والأخلاقيات الطبية بعيدا عن منطقة العم سام.

يقول شكري مقطوف رئيس قسم الطب النووي في معهد باستور ”في حرب الخليج كانت الضرورة ملحة بالنسبة لوزارة الدفاع الأمريكية من أجل تجربة دواء ضد مرض اللشمانيا، ويكون دواء سهل الاستعمال“.

وقد أنتجت الجزيرة الوثائقية فيلما بعنوان ”هل يصنع القتلةُ الدواء؟“ يكشف المستور عما خفي من ملابسات التجارب الطبية المخالفة للقانون والأخلاق في تونس، وما رافقها من فساد أو تغافل حكومي، تحت غطاء مالي وصناعي أجنبي للتجارب التي تم تطبيقها.

البحث عن الضحية

كانت تونس من الدول التي يوجد بها مرض اللشمانيا كغيرها من دول شمال أفريقيا، لذلك فقد قام معهد ”والتر ريد“ للأبحاث العسكرية الأمريكية بإجراء تجارب ميدانية في محافظة سيدي بوزيد التونسية على المرهم المعد لمواجهة هذا المرض، وقد تم اختيار تونس بحسب مجلة ”ستارز آند سترايبز“ على وجه التحديد لأنها دولة ينتشر فيها مرض اللشمانيا بنسبة عالية.

وفي عام 2000 شرع مراد المكني وهو طبيب متخصص في مجال الأمراض الجلدية، والأستاذ عفيف بن صالح رئيس مخبر الوبائيات الطبية، وفريقهم في العمل بعد أن تم قبول التجربة العلاجية بهذا الدواء التجريبي بالتعاون مع الجيش الأمريكي، أو من الأفضل القول إن الدواء تم تطويره من قبل باحثين أمريكيين كما يقول مراد المكني، لتجنب المشاكل.

يقول هادي الغنيمي وهو وسيط محلي لاستقدام المرضى ”جاءني نفر من وزارة الصحة من العاصمة تونس يرافقهم أفراد أجانب، وسألوني ما إذا كان هنالك أشخاص عليهم آثار لمرض اللشمانيا الجلدية“.

على الرغم من أن القانون التونسي يمنع إجراء التجارب على القاصرين فإن القائمين على المشروع لم يلتزموا هذا المنع

أطفال تجارب

وعلى الرغم من أن القانون التونسي يمنع إجراء التجارب على القاصرين فإن القائمين على المشروع لم يلتزموا هذا المنع، بل قاموا بإدخالهم ضمن قائمة المدرجين في التجربة الذين بدأت عليهم التجارب سنة 2002 تحت إشراف معهد باستور، وبعلم من وزارة الصحة التونسية، وهو ما يطرح تساؤلات من أهمها: تحت أي غطاء تم تجاوز القانون؟

يقول هادي الغنيمي أحد الوسطاء الذين يستقدمون المرضى ”أتينا العيادة بصبي وسبع أو ثماني فتيات، تتراوح أعمارهم بين 14 و21 ربيعا“.

تم ارتكاب جريمة التجربة المخالفة للقانون التونسي على الأطفال دون أن يتحمل طرف ما لائمة الجريمة، فالسلطة العمومية ممثلة في وزارة الصحة تراه خرقا شكليا للقانون، وتُرجع الأمر إلى كون النص القانوني بذاته خاطئا ومتخلفا عن المرحلة، وأن الأمر عائد إلى اجتهاد شخصي في تلك الفترة، بينما يرى آخرون أنه ليس من المنطقي خرق القانون لعدم مواكبته للفترة، بل وحتى وإن كان الأمر كذلك فإنه لا يبيح للمنفذين القيام بهذه المخالفات.

وعلى أي حال فإن ستارا ما كان يخيم على أجزاء من الصورة، فالطبيب المسؤول عن التجربة يقول إنه كطبيب لم يكن مضطلعا بالقانون، بينما يقول وزير الصحة التونسي الذي نفذت التجربة في عهده ”هذه التجربة لا علم لي بها، ولم أعط تعليمات ولم أواكبها“.

لا علم للوزير بالأمر رغم أنه تم وضع التقرير السنوي لسنة 2002 لمشروع التجربة على مكتبه، وباطلاعه عليه طلب المزيد من الوثائق، وبناء على هذا فالمفترض أن يكون الوزير على علم بالموضوع.

يقول عمر زعتور وهو باحث بيولوجي مشارك في التجربة ”الشريحة العمرية التي أخذناها في المرحلة الأولى والثانية من البحث تتراوح أعمارهم بين 5 و65 عاما“.

تم ارتكاب جريمة التجربة المخالفة للقانون التونسي على الأطفال دون أن يتحمل طرف ما لائمة الجريمة

عدوى الخروق

ينص القانون المقنن والضابط لمثل هذه التجارب على منع القاصرين مطلقا من أداء التجارب، بل وحتى البالغين الذي تجرى عليهم بموافقتهم فقد تم تقييد تجربتهم ببعض الشروط منها ألا يقايضوا التجربة على أجسادهم بمبلغ مالي، وأن تتم التجربة بسرية تامة، وهو أمر تم خرقه بشهادة المرضى الذين تواترت شهاداتهم على سوقهم من منازلهم جماعات ووحدانا، وإجراء التحاليل المتكررة عدة مرات عليهم في المستشفى، ثم تعويضهم خمسين دينارا (كانت تعادل آنذاك نحو 35 دولارا)، حتى إن بعضهم جاء من أجل الدنانير.

تقول ربيعة الغنيمي إحدى الخاضعات للتجربة ”قبلنا بالخمسين دينارا، وسعدنا بها لأننا فقراء ومحتاجون“.

امتهان كرامة الإنسان

يقول المحامي آلان مليشتاين ”يقع إشكال أخلاقي عندما يتم استخدام الأموال لتحفيز الأفراد على المشاركة في البحوث، وكأن الباحث يدفع المال للمريض لاستئجار جسده كي يكون فأر تجارب على ذمة تجربة معينة“.

ويروي بعض الوسطاء والخاضعين للتجربة أن خبراء معهد باستور والأمريكيين الذين صحبوهم منحوا المرضى مبالغ مالية ثم وعدوهم بإجراء فحوص على عينات من دمائهم وعينات أخرى من آثار المرض على جلودهم، ثم العودة لاحقا بالنتائج، مع توصية المرضى بالمداومة على استخدام المرهم طيلة مدة غيابهم، على أنهم سوف يحضرون النتائج حين يعودون، لكنهم لم يعودوا مطلقا، ولم يتركوا رقم هاتف للاتصال بهم في حالة حدوث آلام أو مضاعفات؛ الأمر الذي نفاه بعض الممرضين القائمين على التجربة قائلين ”لم نقدم فلسا للمرضى، ولم نعدهم أي وعود“.

يقول رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان عبد الستار بن موسى ”ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على منع التعدي على كرامة الإنسان، وهذه التجارب فيها تعدٍّ على كرامة البشر“.

رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على منع التعدي على كرامة الإنسان، وهذه التجارب فيها تعدٍّ على كرامة البشر

تجارب عمياء

يقول مبروك الغنيمي أحد الخاضعين للتجربة ”لم نُمض على وثائق، ولم نحصل على أي أوراق، وإنما أخذوا عينات الدم، ووزعوا خمسين دينارا علينا، ولم تكن هنالك إمضاءات ولا وثائق“.

ينص القانون التونسي على أنه يجب قبل القيام بالتجارب الطبية على أي شخص الحصول على موافقته الحرة والرشيدة والكتابية، وذلك بعد إعلامه من طرف الخبير السريري بهدف الأبحاث التي سيجريها وكيفيتها ومدتها، والضغوطات والتأثيرات غير المرغوب بها التي قد تقع، وهو ما يعني أنهم يستطيعون أن يفهموا مسبقا معنى المشاركة وفوائدها ومخاطرها، وأن يفهموا أهداف الداعمين والباحثين من إنجاز هذا البحث.

قال فؤاد الغنيمي أحد القاصرين الذين خضعوا للتجربة ”إنهم لا يقدمون أي إجابة عند سؤالهم بخصوص أمر ما، ولا يمدوننا بأية تفاصيل بخصوص مكونات الدواء“.

استمرت التجارب إلى حدود عام 2014، وعلى مدى 12 عاما ظلت الإجراءات المتعلقة بالموافقة الطوعية محل غموض لدى المتطوعين أنفسهم، وهذه الإجراءات هي القواعد الأساسية لعقد التطوع والتي تضمن حقوقهم وتحدد واجبات الإطار الطبي المشرف على التجربة. وأمام هذا الوضع؛ ما الذي اعتمده إطار الإشراف لضمان الحقوق المنصوص عليها في عقود الموافقة الطوعية؟

تقول تبر الغنيمي إحدى النسوة اللاتي خضعن للتجربة ”لم يعطونا أي تفاصيل، ولم نطرح عليهم أي سؤال، لأننا أميون“.

إحدى النسوة اللاتي خضعن للتجربة: لم يعطونا أي تفاصيل، ولم نطرح عليهم أي سؤال، لأننا أميون

الموافقة الطوعية بألوان العلم الأمريكي

يقول المحامي المختص في القانون الدولي عبد المجيد الجربوعي ”تم اعتماد عقد متطوع استهل بتنصيص واضح وصريح على فصول من القانون العسكري الأمريكي، والذي تم تطبيقه على هذه التجربة، فهؤلاء المتطوعون ليسوا متطوعين، بل تم إخضاعهم للتجربة الطبية تحت قانون عسكري أجنبي“.

قام فريق الفيلم بعرض عقد التطوع على سمير بوبكر رئيس لجنة الأخلاقيات الطبية بمعهد باستور، فقرأ: ”الأفراد المتطوعون بالإدارة المعتمدة للدراسات والبحوث الخاصة بالجيش..“، ثم قال: ”لا أتذكر مثل هذا التركيب“، وحين حاورتْ معدة الفيلم وزير الصحة الذي نفذت التجربة في عهده بشأن العقد سألته: ”كيف يمكن أن تجلب للمواطن التونسي موافقة طوعية كتب فيها: وفقا لقانون أ ر 70-25 أ ر 40-38، وهو قانون عسكري أمريكي لا يطبق حتى على المدنيين الأمريكيين؟ فأخذ منها الوثيقة وأمعن فيها النظر متسائلا: من وقّع هذه الوثيقة؟ ثم نفى أن يكون الإمضاء إمضاء وزارة الصحة، بل هو ربما إمضاء من الباحث.

حرر الأمريكيون نص الموافقة الطوعية الواردة مع مشروع البحث باللغة الإنجليزية، ثم تمت ترجمته إلى العربية، وذلك -كما يقول بعض القائمين على التجربة- لتسهيل الأمر للمرضى الذين سيشاركون في البحث العلمي، وتلك إشارة استفهام كبرى، فكيف لمسؤول يريد حماية مواطنيه البسطاء أن يفعل ذلك باستخدام استمارة أجنبية؟ استفهام يفضي إلى استفهام آخر وإجابات تناقض نفسها، ويبقى السؤال الأهم: من يذود عن الإنسان في مثل هذه التجارب؟

يقول رئيس قسم الطب النووي في معهد باستور شكري مقطوف ”تم اعتبارهم -بصريح العبارة- متطوعين لدى الجيش الأمريكي، وفي هذا مسّ بكرامتهم“.

نبش المستور

بدأ العوام يتحدثون عن الأمر وبدأت الأنباء والأحاديث المبثوثة في الأرجاء تصدّر رائحة الجريمة، ولم يكن العاملون في معهد باستور يعلمون بحقيقة التجارب رغم أنهم يعلمون أن البحوث تابعة لمعهد والتر ريد الأمريكي، دون أن يعلموا بتبعيته لوزارة الدفاع الأمريكي، حتى قرأ شكري مقطوف مقالا علميا صادرا في 2009 في مجلة أجنبية عن التجربة، وحينها أدرك أن في البحث إخلالا بالقانون التونسي المنظم للتجارب الطبية، لكون التجارب أجريت على بعض الأطفال القصّر.

قام المقطوف بالاتصال بالمدير العام للصحة محمد صالح بن عمار الذي كان عارفا بالتجارب التي يتم إجراؤها، ثم قابله وسلمه وثيقة تتضمن جميع التفاصيل موقعة باسمه يطلب فيها منع هذه التجارب من الاستمرار، وقد كان الوزير متحمسا للأمر في بداية الأمر، لكنه قابل بعد فترة وفدا أمريكيا، وقد تكون تغيرت وجهة نظره، حسب رأي شكري المقطوف.

في المرهم الذي تم استخدامه في التجربة الطبية تم استخدام بعض المكونات المعروفة، لكن البعض يرى أنه قد تكون هناك محتويات أخرى لم يتم الإعلان عنها

أحكام ورقية

قام بعض الأطباء بالاعتراض على هذه التجارب العلمية التي يتم تطبيقها في تونس على الأطفال القصر، وقام شكري المقطوف بإجراءات أمام المحكمة الإدارية لمحاولة الحصول على إيقاف التنفيذ لهذه التجارب الطبية في إطار إجراء قضائي استعجالي، ثم إيقاف تلك التجارب أصلا.

وبوصول القضية إلى القضاء أصدرت المحكمة الإدارية في تونس حكما استعجاليا في سبتمبر/أيلول 2011 يقضي بوقف هذه التجارب السريرية، لكنه لم ينفذ. ثم أثيرت القضية مرة أخرى في العام الموالي، وقضت المحكمة في يونيو/حزيران 2012 بنفس الحكم السابق، لكنه لم يُفعَّل أيضا، واستمرت التجارب.

أقرت المحكمة بإيقاف التنفيذ، وكانت منصفة في ذلك، رغم بعض الانتقادات الموجهة للقرار على لسان ممثلي وزارة الصحة. لكنها أقرت القرار وطبقت القانون وتفاعلت معه.

يقول الطبيب شكري المقطوف الذي قدم الأمر إلى المحكمة ”ما راعني إلا أن التجارب استمرت، وتم الإعلان عن نتائج البحث الذي كان من المفترض أن يتوقف“.

تم منح الباحثين المشاركين في البحث أوسمة في فبراير/شباط عام 2012 من طرف عقيد برتبة كاتب دولة في وزارة الدفاع الأمريكية هو العقيد رسل كولمان، ثم أعلنت وحدة التجهيز والبحوث الطبية الأمريكية عن نتائج بحوث اللشمانيا، وتم الاحتفال بنجاح المرحلة الثالثة من الدراسة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2013.

والعقيد رسل كولمان رجل المهمات الطبية الصعبة في البنتاغون الذي أشرف على مرض إيبولا ومرض اللشمانيا في حرب الخليج، كان مقيما في محافظة سيدي بوزيد أثناء التجارب الطبية التي كان يديرها ويشرف عليها بنفسه، لكن وجود رجل بمثل هذا الحجم في تلك المنطقة يطرح الكثير من علامات الاستفهام.

التجارب الطبية غالبا لا توفر العلاج لهؤلاء المتطوعين بعد إجراء التجارب عليهم

لا بواكي لتونس

بعد أن فشلت كل جهوده التونسية الداخلية وجد شكري المقطوف نفسه محصورا في زاوية ضيقة لا يوجد بها إلا حل وحيد، فقام بمراسلة الخدمات الصحية وحقوق الإنسان بالولايات المتحدة، وأعلمها بإجراء التجارب وما فيها من خروق للإطار القانوني والأخلاقي، وقد تلقى ردا تضمن شكرا على لفت النظر إلى القضية، مع الاعتذار والتأسف لكون الأمر خارجا عن نطاق صلاحياتهم، فالتمويل في هذه التجارب الطبية تابع لوزارة الدفاع الأمريكية، ولا تدخّل ولا رقابة لهم إلا على خطط وبرامج وزارة الصحة الأمريكية أو المؤسسات الخاضعة لنفس القواعد طوعيا.

الأدهى والأمرّ من كل هذا هو أن هذه التجارب الطبية غالبا لا توفر العلاج لهؤلاء المتطوعين بعد إجراء التجارب عليهم، فالدواء إذن لن يقدم لعلاج أطفال سيدي بوزيد، هذا ما كان واضحا في الاتفاقية التونسية الأمريكية المشتركة.

ثقة في العدو

في المرهم الذي تم استخدامه في التجربة الطبية تم استخدام بعض المكونات المعروفة التي أعلن عنها في وصفة المرهم، لكن البعض يرى أنه قد تكون هناك محتويات أخرى لم يتم الإعلان عنها، فقد تكون التجربة تجربة على دواء آخر مختلف عن الدواء المذكور.

وحين سألت معدة الفيلم الوثائقي الطبيب التونسي المسؤول عن التجربة عن المرهم وهل قاموا بفحصه أم تعاملوا معه بمبدأ الثقة، رد قائلا ”ليست مسألة ثقة، ولكن ليس لدينا إمكانيات تقنية كافية لإنجاز تجارب تم إجراؤها في فرنسا، لأنهم يمتلكون مخابر متطورة جدا، وقد اكتفينا بالوثائق الموقعة التي تثبت حقيقة الدواء والتي تم توقيعها في مخابر أجنبية محايدة ومعترف بها دوليا، وهذه هي نفس الوثائق التي تقدمنا بها إلى مصلحة الصيدلة والدواء بتونس“.

يتساءل المستشار القانوني الخاص بالفيلم أصلان بن رجب: لو قلبنا الأمر فقمنا بتجربة الدواء على الجنود الأمريكيين الذين يمنع القيام بالتجارب عليهم، فهل كانت لتتم التجربة دون فحص الدواء أولا؟

يجيب نفسه: لا أظن.

قام بعض الأطباء بالاعتراض على هذه التجارب العلمية التي يتم تطبيقها في تونس على الأطفال القصر

أصابع إسرائيل

بعد أن التف الطبيب المسؤول عن التجربة على سؤال من قام بتصنيع هذا الدواء، أعادت الصحفية السؤال بصيغة أوضح وأكثر تحديدا، فأجاب: لماذا تسألين هذا السؤال؟ لم أفهم.

قامت بإنتاج المرهم الذي تمت تجربته في تونس على مرضى اللشمانيا شركة تيفا الإسرائيلية، عبر فرعها بالولايات المتحدة، وهي شركة إسرائيلية تمد أذرعها في العالم عبر لوبي يتحكم بالدواء في الكثير من البلدان، ولكن الطبيب المسؤول يقول إن الأمر عائد إلى فوزها بطلب العروض على تصنيع الدفعة الثانية من المرهم، وإنه لا بأس باستخدام المنتج ما دام سليما لا يشكل خطرا، وقد مررته وحدة الصيدلة والدواء التونسية، وإن لديه وثائق تثبت أن عملية التوريد وقعت بمقتضى ترخيص منها. كل هذا بالرغم من عدم وجود علاقات تجارية بين تونس وإسرائيل.

حين قام فريق الفيلم الاستقصائي بالتواصل مع الشركة الإسرائيلية من أجل التحقيق والتصوير معهم رفضوا ذلك، بل وأنكروا تصنيعهم للمرهم، لكن عندما أرسل إليهم الفريق وثيقة رسمية تثبت مشاركتهم الفعالة في صناعة الدواء تراجع المشرفون، واعترفوا بإنتاجهم للمرهم لفائدة الجيش الأمريكي حتى عام 2013، ولكنهم توقفوا عن إنتاجه بعد هذا التاريخ، ورفضوا إجراء أي حوار حول الأمر بدعوى أن جميع المشاركين في الابتكار والتصنيع لم يعودوا يعملون في مخبر تيفا.

يقول شكري المقطوف ”مكونات هذا الدواء مسجلة في المنظومة الأمريكية باسم شخصين إسرائيليين هما جوزيف إليون وجيوفري جيكوب“.

رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: التجربة هي جريمة ضد الإنسانية، وجريمة دولة، وسنطلب بمحاسبة ومحاكمة كل من تورط في هذه المأساة

لنا الشقاء ولهم الغَلّة

شاركت تونس في تحقيق طموح أشخاص آخرين دون أي إفادة للشعب التونسي، وتلك معضلة كبرى دائما ما تواجه المشاريع الطبية التجريبية، فعند إجراء بحوث على شعوب البلدان النامية، فإن شعوب البلدان المتقدمة فقط هي من تستفيد من نتائجها.

أوردت مجلة ستارز آند سترايبز التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية مقالا ورد فيه على لسان العقيد آلان ماغيل ”تغيرت نظرة سكان الجنوب التونسي الذي يمثل نصف الجمهورية التونسية حيال الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك مقابل بضعة آلاف من الدولارات، وهناك أطفال ممتنون لذلك“.

وآلان ماغيل هذا إنما هو رجل آخر من رجال وزارة الدفاع الأمريكية كان يشغل منصب مدير وكالة مشاريع البحوث المتطورة دفاعيا ”دربا“، وهي وكالة تبحث في كل أنواع الأسلحة السرية التقليدية البيولوجية والبكتيريولوجية، وتعمل على تطويرها واختبارها، وكان ماغيل في تونس مع العقيد راسل كولمان، وأقام في محافظة سيدي بوزيد.

يرى البعض أن في هذا التصريح الذي ورد على لسان ماغيل نوعا من الاستهزاء إن لم يكن الاحتقار للشعب التونسي الذي تمت تجربة هذا المرهم عليه، بينما يرى البعض أنه إنما يعني أن الاستثمار الذي وقع في تونس لا يقارن بالنتيجة الباهرة الخارقة للعادة التي توصل إليها البحث.

إبان احتلال العراق وجد الجنود الأمريكيون أنفسهم في مواجهة كبرى مع مرض اللشمانيا

لجنة الأخلاقيات.. السلطة الغائبة

يقول سمير بوبكر رئيس لجنة الأخلاقيات الطبية بمعهد باستور ”إن اللجنة إنما تبدي رأيها في الموضوع، من الناحية الأخلاقية، وهذا البحث من الناحية الأخلاقية لا يمثل مساسا بالمبادئ والأخلاقيات الطبية“.

القانون المنظم لمثل هذه التجارب صارم في التأكيد على مسؤولية الهياكل الساهرة على مثل هذه التجارب وأبرزها لجنة الأخلاقيات الطبية، فهي التي تحدد إطار كل تجربة سريرية، والتي تتبع سير البحث لتوجيهه على المواصفات والضوابط التي تضمن حقوق المتطوعين للتجارب، وتراقب مدى نجاحها وانعكاساتها وأعراضها على المرضى خطوة بخطوة.

والموافقة المسبقة لهذه اللجنة ضروري كما هو معمول به في الدول المتقدمة التي تحترم حقوق الإنسان، ولكن في هذه القضية برزت تساؤلات محيرة منها: هل تم تنفيذ قرارات اللجنة والعمل بتوصياتها؟

يقول المستشار القانوني الخاص بالفيلم أصلان بن رجب ”اللجنة لا ترى مانعا من الناحية الأخلاقية للتجربة في حين أنها مطلعة على أن التجارب تمت تجربتها على القصر، أين الأخلاقيات من كل هذا؟“.

أصيب بهذا المرض الجلدي ثلاثة آلاف جندي أمريكي وصمتهم به لدغة بعوض

من المسؤول؟

كلما توجهتَ إلى رأس هرم الصحة سواء الوزير الذي بدأت في عصره أو غيره من الوزراء أحالك إلى معهد باستور المنفذ للتجربة، وذلك بحجة أنه مجرد عامل إداري لا علم له بالتفاصيل، فإذا طرقت أبواب باستور أعادك المسؤولون بمن فيهم المدير إلى وزارة الصحة، بحجة أنها هي الجهة المرخصة للتجربة، وهكذا دواليك يتقاذفون المسؤولية بينهم، فالكل يتملص من مسؤوليته ويفترض المسؤولية في شق آخر.

وزير الصحة الذي بدأت التجربة في عصره قال ”لا علم لي بشيء من هذه التجربة التي تم تنفيذها على القُصّر، ومن خرق القانون فإنما إثمه عليه، ونحن لم نعط تعليمات بإجراء التجارب على أطفال قصر“.

وقال وزير الصحة الذي انتهت التجربة في عهده ”إذا كنتم راغبين في التفاصيل فتوجهوا رأسا إلى الباحث وإلى إدارة معهد باستور، وقولوا بعثنا الوزير الأسبق“. وأضاف ”إذا كان هناك من يستطيع تزويدك بالمعلومات فهو الوزير السابق المسؤول عن الأمر“.

وقال الطبيب المسؤول عن إجراء التجربة ”من جهتنا حصلنا على كل التراخيص اللازمة، واستوردنا المنتج بطريقة قانونية على أساس ترخيص استيراد، وصلني كل شيء موقعا من وزارة الصحة، وكنت بنية حسنة أعتبر أني أؤدي عملا يخدم أطفال سيدي بوزيد“.

وأضاف طبيب آخر مسؤول في التجربة ”إن مساهمتي مساهمة بسيطة، فقد كانت على مستوى الملفات ولم تكن مباشرة على الميدان“.

قامت بإنتاج المرهم الذي تمت تجربته في تونس على مرضى اللشمانيا شركة تيفا الإسرائيلية

جريمة ضد الإنسانية

يقول رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان عبد الستار بن موسى ”هي جريمة ضد الإنسانية، وجريمة دولة، وسنطلب بمحاسبة ومحاكمة كل من تورط في هذه المأساة، سواء بالتستر أو بالمساعدة“.

خلاصة الأمر أن الجيش الأمريكي قام بتجربة منتج إسرائيلي على مواطنين مدنيين تونسيين في تطوع مندرج تحت قانون عسكري أمريكي، وذلك في خرق واضح لقوانين الدولة التونسية التي تحجر التجارب على الأطفال القصر، والتعويض للراشدين مقابل تطوعهم، وخرق واضح لمعاهدة هلسينكي التي حددت شروط القيام بالتجارب الطبية، وحددت أيضا أن هذه التجارب يجب القيام بها باحترام أخلاقيات وقوانين الدول التي تقع فيها.

تقول المحامية والباحثة القانونية فاطمة بن براهم ”لا بد للعالم ككل وبالأخص الشعب التونسي أن يفهم حقيقة ما جرى في بلاده من اعتداء على هويته وعلى القوانين المحلية والدولية التي تنظم المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وهذا حق من حقوقه“.

وبينما تم الاعتذار لآخرين في أماكن أخرى من المعمورة على لسان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أعلى سلطة في الولايات المتحدة، فإن التونسيين لم يحصلوا إلا على تكريمات لمن ارتكبوا تلك الجريمة بحقهم، وبينما اعترفت أمريكا بالعار في جرائمها في أماكن أخرى فإنها احتفلت بنجاح جريمتها في تونس.

تقول الخبيرة في الأخلاقيات الطبية هاريوت واشنطن ”ولكن ما قيمة الاعتذار؟ هل يمكن أن تنتظر الشعوب شيئا ما من الاعتذار؟ هل يمكنه التقليل من احتمالات إعادة نفس الخطأ في المستقبل؟“

شاركت تونس في تحقيق طموح أشخاص آخرين دون أي إفادة للشعب التونسي

معاهدة روما.. آخر سياط المحاسبة

وضعت معاهدة روما في الأصل لتضمن بصفة عامة حقوق الأوروبيين والأمريكيين فقط، إلا أن تونس انضمت إلى هذه المعاهدة فيما بعد، وبالتالي فإن المحكمة الجنائية الدولية أصبح بمستطاعها بموجب ذلك أن تحاكم المسؤولين أو حتى الدول على هذه الجريمة، فلا بد من وضع حد لهذه المسألة حتى لا تتكرر مرة أخرى؛ لأن فيها اعتداء على الشعب والوطن في تونس والوطن العربي كله.

تقول المحامية والباحثة القانونية فاطمة بن براهم ”دائما ما تسبق أمريكا وإسرائيل في الإمضاء على المعاهدات، ولكن في الإمضاء فقط وليس في المصادقة، وبالتالي فإن أردنا اليوم أن نضع الأمريكيين أو الإسرائيليين في قفص الاتهام باستخدام القوانين الدولية، فإننا لن نستطيع“.