تقارير

كان 2019.. لاعبو الكرة بين إغراء السياسة ولهيبها

 

خاص-الوثائقية

فوق العشب الأخضر للملاعب التي تحتضن مباريات كأس الأمم الأفريقية حاليا، وذلك منذ 21 يونيو/حزيران الأخير، لا تتدحرج الكرات المليئة بالهواء فقط، بل تتدحرج معها الكثير من الحسابات والاعتبارات السياسية التي تكاد لا تخلو منها أي من التظاهرات الرياضية.

في أفريقيا هناك قصة خاصة بين الشعوب وبين كرة القدم، حيث كانت هذه اللعبة من أولى واجهات الوقوف أمام المستعمر ومواجهته ندا لند، ومحاولة التغلّب عليه ولو داخل رقعة الملعب المستطيل الصغيرة.

حين تحوّلت لعبة كرة القدم إلى سوق عالمية يقدّر رقم معاملاتها بالمليارات، أصبحت بالنسبة للآلاف من أطفال وشباب القارة السمراء حلما يدغدغ أحلامهم لما تعنيه من انعتاق من ربقة الفقر والالتحاق بعالم النجومية والاحتراف في الأندية الأوروبية الكبرى.

اليوم وقد أصبحت أفريقيا واحدا من أكبر المصادر التي تزوّد سوق لاعبي كرة القدم العالمي بالدماء الجديدة كل سنة، وفي الوقت الذي بات لأفريقيا نجومها وأيقوناتها في مجال كرة القدم، بات اللاعبون الأفارقة في قلب معترك السياسة، فمنهم من دخلها مستثمرا رصيده من الشعبية ليعتلي المناصب بعد ترشحه للانتخابات، ومنهم من استسلم لآلة التوظيف السياسي من طرف النظام السياسي لبلده، فيما اختار آخرون الجهر برأي مخالف واكتووا بنيران السلطة.

جورج ويا تمكّن من الوصول إلى أعلى منصب سياسي في بلاده

جورج ويا.. هداف في القصر الجمهوري

التاريخ متمم يناير/كانون الثاني 2018، والمكان العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والحدث قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي. جميع القادة المشاركون في القمة يلِجون القاعة الكبرى لمقر المنظمة في هدوء تحفّه الجلبة المعتادة في مثل هذه المناسبات جراء تبادل عبارات المجاملة والسلام بين أعضاء الوفود.
لكن قائداً أفريقياً واحدا لفت إليه الأنظار وجمع حوله الصحفيين والمصورين، ليتحلقوا حول مكان جلوسه، إنه الرئيس الليبيري جورج ويا، هذا القادم من تجربة باهرة في ملاعب كرة القدم باعتباره من أكبر نجوم القارة الأفريقية في هذه اللعبة، جعل لأول مرة أرجاء قاعة نيلسون مانديلا تهتز بالهتاف والتحايا تماما كما يحدث في الملاعب الرياضية، حين قام رئيس الجلسة بتلاوة اسمه ضمن القادة الأفارقة الذين يحضرون القمة لأول مرة بعد انتخابهم.

جورج ويا تمكّن من الوصول إلى أعلى منصب سياسي في بلاده بعدما تحوّل في تسعينيات القرن الماضي إلى واحد من أيقونات كرة القدم في أفريقيا، إلى جانب أسماء مثل الكاميروني روجي ميلا والزامبي كالوشا بواليا، لينجح ”ويا“ في تحويل رصيده من النجومية والشعبية إلى أغلبية أصوات حصل عليها عام 2017 ليصبح رئيسا لليبيريا.

فرغم نجوميته وشعبيته الواسعة، فإن ”ويا“ احتاج أكثر من عشر سنوات كي يصل إلى منصب الرئيس، فقد ترشّح أول مرة عام 2005 ولم ينجح سوى عام 2014 في دخول البرلمان، قبل أن تأتي المحاولة الناجحة في الانتخابات الرئاسية لعام 2017.

في نهاية مباراة عام 2005 قام دروغبا بحمل ميكروفون أثناء النقل التلفزيوني المباشر للمباراة، وخاطب شعبه المنقسم حينها داعيا الطرفين إلى إلقاء السلاح واستعادة الوحدة

إيطو ودروغبا.. الشائعة والوساطة

لاعبون أفارقة آخرون سلّطت عليهم أشعة السياسة وإن بطرق مختلفة، مثل النجمين العالميين الكاميروني صامويل إيطو والإيفواري ديديي دروغبا.
في حالة الأول، يتعلّق الأمر بشائعة انتشرت في بداية 2018، مفادها أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية، وصادف ذلك فترة ما بعد انتخاب جورج ويا رئيسا لليبيريا، ووقوع اضطرابات سياسية وإثنية داخل الكاميرون، مما أدى إلى موجة قوية من المشاعر المتضاربة لم تقتصر على الكاميرون وحدها بل شملت الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية، نظرا للشعبية الكبيرة التي يتمتع بها إيطو، قبل أن يتم تكذيب الخبر الذي يكاد يفوق في أهميته إعلان حشد عسكري الزحف على النظام السياسي القائم لإسقاطه.

في مقابل ذلك حصل زميل سابق لجورج ويا في نادي ”باري سان جيرمان“ الفرنسي، وهو اللاعب الإيفواري بونافونتور كولو، على منصب عمدة مدينة ”فافوا“ ذات النصف مليون نسمة، وذلك في أواخر العام 2018، أي تزامنا مع انتخاب جورج ويا رئيسا لليبيريا.
النجم الإيفواري الذي لا يقل شعبية ونجومية، ديديي دروغبا، تولى في المقابل لعب دور سياسي شديد الأهمية داخل بلاده، لكن بعيدا عن معترك الانتخابات والسعي إلى المناصب.

فقد قام دروغبا في نهاية مباراة مشهودة قاد خلالها منتخب بلاده إلى الفوز على نظيره السوداني في أكتوبر/تشرين الأول 2005 نحو التأهل إلى مونديال جنوب أفريقيا للعام 2006؛ بحمل ميكروفون أثناء النقل التلفزيوني المباشر للمباراة، وخاطب شعبه المنقسم حينها بين شمال متمرد وجنوب موال للحكومة، داعيا الطرفين إلى إلقاء السلاح واستعادة الوحدة. كان المشهد شديد التأثير حيث انكفأ دروغبا على ركبتيه محاطا بباقي لاعبي المنتخب، ولم يمض إلا أسبوع واحد حتى تحققت أمنيته وعاد التوافق.

انتشرت شائعة في بداية 2018، مفادها أن الكاميروني صامويل إيطو سيترشح للانتخابات الرئاسية

شكرا لخدماتك.. وداعا

نجوم الكرة لا يدخلون عالم السياسة دائما من أبوابه الكبيرة، سواء ليحصلوا على المناصب أو ليقوموا بمهام سياسية ذات بعد إنساني ووطني كبير، بل إن هذه الكائنات الحائزة على قدر كبير من الشعبية والثقة تتحوّل أحيانا إلى صيد ثمين يقتنصه السياسيون كي يمتصوا شعبيته ويلمعوا صورتهم ثم سرعان ما يتخلصون منهم.

نموذج هذه الحالة هو اللاعب الغيني الذي أوصلته موهبته الاستثنائية للعب في صفوف فريق ”ليفربول“ الإنجليزي، وهو اللاعب تيتي كامارا.
فقد تلقى هذا الأخير دعوة من الرئيس الغيني ألفا كوندي سنة 2010 كي يلتحق بصفوف الحكومة ويصبح وزيرا للرياضة، لكنه سرعان ما تلقى الشكر على خدمته التي أسداها من خلال دعم الحكومة بسمعته ونجوميته، ليتم التخلي عنه عام 2012.

تيتي كامارا عاد بعد عاميه اللذين قضاهما وزيرا ليمارس مهام مشابهة لتلك التي دأب عليها منذ اعتزاله اللعب سنة 2000، أي الإشراف التقني على أحد الأندية الغينية، وهو ما يعني أن ضمّه إلى الحكومة لم يكن سوى وسيلة لاستثمار شعبيته لصالح الحكومة .

عمل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على استثمار التظاهرة الرياضية الأكبر التي تنظم في القارة الأفريقية

السياسة تخيّم على ”ألكان“ المصري

علاوة على الأبعاد السياسية التي ترافق جلّ التظاهرات الرياضية، خاصة منها المتعلقة بكرة القدم، حملت الدورة التي تنظمها مصر حاليا لكأس الأمم الأفريقية، شحنة سياسية، حيث جرى نقل تنظيمها من الكاميرون التي أعلنت عجزها عن احتضان الدورة، إلى مصر قبل شهور قليلة من موعد الافتتاح.
وعمل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على استثمار التظاهرة الرياضية الأكبر التي تنظم في القارة الأفريقية، من خلال زيارته الملاعب ولاعبي المنتخب المصري والتقاطه الصور رفقتهم قبل انطلاق الدورة.

ذروة حضور البعد السياسي في ”ألكان“ 2019 كانت حين اضطر المنتخب الجزائري إلى المرور عبر العاصمة اللبنانية بيروت، كمحطة ”تقنية“ في رحلته من العاصمة القطرية الدوحة إلى القاهرة بعدما خاض معسكره التدريبي في قطر.

لم يكن المنتخب الوطني الجزائري قادرا على التوجه مباشرة من قطر نحو مصر بسبب الحصار الذي تفرضه كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر على الرحلات الجوية المنطلقة من الدوحة، حيث تمنعها من دخول مجالها الجوي، كما تمنعها من توجيه رحلات مباشرة نحو مطارات الدول الأربع، وهو ما جعل طائرة المنتخب الجزائري تقوم بهبوط ”تقني“ في بيروت.

لم يكن المنتخب الوطني الجزائري قادرا على التوجه مباشرة من قطر نحو مصر بسبب الحصار

من ”ساجدين“ إلى ”فراعنة“

وحضرت الاعتبارات السياسية الإقليمية الخاصة بالمنطقة العربية بقوة رغم أن الأمر يتعلّق ببطولة أفريقية، وذلك نظرا للدور الذي أصبحت ملاعب كرة القدم وجماهيرها تلعبه في السنوات الأخيرة في المنطقة العربية. وأصبحت الأندية الكروية وألتراس الجماهير تتصدر المعارك المرتبطة بالحقوق السياسية والاجتماعية وتلك الخاصة بالهوية والعرق والأيدولوجيا.

الدراسات المنجزة تقول إن نوادي كرة القدم في المنطقة العربية حملت منذ تأسيسها بعض التوجهات والميول السياسية أو الأيدولوجية، سواء كانت مؤيدة للاستعمار أو مؤيدة للملكية أو القومية أو غير ذلك. فناديا الأهلي والزمالك ارتبطا تاريخيا بتأييد الأول للثورة لدرجة أصبح معها جمال عبد الناصر قائدا له، بينما ظل الثاني يعتبر مواليا للملكية والاستعمار.

ربطُ المنتخب المصري بالأجندة السياسية للنظام بلغت درجة تحويله من ”فريق الساجدين“ إلى ”فريق الفراعنة“ حاليا، فيما دفعت ”ألتراس“ الجماهير ثمنا غاليا بعد أحداث بور سعيد الشهيرة عام 2012، حيث جرى قص أجنحتها بعد انخراطها في الفعل الثوري الذي انطلق عام 2011.

ربطُ المنتخب المصري بالأجندة السياسية للنظام بلغت درجة تحويله من ”فريق الساجدين“ إلى ”فريق الفراعنة“

”شهداء“ الكرة والسياسة

في مقابل كثير من اللاعبين الذين يقبلون أداء أدوار مرسومة لهم في مربع السياسة لفائدة الأنظمة، يوجد آخرون يرفضون ذلك ويدفعون ثمن موقفهم هذا.
أبرز هؤلاء على الإطلاق في المجال الأفريقي العربي، هو نجم المنتحب المصري السابق محمد أبو تريكة، الذي باتت سلطات القاهرة تدرجه ضمن قوائم الإرهاب وتصادر أمواله بسبب مواقفه السياسية المستقلة.

قصة معاناة أبو تريكة بدأت بعد تولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد بعد رحيل مبارك ونظامه، وخاصة مع وقوع مذبحة بورسعيد الدامية التى سقط فيها 72 من جماهير النادي الأهلي المعروفة بالأولتراس. فقد رفض أبو تريكة الذي يلقّبه البعض بـ“القديس“ مصافحة المشير محمد حسين طنطاوي عند استقباله الفريق فى المطار إثر عودته من بورسعيد عقب المجزرة التي وقعت في نهاية مباراة المصري البورسعيدي مع الأهلي.

معاناة أبو تريكة تضاعفت بعد تعاطفه مع الإخوان المسلمين الذين تم التنكيل بهم، ورفضه الانخراط في انقلاب 30 يوليو/تموز الشهير الذي أطاح بالرئيس المصري السابق الراحل محمد مرسي.

من ”شهداء“ الموقف السياسي المستقل أيضا، يوجد نادر السيد، حارس مرمي الزمالك والأهلي والاتحاد ومنتخب مصر الأسبق، والذي انخرط في ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بميدان التحرير، وكان من أوائل النازلين إليه للثورة في وجه مبارك ونظامه، وبقي فيه حتى تنحي مبارك في 11 فبراير/شباط من العام نفسه، وبات نادر السيد منذ ذلك الحين من أعداء النظام السابق في مصر، وفقد بذلك علاقاته بالوسط الرياضي.

قصة معاناة أبو تريكة بدأت بعد تولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد بعد رحيل مبارك

المرابطون.. لاعبون يوحدون موريتانيا

لم يسلم من طيف السياسة حتى آخر الوافدين العرب على قائمة المشاركين في كأس الأمم الأفريقية. فالمنتخب الموريتاني الذي تأهل للمرة الأولى في تاريخه إلى النهائيات، وجد نفسه منذ لحظة تأهله تحت مجهر السياسة، بسبب انتماء جل اللاعبين إلى ”قومية الزنوج“، والتي تعتبر موضوع خلافات سياسية داخل موريتانيا، خاصة منذ أحداث 1989 التي يُتهم فيها نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع بالتصفيات العرقية.

مشاركة المنتخب الموريتاني للمرة الأولى في كأس الأمم الأفريقية فتح أعين الموريتانيين على إمكانية الوحدة رغم الاختلاف العرقي أو الفكري أو السياسي. وسمحت مباريات المنتخب الموريتاني، رغم أدائه الذي لم يسمح له بالعبور نحو الدور الموالي، بتحقيق وحدة ظل الجميع يعتبرها بعيدة المنال بين الموريتانيين إزاء موضوع شديد الحساسية.

إشكالية أخرى حلّها منتخب المرابطين، تتمثل في الديانة المسيحية للاعب المحترف ”دومينيك دا سيلفا“ الذي بدأ باللعب من حي ”دار النعيم“ أحد أفقر أحياء العاصمة نواكشوط. وبعد الجدل الذي أثير بشأن ديانته المسيحية ومدى انتمائه للمجتمع الموريتاني خلال السنوات الأخيرة، تمكن الأخير من الحصول على الجنسية الموريتانية ليكون عنصرا أساسيا في تشكيلة المنتخب الوطني.

المنتخب الموريتاني وجد نفسه منذ لحظة تأهله تحت مجهر السياسة، بسبب انتماء جل اللاعبين إلى ”قومية الزنوج“

الجزائر والمغرب.. خاوة خاوة

وجه مشرق آخر من أوجه حضور السياسة في ”ألكان“ 2019 حقّقته حملة ”خاوة خاوة“ التي أطلقها مشجعو المنتخبين الجزائري والمغربي لتجاوز الخلافات السياسية بين البلدين ومؤازرة بعضهما البعض في هذه البطولة. وساعد لعب المنتخبين في المدينة نفسها، القاهرة، في هذا التلاحم بين جمهوري البلدين، حيث كانا يتحدان في تشجيع الفريقين.

الحملة التي لقيت رواجا كبيرا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، شكلت صرخة في وجه سياسيي البلدين الذين يكاد لا يمر يوم دون أن يتبادلوا الاتهامات. وتعتبر الحدود البرية بين المغرب والجزائر مغلقة منذ العام 1994، ويضطر مواطنو البلدين إلى استعمال الرحلات الجوية للتنقل من دولة إلى أخرى.
وقد انتقلت عدوى حملة ”خاوة خاوة“ إلى الإعلام الجزائري، بعدما قامت قناة ”الشروق نيوز“ الجزائرية بتسمية أحد برامجها المواكِبة لبطولة أفريقيا للأمم بـ ”خاوة خاوة“ من خلال استدعاء صحفيين يُمثّلون المغرب والجزائر ومصر وتونس في خطوةٍ لإحياء اتحاد المغرب العربي.