تقارير

الآثار الإسلامية في القدس.. العثمانيون كانوا هنا

خاص-الوثائقية

70% من الآثار القائمة في القدس هي آثار عثمانية

“أمَرَنا بإنشاء هذا السور المبارك مولانا السلطان سليمان ابن السلطان سليم، خلّد الله ملكه وسلطانه بتاريخ 747”.. نقشت هذه الكلمات على سور القدس الشريف عندما بسطت الخلافة العثمانية سلطانها على مدينة القدس قبل أكثر من 600 عام، وقررت حمايتها وعمارتها وجعلها ملتقى للحضارات.

وعلى مر التاريخ تركت الدول والحضارات بصماتها على مدينة القدس، لكن الآثار العثمانية كانت الأكثر جمالا ورسوخا وصمودا، كما تُحدث بذلك الأسوار والزخارف والأقواس والقباب والقلاع والأوقاف وقنوات المياه.

وبينما تواصل إسرائيل عمل الليل بالنهار لطمس الإرث الإسلامي في القدس، تتجول الجزيرة الوثائقية في التاريخ وتسلط الضوء على الكنوز المعمارية في المسجد الأقصى والأرض المباركة من حوله.

يحمل وثائقي الجزيرة عنوان “الآثار العثمانية في القدس”، ويتنقل بين الحرم القدسي وإسطنبول ليحكي قصة دخول الخلافة العثمانية للمدينة وتحصينها بالأسوار والقلاع، وصولا إلى مرحلة ازدهارها ثقافيا واقتصاديا، وانتهاء بضعف الدولة العثمانية وتنامي أطماع اليهود في فلسطين، ثم قيام ما يسمى اليوم بإسرائيل.

في حديثه للوثائقي، يقول مدير مؤسسة “ميراثنا لرعاية الأوقاف العثمانية في القدس” محمد ديمرجي إن الرموز العثمانية في كل مكان، في الأسوار والأسواق والحارات، كل السلاطين اهتموا بترك بصمتهم”.

وبينما يشير محمد ديمرجي إلى أن 70% من الآثار القائمة في القدس هي آثار عثمانية، يقول مدير الأرشيف العثماني في إسطنبول أوندر باير إن أكثر الاستثمارات في القدس كانت في عهد الدولة العثمانية.

فَجر السلاطين

يوضح الوثائقي أن أول من حكم المدينة من بني عثمان كان السلطان سليم وبعده ابنه السلطان سليمان القانوني.

منذ معركة حطين الشهيرة بين الصليبيين والمسلمين بقيادة صلاح الدين الايوبي، ظلت القدس بلا أسوار إلى أن قرر الخليفة العثماني سليمان القانوني تسويرها من جديد.

احتضن السور المدينة وأمّنها، وحينها شعر المستثمرون بالأمان وتضاعف سكان القدس في أقل من عشر سنوات، كما يروي الدكتور نظمي الجعبة رئيس قسم التاريخ في جامعة بير زيت.

ومن باحات المسجد الأقصى المبارك تنتقل الكاميرا إلى إسطنبول مرة أخرى حيث تتجول في الأرشيف العثماني، وتسلط الضوء على صور نادرة يظهر فيها اكتمال أعمال السور.

في الركن الشمالي الغربي للقدس تقع القلعة القديمة، والتي كانت مهجورة ومدمرة قبل أن يأمر السلطان سليمان القانوي بإعادة بنائها.

وتظهر في الوثائقي صور قديمة للقلعة التي ظلت على مدى قرون مقرا للجيش العثماني ومركزا لإدارة المدينة سياسيا ودينيا.

شرعية الدولة

اهتمام الخلافة العثمانية بالقدس علّق عليه رئيس الحركة الإسلامية بالخط الأخضر الشيخ رائد صلاح بقوله “السلطان سليمان حاول أن يجعل من القدس ملتقى للحضارات والأمة الإسلامية بتجارها وعلمائها”.

ويشير مدير قسم المخطوطات في المسجد الأقصى نجاح بكيرات إلى أنه كان ضروريا أن تجسد الدولة العثمانية قدرتها على حماية الحرم (المكي والنبوي والمسجد الأقصى) لتؤكد شرعيتها، “فوجود المدن بحالة جيدة يعكس قوة الدولة واحترام المسلمين لها”.

ويعطي الوثائقي حيزاً مهما لمسجد قبة الصخرة الذي بُني في عهد عبد الملك، ويحيط بالصخرة التي عَرج منها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى. فقد اعتنى العثمانيون بهذا المسجد كثيرا وكُسيت قبته بالرصاص وطرزت بسورة “يس” في عهد السلطان سليمان القانوني. أما المسجد القبلي فقد توافد إليه المهندسون العثمانيون ورمموه.

بِرَك سليمان

لكن تسوير المدينة وحمايتها بالجيش ومدها بالمعماريين لم يكن كافيا لخلق الاستقرار، إذ كان شح المياه يهدد سكان القدس، مما وضع تحديا جديا أمام خطط السلطان سليمان لإنعاشها.

وقد نجح السلطان في كسب هذا التحدي بعد تنفيذ مشروع برك سليمان الذي يعتبره الإنجاز الأهم في حياته.

تقع البرك في بيت لحم على بعد 20 كيلومترا من القدس، وقد حفرت على طول هذه المسافات قنوات تجري مياهها في مسارات معينة حتى تصل للقدس لتتوزع في الحارات وفي أماكن تجمع الناس.

وقد وصل الماء إلى ساحات المسجد الأقصى، وكانت نقاط المياه يومها مكانا يجتمع الناس حوله ويتحدثون في شؤونهم.

أول من حكم المدينة من بني عثمان كان السلطان سليم وبعده ابنه السلطان سليمان القانوني

من القدس إلى إسطنبول

كانت العناية بالقدس مصدرا لتأكيد شرعية الخلفاء العثمانيين وانجذاب الناس لهم، فالدولة لم تقصر في فهم هذه النقطة.

والمعمار العثماني لا يزال ماثلا للعيان في بيوت القدس وأسواقها، وقد أدخل العثمانيون ثقافة بناء الشرفات والأقواس.

لم تتوقف الخلافة العثمانية عن العناية بالقدس، فقد حافظ كل الخلفاء على النهج الذي رسمه سليمان القانوني.

وفي عام 1906 شيد السلطان عبد الحميد برج الساعة في القدس وأنشأ بها محطة سكك حديدية تربطها بالباب العالي في إسطنبول.

لم تتوقف الخلافة العثمانية عن العناية بالقدس، فقد حافظ كل الخلفاء على النهج الذي رسمه سليمان القانوني

الكيد الصهيوني

وعندما بدأ الضعف يدب في جسد الخلافة دفعت القدس الثمن وباتت في مرمى أطماع الحركة الصهيونية التي كانت تخطط بدعم من الدول الأوروبية لإقامة دولة يهودية في فلسطين.

ويسلط وثائقي الجزيرة الضوء على تشبث الخلافة العثمانية بفلسطين ورفض خضوعها لأي جهة غير إسلامية.

ومع أن السلطان عبد الحميد الثاني ورث تركة مثقلة بالهموم، فإنه رفض مساومة اليهود له بأن يسددوا كل ديون الدولة العثمانية مقابل التنازل عن فلسطين.

وطيلة حكم السلطان عبد الحميد، عجزت الحركة الصهيونية عن الحصول على أي وثيقة يمكن أن تغير من وضع القدس القانوني لصالح اليهود.

وفي الحقيقة، فإن الدولة العثمانية كانت تدرك المشروع الصهيوني وترفض التجاوب معه، لكنها كانت عاجزة عن إفشاله.

وعندما حرّم السلطان عبد الحميد هجرة اليهود لفلسطين وبيع عقاراتها لهم احتالوا على هذا الأمر واشتروها تحت أسماء مسيحية.

ويروي المؤرخ التركي مصطفى أوجلان أن يهود أوروبا ساوموا الإمبراطورية العثمانية لدفع رواتب الجند والموظفين، لكن السلطان عبد الحميد قاوم كل الإغراءات ورفض لقاء زعيم الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل.

ولم يكتف السلطان بالرفض، إنما توضح الوثائق التاريخية استعداده لخوض المعارك لحماية القدس، وينقل عنه قوله “سوف نغطيها بدمائنا، وفلسطين لن تُقسم إلا على جثثنا”.

طيلة حكم السلطان عبد الحميد، عجزت الحركة الصهيونية عن الحصول على أي وثيقة يمكن أن تغير من وضع القدس القانوني لصالح اليهود

محنة سايكس بيكو

لكن شمس بني عثمان غربت بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وأجهز الأوروبيون على “الرجل المريض”.

وفي هذه المرحلة يتتبع وثائقي الجزيرة ملامح تحقيق الأطماع اليهودية في الأرض المباركة.

وفي عام 1916 وقعت فرنسا وبريطانيا اتفاقية سايكس بيكو لتقاسم الوطن العربي الذي كان خاضعا للعثمانيين، ووقَعت فلسطين في نصيب بريطانيا.

وفي هذه الحقبة، ضاعف اليهود جهودهم لتلمك العقارات في القدس وتشكيل العصابات المسلحة.

وفي عام 1948 انسحبت بريطانيا من فلسطين وأعلنت إسرائيل عن دولتها، وفي ذلك العام احتل اليهود القدس الغربية ولم يستطيعوا احتلال القدس الشرقية والبلدة القديمة.

في عام 1916 وقعت فرنسا وبريطانيا اتفاقية سايكس بيكو لتقاسم الوطن العربي الذي كان خاضعا للعثمانيين، ووقَعت فلسطين في نصيب بريطانيا

حقبة التهويد

لكنهم احتلوا كامل المدينة المقدسة في حرب يونيو/حزيران 1967، لتبدأ عملية التهويد وطمس الآثار وخصوصا العثمانية منها.

كانت حارة المغاربة أول أثر أزاله الصهاينة. وهي ساحة كان يسكنها المغاربة القادمون للقدس، وقد بناها الأيوبيون ورمّمها العثمانيون ووسعوها.

وفي 1969 أشعل يهودي متطرف النار بالمسجد الأقصى واحترق الخشب العثماني الذي كان يزينه من الأعلى وكذلك معظم الآثار بما فيها ثريا السلطان عبد الحميد ومنبر صلاح الدين.

ويغطي الوثائقي عمليات التهويد والتخريب التي تتالت طيلة العقود الماضية. ففي 1976 تحولت قلعة القدس إلى مركز لشرطة الاحتلال ثم إلى متحف يحمل اسم “قلعة داود”.

لكن النقوش والزخارف لا تزال داخل مسجد القلعة، لتقول للزوار والسياح إن العثمانيين كانوا هنا، فيما فشلت الحفريات الإسرائيلية حول الأقصى في العثور على أي أثر يربط اليهود بالمكان.