أخبار

الكتاب والقراءة.. هل أفلت شمسهما في العالم العربي؟

وجدي الماجري

حفظ الكتاب المطبوع سهل ويدوم لسنوات طويلة، في حين أن وسائل التخزين الإلكترونية قد تتلف من أول صدمة أو عطل تقني

في ظل الطوفان الرقمي الذي أغرق العالم بالعلم والمعرفة وحوّله إلى قرية صغيرة، ابتكر الكتاب الإلكتروني ليُنافس نظيره الورقي، وسرعان ما اكتسح الساحة الثقافية وذاع صيته بين الناس خاصة بعد اختراع الشاشات الإلكترونية التي تضاهي الصفحات الورقية للكتب، وأصبح ممكنا اكتشاف محتوى الكتاب باستخدام جهاز الحاسوب أو الأجهزة الكفيّة أو من خلال أجهزة مخصصة لذلك مثل ”آيفون“ و“أندرويد“.

لا شك في أنّ لكل من الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني فوائد وعيوبا، لكن في ضوء التقدم التكنولوجي الرهيب الذي يشهده العالم تراجعت مكانة الكتاب المطبوع لحساب الكتاب الإلكتروني، كما سجلت الإحصاءات الدولية عُزوفا للقارئ العربي عن القراءة، الأمر الذي دفع ببعض الدول العربية إلى اتخاذ التدابير اللازمة من أجل أن يعود الكتاب إلى المضمار المعرفي بقوة ويحتل الصدارة مرة أخرى.

 

الورقي والرقمي.. أيهما يبقى؟

إثر التحديث الذي طرأ على النسيج الثقافي العالمي وطغيان العولمة، برزت الثقافة الإلكترونية في صورتها الجذابة والأنيقة التي استقطبت عددا هائلا من المثقفين والقراء. فقد فسح حقل الإنترنت المجال لبعض الكُتاب للنشر الإلكتروني، كما غدت شبكة الإنترنت منبرا حُرا وطلْقا لمختلف المدونين والمبدعين سواء من الأدباء أو المفكرين الذين استغلوا الفرصة التي أتيحت لهم على طبق من ذهب ليُروّجوا لِما جادت به قريحتهم من آراء وأفكار بنّاءة ومعلومات قيمة، حتى إن بعضهم قام بتأسيس صحف ومجلات إلكترونية على الشبكة العنكبوتية.

ومع ارتفاع نسق انتشار النشر الإلكتروني، رأى بعض الكُتاب أنّ الخطر بات يُداهم النشر الورقي الذي شهد تقهقرا وانخفاضا في الآونة الأخيرة من حيث نسب المبيعات وإقبال القارئ على الكتاب المطبوع.

وبين مؤيد لهذا المنافس الجديد (الكتاب الإلكتروني) ومعارض له أُثير جدل كبير في الأوساط الأدبية والفكرية، والكل يُروج لوجهة نظره التي يؤمن بها. فالكُتاب الورقيّون -لاسيما الجيل القديم من الأدباء وأصحاب دور النشر- هم من أشد المعارضين للنشر الرقمي، بينما دافع الكُتاب الرقميون -خصوصا الجيل الجديد الذين يجدون سهولة في التعامل مع التقنيات الحديثة- عن الكتاب الرقمي.

صحيح أن هناك حنينا وارتباطا عاطفيا بين القارئ والكتاب المطبوع، إضافة إلى طقوس القراءة الشائقة من لمس للورق وشم لرائحة الكتاب ووضع الهوامش أثناء القراءة على أطراف الصفحات، إلا أنّ الحقيقة يجب أن تُقال، وهي أن سوق الكتاب المطبوع يشهد انحسارا جليّا أمام مدّ النشر الإلكتروني.

من باب الاحتفاء والاحتفال بالكتاب وتثمينه كَكنزٍ لا يفنى، خُصصت أيام كثيرة لذلك على مدار السنة، ولعل أبرزها اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف في 23 من أبريل/نيسان

الرقمي.. مزايا لا تضاهى

عَرّفت اليونسكو الكتاب في مؤتمر عقدته عام 1964 بأنه مطبوع غير دوري -أي غير منتظم- يشمل 49 صفحة على الأقل بخلاف صفحات الغلاف والعنوان، وأنه مجموعة من الأوراق المخطوطة والمثبتة معا لتكوّن مجلدا من المجلدات بحيث تشكل وحدة ورقية.

أما الكتاب الإلكتروني، فهو كتاب يُنشر بصفة رقمية على الأجهزة الإلكترونية كالحاسوب، وتكون صفحاته مطابقة لمواصفات صفحات الويب. وللحصول عليه يكفي تحميله من موقع الناشر على الإنترنت أو اقتناء نسخة منه على أسطوانة من الأسواق، كما يُرسل بالبريد الإلكتروني من قبل الناشر.

لا يخلو أي ابتكار تقني جديد من مزايا تجعل منه ظاهرة حضارية لافتة، ومن الخصائص التي يتميز بها الكتاب الرقمي سهولة نقله وتحميله على أجهزة متنوعة، وسرعة الوصول إلى محتوياته، وقراءته باستخدام الحاسوب أو أجهزة القراءة والهواتف الذكية. بالإضافة إلى انخفاض ثمنه وضيق مساحة تخزينه مقارنة بالكتاب الورقي. كذلك بالإمكان وصله بالمراجع العلمية وترجمته إلى عدة لغات من خلال تقنية الترجمة الفورية، فضلا عن إمكانية تكبير الخط وتغيير نوعه والتحكم في حجم النص ووضع علامات على الكتاب بمساعدة برامج خاصة تُوفرها الأجهزة الإلكترونية المتطورة.

لا يخضع الكتاب الإلكتروني لقوانين دور النشر فيما يخص عدد النسخ، إذ يمكن نسخه آلاف المرات ودون حدّ، كما يُلغي الكتاب الإلكتروني الحدود الجغرافية والسياسية ويختزل المسافات في دقائق من دون التعرض للرقابة الدولية الصارمة التي غالبا ما تعق عبور الكتاب الورقي وسرعة توزيعه في مختلف أنحاء المعمورة.

يُعدّ الكتاب الإلكتروني صديقا للبيئة والمحيط على خلاف الكتاب الورقي الذي يستهلك الكثير من المواد العضوية في عملية صناعته. وحينما يحل الكتاب الرقمي محل الكتاب المطبوع، فهذا يعني التوقف عن إنتاج أطنان كثيرة من الورق، مما يُقلل من قطع الأشجار ومن كمية النفايات التي تخلفها استخدامات الورق، ومن ثم تسترد البيئة نظافتها وتوازنها. إلا أن البحوث العلمية الحديثة أثبتت أنّ الكتاب الورقي صحي ومريح للعين أكثر من الرقمي خصوصا لمن يُكثر من القراءة على الحاسوب أو أجهزة القراءة الإلكترونية الأخرى.

يُعدّ الكتاب الإلكتروني صديقا للبيئة والمحيط على خلاف الكتاب الورقي الذي يستهلك الكثير من المواد العضوية في عملية صناعته

وأيضا.. لا يخلو من عيوب

انتقد مُناصرو الكتاب الورقي الكتاب الإلكتروني وعدّدوا عيوبا عديدة له، واعتبروا أن ضياع حقوق المؤلفين ودور النشر يعود إلى التوزيع غير الشرعي لنسخ الكتاب الرقمي، وأضافوا أن الكتاب الورقي يُعد مرجعا موثوقا منه على خلاف نظيره الإلكتروني الذي قد يتعرض للقرصنة والعبث بالبيانات الأصلية في أي لحظة.

كما أن حفظ الكتاب المطبوع سهل ويدوم لسنوات طويلة، في حين أن وسائل التخزين الإلكترونية قد تتلف من أول صدمة أو عطل تقني.

ليس هذا فحسب، بل أشاد أهل الكتاب الورقي بالنقص في اقتناء الحواسيب وأجهزة القراءة الإلكترونية من قبل جميع شرائح المجتمع نظرا لارتفاع أسعارها. كما نبهوا إلى أنه ليست كل الكتب متاحة في صورة رقمية، فهناك الكثير منها لا يزال متشبثا بشذى الورق ولون الحبر وعجقة الصفحات بين يدي القارئ.

وفي هذا الصدد، تحدثت أطروحة في الطب النفسي إلى أن الذاكرة الصوَرية أبقى وأكثر رسوخا في ذاكرة المتلقي، مما يعني أن الكتاب الورقي يتفوق على منافسه الإلكتروني في هذا المجال، وذلك لأنّ العين تتعامل مع الجُمل المطبوعة كصُور تترسخ في الذاكرة مباشرة.

في العالم العربي أخذت مشكلة القراءة منحى آخر أشد خطورة نظرا لقلة المبادرات الرسمية والناجعة التي ترمي إلى حل هذه المعضلة

القراءة.. أزمة عربية

إن البوْن بين العالم الغربي والعالم العربي فيما يتعلق بمجال القراءة شاسع. وعلى الرغم من أن ظاهرة العزوف عن القراءة تتسم بالعالمية حسب تحقيقات اليونسكو، فإنها في العالم العربي أخذت منحى آخر أشد خطورة نظرا لقلة المبادرات الرسمية والناجعة التي ترمي إلى حل هذه المعضلة.

لا يُمكن التعويل على المزاج العام للناس لتفسير أزمة القراءة، فهو لا يقاس عليه بالمرة، لأن الأذواق الأدبية والثقافية تختلف من شخص إلى آخر وحسب مقتضيات العصر.

في المقابل، يلعب المناخ الثقافي للعالم العربي دورا أساسيا في غروب شمس الكتاب الورقي عن العادات اليومية. فالكتب العالمية والأكثر شهرة لم تُحقق نسب مبيعات عالية من تلقاء نفسها، وإنما يعود الفضل في ذلك إلى الإعلانات المتواصلة لمدة أشهر قبل صدور الكتاب نفسه. وهذا الضوء الساطع الذي سُلّط على الكتاب، سيصنع فارقا في نسب إقبال القارئ على المنتوج الأدبي، إذْ سيحرص القارئ المهتم وغير المهتم على الحصول على مثل هذا الكتاب الذي أثار ضجة إشهارية ضخمة من باب الفضول أو حُب المعرفة. ولكن هذا النوع من الإعلام والاحتفاء بالإنتاج الأدبي والثقافي خاصة الجيد منه ليس متوفرا إلى حد كبير في المجتمع العربي المعاصر.

ومثلما لمناهج التعليم في البلدان العربية إيجابيات، فإنّ لها سلبيات في حاجة ماسة إلى مزيد من المراجعة والتحديث، أبرزها أنّ البرنامج التربوي العربي لا يُنتج مُتعلما لديه الرغبة في التعلم أكثر. فكأنّ الطالب الجامعي قد أصبح -في اعتقاده- عالِما ومثقفا على نحو مُرضٍ وكافٍ بمجرّد حصوله على شهادة التخرج.

تفاقم التخلف الحضاري في العالم العربي خلال الغزوات الاستعمارية كالعراق وفلسطين خاصة. ثم جاءت الدول المستبدة التي لا تسمح بحرية التعبير والتفكير من أجل كبح المُفكرين وضمان استمرارية مخططاتها السياسية. فليس من صالحها دعم القطاع التعليمي والنهوض بالثقافة، وذلك ينعكس بوضوح في المناهج التعليمية الجامدة أو المُجمّدة لأغلب دول العالم العربي. لذلك فإن التدخل السياسي في الثقافة يُعرقل الازدهار الثقافي بل ويشلّه تماما.

كما ساهمت الأوضاع الاقتصادية المتردية وتضخم أسعار المنتوجات في ضعف القدرة الشرائية للمواطن العربي، مما جعل المثقف يستغني عن شراء الكتب لحساب اللوازم الحياتية الضرورية من مأكل ومشرب ومَلبس.

غير أن هذه الأسباب لا تنفي غياب المسؤولية الفردية باعتبارها سببا وجيها آخر في هذا النفور من الكتاب، وحالة اللاوعي التي يعيشها الشباب في عصر التواصل الاجتماعي والشبكات العنكبوتية والانفتاح الثقافي غير المنضبط والمراقب.

 

الكتاب.. محاولة ردّ اعتبار

بغض النظر عن أزمة الكتاب واكتساح وسائل التكنولوجيا الحديثة للميدان الثقافي والمعرفي، فإنّ العالم العربي سيواكب مرحلة ثقافية انتقالية تتسع فيها قاعدة القُرّاء ويرتفع فيها مستوى الكتاب والذوق العام عاليا في سماء الإبداع والمعرفة. وهذا التفاؤل ليس رفعا للمعنويات وحشدا لآمال زائفة، وإنّما لوجود أدلّة ملموسة كالتغيير الجذري الذي طرأ على الكتاب من حيث مضمونه وجودة إخراجه وأسلوب عرضه، فضلا عن ضخّ كميات كبيرة من الكتب الجذابة في المعارض الكبرى من أجل جَعْلِ الزائر يشعر بالتقصير في حق الكتاب وتحفيزه معنويا، ليُقبل أكثر على اقتناء الكتب ويُعطيه حيزا من وقته اليومي.

ومن باب الاحتفاء والاحتفال بالكتاب وتثمينه كَكنزٍ لا يفنى، خُصصت أيام كثيرة لذلك على مدار السنة، ولعل أبرزها اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف في 23 من أبريل/نيسان، وهو التاريخ الذي يُوافق يوم ميلاد الأديب العالمي شكسبير.

وفي إطار السمو بالكتاب وتعزيز أواصر القراءة، قامت معظم الدول العربية بتنظيم معارض دولية كبرى زاخرة بِكُتب قيمة وأجواء ثقافية بامتياز.

وعلى الصعيد العالمي، يُعد معرض فرانكفورت الدولي للكتاب أكبر تظاهرة دولية ثقافية تُعنى بالكتاب والأدب بصفة عامة. وهذا المعرض الذي يبلغ عمره الآن أكثر من خمسة قرون يُعتبر الأهم في العالم. وفي كل عام، يلتقي هناك عشرات الآلاف من المثقفين والكُتاب والباحثين والناشرين من كل البلدان، مثلما تلتقي أيضا عشرات الآلاف من عناوين الكتب المشوقة والمشهورة من كل الثقافات.

وارتباطا بنفس السياق، فإنّ بعض الدول العربية أصبحت واعية بخطورة أزمة القراءة على النمو الحضاري لها. وهذا الوعي من قبل تلك الدول، قد تُرجم إلى انتهاج سياسات رشيدة تَسعى إلى مجابهة عوامل العزوف عن القراءة، وتُعزّز في المقابل دور الكتاب في محو الجهل والرقي بالفكر. ومن البرامج الفعّالة التي تم تطبيقها، برنامج تنظيم لقاءات للمطالعة والقراءة الجماعية بالفضاءات العمومية مثل الساحات الكبرى والشواطئ والحدائق العامة.

كما شجعت بعض البلدان العربية على إشاعة فِعل القراءة لدى الجيل الناشئ باعتماد ممارسات وسلوكيات وجوائز تحفيزية، وأكّدت أهمية هذه البادرة في المنظومة التعليمية والتربوية.

وفيما يتعلق بمصير الكتاب بشكل عام، فإن معظم الناس يتفقون على أن المؤلفين سيستمرون في ت��ليف الكتب سواء بشكلها الورقي أو بصيغتها الرقمية. وأنّه لا بديل للغات الإنسانية كوسيلة للتفكير وتدوين كل ما توصلت إليه العلوم والخبرات البشرية. وستبقى الكتابة الإبداعية حاجة إنسانية وضرورة ثقافية كما قال الحُكماء ”المعرفة قوة، لذا فإنّ أوهن الأمم، أُمة لا تقرأ“.