أخبار

بدر الكبرى.. أمّ معارك الإسلام

أمين حبلّا

أخذت بدر من التاريخ الإسلامي أسمى مكان وأعظم مزية، فهي عند المسلمين يوم الفرقان الأكبر

على ذلك الكثيب ألحّ الرسول المكرم محمد صلى الله عليه وسلم على ربه أن ينصره على قريش التي خرجت بجيشها الكبير تريد أن تنتقم من جرأة المسلمين على قافلتها التي تمثل شريان اقتصادها.

انطلقت كتيبة من الدعاء من بين أصابع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى عنان السماء، وردد “اللهم إن تَهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض”.

كان يوم السابع عشر من رمضان في العام الثاني من الهجرة النبوية يوما فاصلا في تاريخ الإسلام، ففيه وقعت معركة بدر الكبرى، كان المسلمون يومها أمام معركة وجودية؛ فإما أن تنتصر قريش وتقضي على المسلمين والإسلام وتنتهي الدعوة التي حملت بشكل خاص في مكة لواء مساواة السادة والمسودين والقضاء على عبادة الأوثان وتقليم أظافر زعماء قريش والعرب ليعيشوا عالما جديدا تسجد فيه الأنوف راغمة لرب عظيم، أو أن ينتصر الإسلام وتتواصل المسيرة.

كانت الخيل بأعنّتها وفرسانها تملأ بطن وادي بدر، قريش بألف رجل بين فارس وراجل، تبرق السيوف والرماح على سروج الصافنات الجياد، وتنشد القينات والجواري لأبي جهل عمرو بن هشام وهو يقود قريشا إلى مصارعها، ويسير متبخترا إلى مصير لم يكن يتوقعه.

على العدوة الأخرى من سهل بدر، يقف النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مع ثلاثمئة وأقل من عشرين من صحابته وأوفياء الدين الإسلامي يُعدّون العدة لليوم الفاصل.

هي حرب بين زمنين وبين فكرتين، زمن يبشر بالخير ويسعى لأن يملأ الأرض عدلا، وآخر يسعى جاهدا لأن يدافع عن مكتسباته

لا يوجد تكافؤ مادي بين الجيشين، فقريش متفوقة عددا وعدة، والجيش الإسلامي في وضعية دفاع رغم أنه خرج أولا للهجوم ولقطع الإمداد الاقتصادي عن قريش من خلال السعي للسيطرة على قافلة أبي سفيان بن حرب الزعيم المالي وحكيم قريش. نجت القافلة بذكاء ومبادرة من ابن حرب، وطلب من قريش الرجوع إلى مضاربها وأن تغتنم السلامة، ولم يكن الرأي بمستبعد عند عدد من صناديد قريش، لكن أبا جهل أخذ رأيا آخر وسار بمسيرة أخرى، فقرر تجييش المشاعر واللعب على وتر العصبية والتاريخ والأفق الرحيب الذي سيناله بالانتصار على الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم وأنصاره.

وأمام لهب التحريض من أبي جهل انهزم صوت العقل والحكمة الذي مثله في جيش قريش عتبة بن ربيعة المخزومي سيد قريش الأسن، وحكيم بني زهرة الأخنس بن شريق، عاد الأخنس بحلفائه وأنصاره إلى مكة وتجنب الحرب، أما عتبة فقد استجاب للاستفزاز وقرر أن يكون وابنه وأخاه أول وقود للهب المعركة.

لم تكن تلك البداية، ولم يكن التزايل بين الطرفين جديدا، فرصيد 13 عاما من الإرهاب والتعذيب الذي مارسته قريش ضد النبي صلى الله عليه وسلم يوم صدح في أم القرى بأعلى صوت للإيمان إن ربكم واحد وأنتم سواسية، كان كفيلا بأن يعمق شقة العداوة بين الطرفين الذين لا يمكن أن يلتقيا، مادام المسلمون يدعون ربا واحدا ويؤمنون بمجتمع لا تناقض فيه ولا سلطة لغير العدل والحق والعقل، وما دامت قريش تعبد أربابا متفرقة، وتعيش جاهلية تقسم الناس رغم عبادتهم لأوثان من حجارة إلى أرباب ومربوبين.

أخرجت قريش بعنفها وصلفها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكنهم لم يستطيعوا قطع آصرة الحب التي انغرست في فؤاد ابن آمنة صلى الله عليه وسلم لأفياء أم القرى وظلالها، بل ظل يحن إليها دائما ويبثها أشواق ابن الوطن الطارد “لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت.

هي إذا حرب بين زمنين وبين فكرتين، زمن يبشر بالخير والعدالة ويسعى لأن يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، وآخر يسعى جاهدا لأن يدافع عن مكتسباته، وأن يرد هجمة الدين الجديد.

 

على ضفاف بدر

أخذت بدر من التاريخ الإسلامي أسمى مكان وأعظم مزية، فهي عند المسلمين يوم الفرقان الأكبر، وجيشها المظفر نال رتبة سامية على بقية المسلمين، حيث نالوا بنص أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم غفرانا للذنوب وانفرجت لهم من أبواب الغيث نوافذ فوّاحة إلى الفردوس الأعلى الذي يطلبونه ويؤمنون به كما لو كان رأي العين تصديقا لكل ما يخبر به الصادق المصدوق وحيا عن ربه جل وعلا.

اعتنى المسلمون بكل ما يتعلق ببدر من أسماء الجيش كله، حيث تم ضبطهم بشكل دقيق في دواوين السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ورغم ذلك نالت بدر -أرضا وشهداء- مستويات غير عالية من الاحتفاء في العصور الأخيرة من حكم الأنظمة المتعاقبة على الحجاز، والحاضرتين الأقدس لدى المسلمين مكة والمدينة.

ولا يزال آلاف المسلمين يهرعون إلى صعيد بدر، ليروا مصارع الكفار أعداء الإسلام، وميدان المعركة، حيث قتل هنالك عتبة وابنه وحيث مات أبو جهل تحت قدمي عبد الله بن مسعود الذي كان يسميه رُوَيْعِيَ الغنم، وحيث ضرب فتيان من الأنصار أروع أمثلة الفداء والتضحية من أجل المبدأ، وحيث بكى الصبيان الذين لم يبلغوا سن الحلم لأنهم حرموا من المشاركة في الجهاد ضد صناديد قريش.

اعتنى المسلمون بكل ما يتعلق ببدر من أسماء الجيش كله، حيث تم ضبطهم بشكل دقيق في دواوين السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

القائد الملهم والجيش الرباني

كانت بدر تحولا في تاريخ المسلمين، وانطلاقا فعليا لاستخدام القوة المسلحة بعد 15 سنة من الخضوع لها والعيش تحت نير العسف الذي مارسته قريش بالسيف والسوط والحصار الاقتصادي والأمني والتهجير والتعسف.

جاء الإذن للذين ظُلموا وشردوا بأن يدافعوا عن أنفسهم وأن يجردوا سيف المقاومة بعد أن امتلأت نفوسهم وفاء للعقيدة التي انطلقت من غار حراء فاتحة أول اتصال مقدس بين الأرض والسماء بالوحي الكريم.

تبرز الشخصية القيادية للرسول صلى الله عليه وسلم، في مختلف تفاصيل بدر، كما يبرز التكامل بين البعدين المادي والروحي في التعاطي مع متغيرات الأرض.

يعد الرسول صلى الله عليه وسلم العدة، ويوزع جيشه إلى كتائب وميمنة وميسرة وقلب، يعلن عن شعار محدد وصارم يتعارف به الجنود وهم يخوضون رهج الحرب.

اختار النبي صلى الله عليه وسلم القتال خارج حدود المدينة، لكنه أيضا اختار ميدان القتال بدقة، ولم يلزم جيشه وأنصاره بالخروج إلى الموت وهم يتوقعونه، كان مستحضرا لبنود البيعة مع الأنصار يوم آووه ونصروه، ولم يكن فيها القتال خارج الحدود.

نادى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم “أشيروا عليّ أيها الناس”، تواترت الآراء الصائبة المضمخة بوهج العزيمة والاستعداد للقتال دفاعا عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم الأنصار أنهم المعنيون فحسموا الموقف بسرعة “لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك”.

وهنا حقق النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ أساسيا من مبادئ الحرب وهو الاستقرار النفسي ووحدة الشعور والهدف، ولذلك لم تكن السيوف أمضى من العزائم ولا الرماح أقوى من القلوب.

وواصل القائد الحكيم وضع خطة الحرب بدقة، تتكامل فيها النظرة الثاقبة لنبي الإسلام والآراء النيرة لصحابته الشجعان، فيرى الحبّاب بن المنذر تغيير الموقع والنزول عند نقطة التماس مع الفريق الآخر، والسيطرة على إمدادات جيش قريش من الماء، وحصره في أرض رخوة، ومنعه من الماء الذي هو عصب حياة الإنسان والحيوان في صحراء بدر الفسيحة، وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم مركز القيادة، وأقام حوض السقي وغور باقي الآبار فلن تشرب قريش غير سؤر أحقادها ونجيع الدم الذي سارت من أجله.

ثم بدأ تنظيم الجيش، أخذ الرماة المهرة مكانهم في الصفوف الأمامية حيث سيقومون بصد هجمة قريش، وحيث سيتساقط القتلى واحدا تلو الآخر، مما سيضعف الحماس القرشي ويزيد من البلبلة في الجيش الكبير المنتفش والمغرور.

وعلى أرض بدر أرسلت السماء عيونها، وهنا تدخل القدرة الإلهية لتقسم الأرض إلى خطين متوازين سهل ثابت كثبات الإيمان في قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وآخر مستنقع مهزوز تنغرس فيه أقدام الرجال وحوافر الخيل والإبل، وهكذا انحازت الطبيعة إلى صف العدل وكأنها تصرخ في وجوه قريش: ألم يكفكم ما اقترفتم من آثام وما سفكتم من دماء ومنعتم من حقوق.

لا يزال آلاف المسلمين يهرعون إلى صعيد بدر، ليروا مصارع الكفار أعداء الإسلام، وميدان المعركة

مصارع الطغاة

أخذ أبو جهل على عاتقه النفخ في لهب الحرب والتحريض الإعلامي، وأمر أحد الموتورين ضد المسلمين بأن يصرخ سعيا للثأر، وسخر من سيد بني مخزوم عتبة بن ربيعة، وعند انبلاج الصباح قرر عتبة أن يكون أول القتلى وكان يحسب الأمر نزهة.

خرج عتبة رفقة ابنه وأخيه وصرخ داعيا إلى المبارزة، خرج إليه فتية من أهل المدينة فردهم وطلب المبارزة من بني هاشم، ولم يزل التنافس بين بني هاشم وبني مخزوم مشتعلا منذ أن قطنت قريش بطاح مكة.

خرج حمزة بن عبد المطلب وابنا أخويه علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، بما يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج للموت أقرب الناس إليه ضاربا بذلك أيضا مثالا في الإيثار والحياة مع المبدأ.

وانتهت الجولة الأولى سريعا بموت قادة قريش الثلاثة، وإصابة عبيدة بن الحارث إصابة بليغة جعلت منه بعد ذلك أول شهيد في معارك الإسلام.

وقع الأمر صاعقة على قريش فهجمت على جيش المسلمين وتصدى لها جدار النار، وأخذت النبال القاتلة تخترق صدور القرشيين وترميهم قتلى في سهل بدر.

توالت الجولات وتساقط قادة قريش بين قتيل وأسير، أبو جهل ممرغ الأنف في طين بدر بعد أن قتله شباب من الأنصار، وأمية بن خلف يموت بضربة من بلال الحبشي.. بلال الذي ذاق الموت ألوانا وصنوفا على يد أمية بن خلف فترة طويلة في مكة، لم يرحم فيه أنه خدمه لسنوات طويلة، ولم يرحم له حق الاختلاف والتمايز.

انتهت بدر بعد أن فر فرسان قريش يلوذون من الموت الزؤام بالهرب عائدين إلى مكة، سقط الوهم والغرور وانزاحت عن العيون غشاوة الكبرياء التي أعمتها لفترة طويلة، فمحمد وجيشه لم يعودوا أولئك “الصباة” الذين يُعذّبون في بطحاء مكة ويحاصرون في شعب أبي طالب، لقد أصبحوا في قوة عسكرية ضاربة، والنصر يولد نصرا آخر.

 

أسرى للتعليم

الحرب في المذهب النبوي استثناء تفرضها الظروف، تأتي مقاومة ورفضا للظلم، وعندما أوثق المسلمون سبعين من قريش كان لا بد من فدائهم، وإخراجهم من قيود الأسر. عامل النبي صلى الله عليه وسلم الأسرى معاملة خاصة، حيث كان الآسرون يقدمون الأسرى في الزاد من طعام وشراب، كانوا لطفاء معهم إلى حد أن كثيرا منهم لم ينس تلك المعاملة، وساقته بحبال من الحنان والتوبة إلى الإسلام الذي خرج ليقضي عليه.

قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع الأسرى الأغنياء المال مقابل إطلاق سراحهم، وكل ثمن مهما غلا يظل بسيطا مقابل الروح وسلامة الجسد واستمرار الحياة، خصوصا إذا كان مبلغا ضعيفا جدا لا يمثل شيئا مما نهبت قريش من أموال المهاجرين وما عطلت من مصالحهم وما أذاقتهم من الإهانة والعذاب.

أما الأسرى الفقراء أو غير الفقراء ممن يستطيعون القيام بمهمة التعليم فقد كان فداؤهم أن يُعلم كل واحد منهم عشرة أطفال من أبناء المسلمين مبادئ القراءة والكتابة.

وكان في ذلك رسالة واضحة ورجْع صدى لأول صوت قرآني وقر في سمع النبي صلى الله عليه وسلم “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، لكن قريشا أبت أن تسمع صوت “اقرأ” ورفضت أن تسجد وتقترب إلى الله وآثرت أن ينتهي قادتها أشلاء يُرمون في حفر بدر.

انتهت بدر زمانا ومكانا في السنة الثانية للهجرة، لكن صداها لم يزل يخترق الآفاق ولم تزل ذكراها العطرة بدماء الشهداء ورفيف أجنحة الملائكة، تشحذ همم المسلمين دفاعا عن الحقوق ونصرة للمظلوم.

بدر أمّ معارك الإسلام، وهي بينهم كرمضان شرفا ومكانة فيه استقرت يوم السابع عشر، ومنه اتخذت قلوب المؤمنين وصفحات التاريخ سجلا ذهبيا للجيش المؤمن الذي قهر  الجيش الذي لا يقهر.