تقارير

رمضان على ظهر المالح.. لا بد من الصيد وإن عظمت المخاطر

حبيب مايابى

يُعتبر الصيد البحري أحد المكونات الأساسية لاقتصاد دولة تونس

لأن سوق الأسماك في تونس تنتعش في رمضان الكريم، يزدحم البحر بالسفن ويصوم الصيادون أيامهم وسط تلاطم الأمواج بعيدا عن أجواء العائلة، كفاحا وكدحا من أجل تحقيق الأرباح.

تقضي هذه الفئة شهرها على وقع المغامرات والغربة والترقب، ورغم ذلك فإنهم يصنعون الابتسامة بينهم ويعيشون في تجدد الآمال فتسودهم الألفة والتضامن ويتعلمون التضحية في سبيل الإنسانية.

وقد بثت الجزيرة الوثائقية خلال رمضان الجاري فيلما وثائقيا عن واقع البحارة التونسيين في الشهر الفضيل بعنوان “رمضان على ظهر المالح”.

يحكي الفيلم قصتهم على الشواطئ حيث عاشت معهم الكاميرا رحلة الصوم في البحر ووثقت تفاصيلها.

يُعتبر الصيد البحري أحد المكونات الأساسية لاقتصاد دولة تونس، وذلك لأن حدودها المائية تمتد لمسافات طويلة على البحر الأبيض المتوسط.

وقد سعت الدولة على ترقية هذا القطاع الحيوي، فأسست بنية تحتية تزيد على أربعين ميناء منها عشرة للصيد تقع في مناطق متعددة مثل صفاقس وقابس وسوسة وبنزرت والمهدية.

ويوفر المجال البحري الكثير من الفرص للشباب العاطل عن العمل لأن الشواطئ يعمل فيها 11 ألف مركب صيد نصفها سفن تشتغل بمحركات.

هذه العوامل جعلت الكثير من المواطنين يتوجهون نحو ركوب السفن والعمل على متنها لأنها الطريق الأقل انتظارا في دخول الخدمة.

تُصنف مهنة الصيد في قائمة الأعمال المحفوفة بالمخاطر، فتقلبات المناخ وخطورة الرياح البحرية والعواصف المفاجئة تشكل تحديا دائما لسلامة البحارة.

وقد تحدث للجزيرة الوثائقية عدد من العاملين في هذا المجال وأكدوا معاناتهم من صعوبة البحر وكثرة مخاطره، لكنهم يعتبرونه الوسيلة الوحيدة للعيش ولا مناص لهم منه.

ذكريات الموت

تحدث الربان يحيى وهو يجهش بالبكاء عن ذكريات حادث فقد فيه أخاه وأحد أصهاره بسبب غرق سفينة كان يقودها في المياه الدولية بين ليبيا والمهدية، وقد نجّاه الله بأعجوبة بعد أن أوشك على الغرق.

ويعتبر الصيادون أن حياتهم كلها في خطر وعذاب، لأنهم يقضون في البحر تسعة أشهر من السنة في انقطاع وعزلة عن الأهل والأحباب.

عائلات البحارة تعيش دائما على وقع الخوف والترقب بسبب المخاطر التي تصاحب الرجال في رحلة الموج العاتي.

وفي الفيلم الوثائقي الذي بثته الجزيرة تحدث عدد من الصيادين عن صبر زوجاتهم وتضحياتهن من أجل استقرار الأسرة وبناء بيت سعيد.

ويُنظر للصيد أنه مهنة تحبس حولها كل من مارسها، فغالبية الذين عملوا في البحر لم يعد باستطاعتهم التأقلم خارج ذلك المحيط.

وفي حديثه للجزيرة الوثائقية يضيف الكابتن يحيى أنه بعد حادثة غرق أخيه وصهره قرر ترك الصيد نهائيا وفتح مشاريع جديدة، لكنه فشل في النجاح لأن التعود على البحر جعله يجهل سبل الحياة الأخرى.

الصيادون أكثر الناس عيشا على الأمل، لأن حلمه في الصيد الثمين يتجدد كلما أبحر وغاص وأمسى وأصبح.

يعيش الصيادون انسجاما بينهم بفعل المهنة وطول الصحبة، فكثرة الأيام التي يقضونها على متن السفينة وتقاسم المهام المتنوعة تشكل بينهم ألفة ومحبة تذوب فيها جميع الفوارق، لأن الانسجام بين البحارة وفريق القيادة ضرورة يفرضها الحرص على نجاح الرحلة.

في السفينة لا بد من تكاتف الجهود ابتداء من فريق المطبخ وانتهاء بطاقم القيادة، والعاملون في المركب الجراف وحوض الشباك هم أكثر الناس تعبا حسب تصريحاتهم.

يُنظر للصيد أنه مهنة تحبس حولها كل من مارسها، فغالبية الذين عملوا في البحر لم يعد باستطاعتهم التأقلم خارج ذلك المحيط

أخوة البحر

وعندما يمرض أحد أعضاء طاقم الرحلة أو يتخلف لعذر فإن نصيبه يبقى موجودا ويقسم له كما لو كان حاضرا.

وفي شهر رمضان الكريم تتضاعف جهود الصيادين لأن السمك والمنتجات البحرية يكثر عليها الطلب في الأسواق وتزيد أسعارها، فيصلون الليل بالنهار ويمضون أيام صومهم كلها في العمل دون شعور بجوع أو عطش، لأن انتعاش الأسواق وفرصة الربح تعوضهم تلك الأتعاب.

ويزيد البحارة من جهودهم في العمل تحضيرا لمتطلبات العيد واستعدادا لفرحة أطفالهم.

شهر رمضان بالنسبة للصيادين في تونس لا مجال فيه للتكاسل، ولا يفوتون فيه فرصة للعمل، فطلب الرزق الحلال في أعماق اليمِّ هو أفضل عبادة بالنسبة لهم.

ورغم المعاناة والتعب ومفارقة العائلة والبعد عن الأجواء الروحانية لشهر الرحمة والغفران التي يعيشها سكان اليابسة، فإن فرقة السفينة تخلق لنفسها جوا من الهدوء والطمأنينة يستشعرون من خلاله عظمة الصوم وأهمية الإقبال على الله.

في شهر رمضان الكريم تتضاعف جهود الصيادين لأن السمك والمنتجات البحرية يكثر عليها الطلب في الأسواق وتزيد أسعارها

 

أجواء رمضانية

وعلى مائدة الإفطار يجتمعون ليتبادلوا أطراف الحديث والنصح مستصحبين قيمة الإسلام وفرص المغفرة في الشهر الكريم.

ويحاول القائمون على المطبخ في مركب الصيد تخفيف وطأة الغربة من خلال تقديم الوجبات الشهية التي تعود الصائمون تناولها مع عائلاتهم.

وتلقى وجبة الملوخية أو وجبة الملوك التي يعتبرونها جاءت عن طريق البحر أيام قدوم العبيديين لتونس اهتماما كبيرا ومذاقا مفضلا للصيادين.

قائد السفينة آخر من يتناول الفطور ويجلس على مائدة الطعام، حيث يضطر لمواصلة العمل حتى ينتهي نائبه من تناول الطعام.

وفي شهر رمضان يضطر البحارة للرجوع إلى الموانئ والرسو كل ثلاثة أيام أو أربعة من أجل بيع ما اصطادوه، لأن الأسماك في رمضان لا تلقى رواجا إلا إذا كانت طازجة، ويبحرون بعد التفريغ مباشرة.

وفي الرابع والعشرين من شهر رمضان تنتهي رحلة الصوم في البحر، ويرجع الصيادون لعيش لحظات العيد مع عائلاتهم. ويحرص أهل البحر على قضاء ما فاتهم فيذهبون للتسوق وأماكن التسلية رفقة الزوجة والأطفال.

يعتبر الصيادون راحة العيد فرصة للاعتناء بسفنهم فيخرجونها من البحر حتى تجف ويتم تفقدها وصيانتها.

ينتهي الفيلم بلقطات توثق جانبا من حياة الصيادين مع عائلاتهم في البيوت ومراكز التسوق بعيدا عن مخاطر الأمواج ومعاناة الغربة وفراق الأهل والأصحاب.