تقارير

علم التوقيت والساعة اليدوية.. قصة من إبداعات الحضارة الإسلامية

حبيب مايابى

شغفا بعبادتهم وعناية بمشاعرهم الدينية، اهتم العلماء المسلمون بعلم قياس وحدات الزمن

السماء تنقسم إلى 28 جزءا، وفي المساء يسقط نجمٌ غرباً، وعند بزوغ الفجر يصعد نجم آخر من جهة الشرق.

تلك إرهاصات فلكية عربية ضمها علماء المسلمين إلى إرث الأمم الأخرى، فمكّنت الجزري من صناعة آلة قياس الزمن التي تعرف اليوم بالساعة ويشتريها الناس من المتاجر السويسرية وغيرها وهم لا يعلمون بأنها هدية عربية للبشرية.

وشغفا بعبادتهم وعناية بمشاعرهم الدينية، اهتم العلماء المسلمون بعلم قياس وحدات الزمن، وأخرجوه من دائرة التنجيم إلى علم له أسس وضوابط وآلات، حيث كتبوا فيه أبحاثا ما زالت تلهم الدارسين والمختصين.

وسعيا منها لتوثيق التراث وسبر أغوار التاريخ، أنتجت الجزيرة الوثائقية فيلما بعنوان ”علم التوقيت“ سلط الضوء على الإرث العلمي الذي تركه العلماء المسلمون في مجال ضبط مواقيت الصلاة ورؤية الهلال وتحديد اتجاه القبلة.

قبل ألفي سنة أدركت الحضارة الصينية الدورة السنوية للزمن، فأقامت لها رَصَدا دونته في أسفارها. وكانت للحضارة للهندية تقاويم متعددة قبل أن تتحول إلى الحساب الميلادي.

وقد عُرِف التقويم الزمني في الحضارة الفرعونية عن طريق المعابد التي كانت مهتمة برصد النجوم.

وفي الألفية الثانية قبل الميلاد ربطت الحضارة البابلية بين علم الفلك والتنبؤ بمستقبل الأحداث فوق الأرض الذي عرف بعلم التنجيم.

وكان العرب يقسمون السماء إلى 28 جزءا، وساعدهم ذلك التفصيل على معرفة الفصول وبدايات الشهور ومواقيت الليالي والأيام بناء على معرفة علم الأنواء.

ويُعَرَّفُ النَّوْءُ بأنه سقوط نجم في المغرب، وصعود آخر في المشرق فجرا، وقد وظف المسلمون الأنواء في معرفة المواقيت فترة من الزمن.

وترتبط مشاعر المسلمين وعقائدهم الدينية بمواقيت وجهات محددة، وللتوقيت ثلاثة أغراض بالنسبة للمسلمين، الأول منها حساب أوقات الصلاة، والثاني تحديد القبلة لتوجيه المساجد نحوها، أما الثالث فهو التعرف على أوائل الشهور القمرية بالحساب الفلكي.

ثورة علمية بالأندلس

 وقد اعتمد المسلمون على علم الأنواء أكثر من قرن من الزمن حتى تم فتح بلاد الأندلس الذي تطورت معه الحضارة الإسلامية على أكثر من صعيد.

وقد وجد المسلمون أمامهم في غرناطة تراثا فلكيا إغريقيا ورومانيا مبنيا على نظريات أفلاطونية مكنتهم من اختبار علم الفلك وعلاقته بعلم التوقيت، فكان بداية تحول كبير وازدهار في المواقيت.

وكانت جهود ابن عربي الأندلسي بداية ملموسة لتطوير حساب الزمان في الحضارة الإسلامية.

ولمعرفة الزمن استخدم المسلمون طريقة الحساب الفلكي، ويعتبر إبراهيم الزرقاني الأندلسي هو مبدع الآلات الفلكية ومطورها.

وتقول الباحثة المختصة في التراث الإسلامي في إسبانيا ”أليسيا ديلا“ إن علم التوقيت يصنف في علم المعتقد والأديان وقد ازدهر مع المسلمين أيام غرناطة.

ويعتبر مسجد آيا صوفيا بالقسطنطينية (إسطنبول حاليا) شاهدا على تقدم المسلمين في علم التوقيت حيث كانت الدولة العثمانية تستقطب الأندلسيين الذين جلبوا معهم تراكمات علوم الفلك.

ويقول الدكتور مصطفى كاسار أستاذ علم الفلك بجامعة إسطنبول في حديثه للجزيرة الوثائقية ”إن العلّامة المكسي هو أول من صنع آلات لضبط مواقيت الصلاة في مدينة القاهرة وجمع ثلاثين ألف مخطوط في مواضيع الفلك وحساب الزمان“.

وقد وضع ابن الشاطر طريقة أخرى لتحديد المواقيت، حيث استخدم خطوط الطول وخطوط العرض لمعرفة حركة الزمان.

وشهدت الخلافة العثمانية بفضل هجرات الموريسكيين نحو إسطنبول ازدهارا منقطع النظير في علم الجهات والتوقيت، ومن أشهر الموقتين والفلكيين الأتراك تقي الدين الراصد.

وكان الأتراك يستخدمون الإسطرلاب الذي هو عبارة عن آلة فلكية لقياس الأوقات والمواقع، وقد انتقل إلى أوروبا عن طريق الحضارة الإسلامية في الأندلس، وساعدهم في اكتشاف الكثير من الأماكن.

وتعتبر الساعة الحديثة التي يعرفها الناس حاليا، تقليدا للآلة التي اخترعها العالِم بديع الزمان أبو العز الجزري، والتي اشتغل عليها تلاميذه من بعده، ويُعرف اكتشافه بعلم الحيل.

أما المِزْوَلَة أو ساعة الظل أو الساعة الشمسية فمن أقدم الآلات لقياس الزمن، وهي أداة للتوقيت النهاري، ويرجع تاريخها إلى 3500 قبل الميلاد.

ساعة الظل أو الساعة الشمسية فمن أقدم الآلات لقياس الزمن، وهي أداة للتوقيت النهاري

مواقيت الصلاة

كان المسلمون في بداية الزمان يعتمدون على معرفة الأوقات بحركة الشمس ومطالع النجوم، فالفجر والشروق والضحى كلها أوقات يعرفها الحاذق من الناس والمتابع لسير الزمان.

وكان الإسطرلاب منتشرا في المساجد بكثرة لضبط مواعيد الصلاة، وبعد التطور العلمي الذي عرفته الحضارة الإسلامية في الأندلس وأيام الدولة العثمانية، تطور علم الفلك وطرحت مبادئ لحساب الوقت أهمها ما قام به محمد بن موسى الخوارزمي في كتابة جداول لمعرفة أوقات الصلاة حسب الأزمنة.

وكانت مواقيت الصلاة من أعمال المؤذنين الذين يقومون بدور التنبيه على الصلاة، وليست من أعمال الموقتين. وقد مثلت فاس مرحلة مهمة من تاريخ تطور علم التوقيت ومعرفة الجهات، نتيجة لما ورثته من علوم الأندلس.

ويلاحظ الفلكيون أن المسافة الفاصلة بين الفجر والشروق هي نفسها المسافة التي تفصل بين المغرب والعشاء.

كان الإسطرلاب منتشرا في المساجد بكثرة لضبط مواعيد الصلاة

جهة الصلاة

يعتبر استقبال القبلة من الشروط الأساسية لصحة الصلاة، وذلك لأن الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس وقبلتهم في كل مكان.

وتقع الكعبة على الخط الـ21 من خط الاستواء، وتحديد جهتها عملية هندسية بحتة، فالمكان الذي يعيش فيه الإنسان له أفق محيط به وله قطب يسمى قطب الأفق.

وتعد قبلة الإنسان الجهة الأقرب إليه من مكة المشرفة، وتتساوى كل الاتجاهات نحو القبلة عند النقطة المقابلة للكعبة المشرفة من الناحية التي تقابلها من الكرة الأرضية.

معرفة الشهور

رمضان وشوال وذو القعدة، شهور تترقبها الأمة الإسلامية لتتوحد مشاعرها الدينية في أيام معدودات.

وكما تشرق الشمس وتغرب يفعل القمر، لكن الشمس تتأخر أو تتقدم بدقيقة واحدة، بينما يفعلها القمر كل يوم 50 دقيقة.

وفي شهر رمضان الكريم تطرح إشكالية ثبوت الهلال لأن الدول الإسلامية منها ما يعتمد الرؤية الشرعية فقط، ومنها ما يعتمد على الحساب الفلكي.

ولا يختفي القمر إلا عندما يكون على اتجاه أفقي واحد بين الشمس والأرض وحينها يصبح قرصا مقابل وضعية البدر أو التمام، وتسمى لحظة الاختفاء بولادة الشهر أو المحاق أو الاقتران، وهي لحظة عالمية واحدة لا علاقة لها بموقع الرؤية من الأرض وتقع مرة واحدة في الشهر، وبعد لحظة الولادة يبدأ الجانب المظلم في التراجع لصالح الجهة المنيرة فيه وتسمى قوس النور.

يختلف الفقهاء في إثبات الشهر فمنهم من يشترط الرؤية كمعيار وحيد، ومنهم من يعتبرها دون مخالفة الحساب

إشكالات

يختلف الفقهاء في إثبات الشهر فمنهم من يشترط الرؤية كمعيار وحيد، ومنهم من يعتبرها دون مخالفة الحساب.

وفي مشاركته بوثائقي الجزيرة يقول عضو جمعية الفلكيين المغربية الدكتور جمال الدين بن عبد الرزاق ”إن المسلمين في تحديد المواقيت يعيشون إشكالات متعددة، كعدم المعرفة المسبقة بمواعيد الأعياد والشعائر وبداية الشهور والاختلاف في اعتماد الرؤية وأسسها وكذلك ازدواجية التاريخ، فالأمة تعيش حاليا بين تاريخين أحدهما إداري والآخر ناتج عن رؤية الهلال وهو للشؤون الدينية.

وتعتبر المغرب رائدة في ضبط الحساب لأنها تعتمد على الرؤية البصرية وتجعل الفلكية تابعة لها.

ويرى الباحثون الفلكيون أن التقويم الإسلامي الموحد أصبح ضرورة ملحة من المنظور الشرعي بالنسبة للمسلمين. وهنالك ثلاثة ثوابت يمكن أن يقوم عليها، أولها اعتبار القمر مصدرا للتقويم وقد ثبت ذلك في كتاب الله في قوله تعالى ”هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب“، وثانيها الإقرار بأن السنة شهورها معلومة العدد كما قال تعالى ”إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله“، وثالثها أن التقويم القمري صالح لأمور الدين والدنيا على السواء كما تنص على ذلك الآية الكريمة ”يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج“.

ورغم أن ثبوت الهلال لا يزال يتأرجح بين المعايير الفلكية والشرعية، ومرتهنا لبعض الاعتبارات السياسية، فإن علم التوقيت يظل إرثا علميا إسلاميا ضاربا في القدم، ولعله يكون من العوامل التي تساهم في توحيد الأمة من جديد.