أخبار

كوكب اليابان.. إمبراطور جديد لأقدم سلالة حاكمة بالعالم

رانية أسعدي

في الـ30 من أبريل/نيسان الحالي (اليوم الثلاثاء) يشهد اليابان أكبر تغيير في نظامه السياسي منذ 200 عام. الإمبراطور الحالي أكيهيتو (86 عاما) ينوي التنازل عن العرش

عندما أخبروا ولي العهد ناروهيتو باسم الحقبة الجديدة التي ستدخلها اليابان بعد أن يتولى العرش، حرك رأسه في إيماءة وابتسامة دالة على الموافقة، ثم أرفق ذلك بكلمة واحدة: فهمت![1]

رغم تعليمه الغربي، تربّى ناروهيتو على أهمية التفاصيل الصغيرة ودقة السلوك الاجتماعي بالنسبة لشعب يقدس التقاليد ويربط الماضي بالحاضر بأعجوبة جعلت الكثيرين يسمّون هذا الجزء من الكرة الأرضية ”كوكب اليابان“.

في الـ30 من أبريل/نيسان الحالي (اليوم الثلاثاء) يشهد هذا البلد أكبر تغيير في نظامه السياسي منذ 200 عام. الإمبراطور الحالي أكيهيتو (86 عاما) ينوي التنازل عن العرش، وسيكون نجله وولي عهد اليابان الحالي ناروهيتو (59 عاما) الإمبراطور الجديد لأقدم مملكة في العالم بحلول الأول من مايو/أيار المقبل (غدا الأربعاء). ووفقا للترتيب التقليدي للخلافة، ستخرج اليابان من حقبة ”هيسي“ وتعني ”تحقيق السلام“، ليسود بعدها عهد ”ريوا“ أي ”الوئام الجميل“.

 

لماذا تنازل أكيهيتو عن العرش؟

في 2016 قال أكيهيتو لأول مرة إنه سيتنازل عن العرش في 30 أبريل/نيسان 2019 بسبب تقدمه في العمر وتدهور حالته الصحية. قام البرلمان بتشكيل لجنة خاصة وأقرّ تاريخ تنازل الإمبراطور الحالي عن العرش وتخلي اليابان عن حقبة هيسي. وبدأت حقبة هيسي الحالية في 8 يناير/كانون الثاني 1989، أي بعد يوم واحد من وفاة الإمبراطور هيروهيتو وتسلم نجله أكيهيتو العرش.

واجه الإمبراطور الحالي مشاكل صحية عديدة، منها مرض القلب، إذ أجرى عملية جراحية في القلب في عام 2012. وقبل ذلك في عام 2011، دخل المستشفى بسبب التهاب رئوي. بعدها قرر أن يقوم بخطوة ثورية -وهو الملقب بـ“الإمبراطور المتمرد على التقاليد“- فخاطب اليابانيين قائلا: ”أنا جد مسرور. إنني اليوم في صحة جيدة، لكنني أرى حالتي تتراجع باستمرار وأشعر بالقلق من الصعوبة في أداء وظائفي كاملة كرمز للدولة“[2].

وتشمل واجبات الإمبراطور الياباني حضور الاحتفالات الدينية وافتتاح البرلمان وأيضا السهر على أعمال الرعاية الاجتماعية مثل مساعدة الفقراء وتسليط الضوء على المهمشين في المجتمع.

وكان آخر إمبراطور تنازل عن العرش هو كوكاكو في عام 1817 لإفساح المجال أمام ابنه. وقد خرق الإمبراطور الحالي أكيهيتو التقاليد أيضا عام 1959، بعد أن تزوج من سيدة تنتمي إلى عامة الشعب وهي الإمبراطورة الحالية ميشيكو شودا.

وميشيكو -التي تدعى اليوم ”السيدة الأنيقة“- هي ابنة تاجر حبوب التقاها أكيهيتو في ناد لكرة المضرب. وبالإضافة إلى أنها أول إمبراطورة يابانية من عامة الشعب، فهذه السيدة تنتمي أيضا إلى أقلية دينية تشكل جزءا من الكنيسة الكاثوليكية اليابانية التي تخضع للقيادة الروحية للبابا في روما ومجلس الأساقفة الياباني. وعندما يتنازل زوجها عن العرش لابنهما، ستصبح آنذاك ”جوكو“ وتعني الإمبراطورة المتقاعدة، أما لقبها فسيتحوّل من ميشيكو إلى إميريتا.[3]

 

أكيهيتو.. الإمبراطور المتمرد النزيه

ولد تسوغونوميا أكيهيتو في 23 ديسمبر/كانون الأول 1933. كان الابن الأكبر والطفل الخامس للإمبراطور هيروهيتو الراحل والإمبراطورة كوجون. وبعد أن بلغ عمره ثلاث سنوات فُصل عن والديه وفقا للتقاليد اليابانية آنذاك.[4] تعلم الطفل أكيهيتو كل شيء عن الحياة على يد خدم البلاط الإمبراطوري ثم على يد معلمين وأساتذة، قبل أن يلتحق بالتعليم الابتدائي.[5]

في 1950، بدأت وكالة تابعة للعائلة الإمبراطورية في تجميع قائمة بالمرشّحات المناسبات للزواج من أكيهيتو. وصلت قائمة المتباريات على خطف لقب زوجة ابن الإمبراطور إلى 800 اسم. بعد ذلك بعامين أصبح رسميا الوريث الشرعي للعرش.

 في أغسطس/آب 1957، التقى ميشيكو شودا التي ستصبح زوجته، رغم معارضة أفراد من العائلة الإمبراطورية وبعض الفئات التقليدية داخل المجتمع الياباني. ومنذ البداية رفض أكيهيتو عبادة الإمبراطور أو تمجيده، كما أنه وقف ضد القومية اليابانية المتشنجة التي تعتبر اليابان أفضل الأعراق على الإطلاق. وقد أدت هذه النزعة القومية بوالده هيروهيتو إلى إطلاق عنان الغزو في آسيا خلال الحرب العالمية الثانية بهدف ”استعباد أعراق دنيا في الصين وكوريا والفلبين“.[6]

واتسمت هذه المرحلة التاريخية بصعود القوميات المتشددة مثل النازية في أوروبا، وتأثرت أفكار كثير من حكام هذه الحقبة بما يسمى بـ“الداروينية الاجتماعية“ وأفكار الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه وتوماس مالتوس وابن عم تشارلز داروين، فرانسيس غالتون. وكانت هذه الأفكار تدعو إلى ضرورة تحسين النسل والارتقاء بالنوع الإنساني.

ولأن اليابان كانت قوة كبيرة في هذه الفترة، اعتقد اليابانيون (مثل الألمان آنذاك) أنهم عرق اصطفته الطبيعة عن باقي الأعراق، ومن حقهم أن يستخدموا الشعوب الأدنى درجة لتحقيق مجد البشرية والارتقاء من جديد بالإنسانية، ”كما ارتقى البشر قبل ذلك بملايين السنين من أسلاف مشتركة مع القردة“.[7]

وقد عبّر الإمبراطور الحالي (أكيهيتو) عن ”ندم عميق“ للأعمال التي ارتكبتها اليابان في حق الكوريين والصينيين وغيرهما من الشعوب الآسيوية الأخرى التي وقعت تحت الآلة العسكرية لليابانيين إبان الحرب العالمية الثانية، لكن لم يكن من الممكن أن يخرج بمثل هذه التصريحات المخلخلة للوعي القومي وهو ولي للعهد، فقد انتظر إلى أن توفي والده -الذي قاتل الجنودُ اليابانيون باسمه في الحرب العالمية الثانية- ليعبر عن ندم شعب اليابان عن تلك الحقبة.

 ورسميا، تولى أكيهيتو العرش في السابع من يناير/كانون الثاني 1989، أي بعد يوم واحد من وفاة والده الإمبراطور هيروهيتو الذي عُرف مباشرة بعد وفاته باسم الإمبراطور ”شوا“. وخلال 30 عاما من اعتلائه العرش، استطاع الإمبراطور الياباني أكيهيتو أن يكسب حب شعبه، فقد اقترب أكثر من هموم عامة الشعب وقام بخطوات إصلاحية حذرة لتغيير النظام الإمبراطوري. وعلى عكس ما قد يظنه البعض، فإن التمرد على التقاليد المتزمتة والقاسية أحيانا للأسرة المالكة وسّعت من دائرة شعبيته وجعلته يحمل لقب ”الإمبراطور المتمرد النزيه“.

 

ثقافة الساموراي وتأليه الإمبراطور

بعد أن خطب في الناس عام 2016 مبديا رغبته في التنحي، احتاج الإمبراطور أكيهيتو إلى موافقة البرلمان الياباني أولا. لم يكن الأمر كذلك في الماضي، كان الإمبراطور في اليابان يحكم بصلاحيات لا حدود لها، بعد ذلك جاءت ”ثورة ميجي“ الإصلاحية للنهوض بالمجتمع الياباني الغارق في التخلف. وكان أول دستور وضعته البلاد هو ”دستور ميجي“ الذي عُمل به من 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1890 إلى 2 مايو/أيار 1947.

ورغم أن دستور ميجي حمل بنودا مشرقة تبشّر بالديمقراطية اليابانية على غرار الديمقراطيات الغربية، فإن معظم النصوص كانت مجرد حبر على ورق، إذ استمر الإمبراطور في الاحتفاظ بسلطاته كاملة غير منقوصة، بل كان الإمبراطور والعائلة المالكة في مرتبة الآلهة.

وفي ظل تأليه الإمبراطور، انتشرت ثقافة الاستشهاد لدى اليابانيين، فقد كان المثل الأعلى في المجتمع هو محارب ”الساموراي“ الذي يضع على الدوام نفسه في خدمة سيده، وسيد الأسياد هو الإمبراطور. عندما يفشل الساموراي في مهمته ينتحر محتفلا لا باكيا، فالموت والطاعة التامة عقيدة مقدسة وجزء من تعاليم ”البوشيدو“، وهي قوانين أخلاقية تم تدوينها في العصور الوسطى.

في الحرب العالمية الثانية، تعجب العالم من العمليات الانتحارية خلال الغارة الجوية المباغتة التي نفذتها البحرية الإمبراطورية اليابانية في 7 ديسمبر/كانون الأول 1941 على الأسطول البحري الأمريكي في قاعدته الشهيرة في ميناء بيرل هاربر بجزر هاواي، فخلال هذه الغارات قام الطيارون اليابانيون بعمليات انتحارية بالطائرات لتدمير الأسطول الحربي الأمريكي في مشهد يظهر الطاعة العمياء للأوامر العسكرية والنزعة الاستشهادية للشعب الياباني.

 في هذه المرحلة دخل مصطلح الكاميكاز (kamikaze) إلى اللغة الإنجليزية، ويعني ”أي فعل متعمد للتضحية بالنفس والانتحار“.[8] لكنّ اليابانيين يستخدمون هذا المصطلح في الأصل للإشارة إلى مرحلة تاريخية طبعت الوعي القومي لهذا البلد، عندما حال إعصار شديد دون غزو الأسطول المغولي بقيادة خان المغول الأعظم قوبيلاي لليابان. وباختصار فإن الكاميكاز هو الإعصار أو الريح الإلهية التي هزمت العدو.

وبالرجوع إلى حادث بيرل هاربر، فقد أدى هجوم اليابانيين إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بشكل رسمي. ومرة أخرى واجه الأمريكيون في صيف 1944 ذروة النزعة الاستشهادية باسم ”عمليات الكاميكاز“ بعد أن تدهورت قوات الردع الجوي الياباني بسبب مقتل معظم الطيارين المتمرسين. وفي ظل هذه الظروف، كان خط الدفاع الوحيد لليابان للدفاع عن حرمة أراضيها هو تدريب جنود على عجل ودفعهم لاستخدام طائراتهم وكأنها قنابل في مهمات انتحارية ضد سفن حربية أمريكية.

بعد أن خطب في الناس عام 2016 مبديا رغبته في التنحي، احتاج الإمبراطور أكيهيتو إلى موافقة البرلمان الياباني أولا

ومع تقدم القوات الأمريكية واحتلال بعض الجزر اليابانية، بدأت صورة ”الإمبراطور الإله“ تتهشم لدى البعض، كما دبّت الشكوك في أسطورة ”الشعب المختار“، إلى أن أتت الضربة القاضية في السادس من أغسطس/آب 1945 بإلقاء القنبلة النووية الأولى على هيروشيما، تبعتها قنبلة أخرى حرقت مدينة ناغازاكي في التاسع من الشهر نفسه. وفي الثاني من سبتمبر/أيلول 1945، أعلن الإمبراطور هيروهيتو استسلام بلاده، بعد أن أباد السلاح الفتاك للأمريكيين أزيد من 200 ألف من البشر في أقل من خمس دقائق.

كانت هذه النقطة التاريخية مفصلية في تاريخ الإمبراطورية اليابانية، فقد احتل الأمريكيون البلد الذي لم يخضع في تاريخه للاستعمار. ومن 1945 إلى 1952، وقع اليابانيون تحت إدارة الحاكم العسكري الأمريكي دوغلاس مكارثر.

اشترط الأمريكيون على الإمبراطور تحويل سلطاته إلى الشعب والتخلي عن صفة الألوهية سنة 1946. بعدها وُضع أول دستور ديمقراطي للبلد، ومنذ 1947 تحول العرش الإمبراطوري إلى منصب شرفي كرمز للأمة ووحدة الشعب الياباني[9].

وإبان الاحتلال الأمريكي، تعلم الإمبراطور الحالي أكيهيتو اللغة الإنجليزية والعادات الغربية من كاتبة أمريكية تدعى إليزابيث غراي فينينغ، ولاحقا درس العلوم السياسية في جامعة غاكوين في طوكيو، لكنه لم يحصل على شهادة.

وعندما اعتلى العرش، كان يعرف أنه ملزم بموجب الدستور بعدم الخوض في الأمور السياسية. ورغم ذلك وجد طريقة في إقحام نفسه بمهارة لا تثير الشكوك للتعبير عن آرائه في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية. وطيلة ثلاثة عقود من عهد ”هيسي“، لم يصطدم الإمبراطور ولو مرة واحدة بالوزير الأول.

الإمبراطور الياباني أكيهيتو (86 عاما) وولي العهد ناروهيتو

اليابان.. تشرق منها الشمس

أطلق الصينيون لفظ ”اليابان“ على هذه الرقعة الجغرافية التي تضم نحو 3000 جزيرة، وتعني الكلمة ”البلاد التي تشرق منها الشمس“. يبلغ عدد سكان البلد حوالي 126 مليون نسمة، معظمهم يقطنون في أربع جزر كبرى هي: كيوشو، هونشو، شيكوكو، وهوكايدو. أما العاصمة طوكيو، فتعتبر ضمن الأكثر اكتظاظا في العالم.

عادة ما يوصف الشعب الياباني بـ“الشعب الملحد“، لكن هذا جزء من الحقيقة فقط. فرغم أن عدد الملحدين أو غير المتدينين هو 40% من السكان، فإن هناك طوائف دينية كبيرة مؤثرة في صنع القرار السياسي أهمها البوذية والشنتوية. ويبلغ عدد معتنقي البوذية نحو 35%.

وبالنسبة للنظام السياسي، فإن السلطة التنفيذية تتكون من الإمبراطور الذي يعتبر رئيس الدولة، وهو رمز برتوكولي شرفي لا يتدخل في السياسة. لكن قطب الرحى في نظام الحكم الياباني هو الوزير الأول الذي يعينه مجلس النواب بعد الحصول على أغلبية برلمانية. 

وفيما يخص السلطة التشريعية، فإن البرلمان يتكون من غرفتين: مجلس النواب (شوغيين)، ومجلس الشيوخ (سانغي إن). ويتكون الأول من 480 مقعدا والثاني من 242 مقعدا.

ورغم اعتناق اليابان لليبرالية والتقاليد الديمقراطية، فإن التعددية السياسية في هذا البلد لم تفرز تداولا على السلطة كما يحدث عادة في الدول الغربية، فالنظام السياسي الياباني يسيطر عليه حزب وحيد هو الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني الذي تأسس عام 1955. هيمن هذا الحزب على الحياة السياسية في اليابان منذ تأسيسه، إلا في فترة قصيرة لم تتعد أربع سنوات وشهرين بالتحديد.[10] وفي الوقت الحاضر فإن شينزو آبي هو زعيم الحزب، وهو أيضا الوزير الأول الحالي لليابان.

واجه الإمبراطور مشاكل صحية عديدة، منها مرض القلب بعدها قرر أن يقوم بخطوة ثورية -وهو الملقب بـ"الإمبراطور المتمرد على التقاليد"

اليابان.. عهد جديد

سيكون ولي العهد كوتايشي ناروهيتو شِنّو الإمبراطور الجديد لليابان يوم 1 مايو/أيار المقبل. وعلى غير عادة اليابانيين، لا تفارق الابتسامة محياه. يظهر باستمرار رفقة زوجته الأميرة ماساكو، وهما زوجان حداثيان إلى أبعد الحدود، درسا معا في الخارج، اختار هو جامعة أكسفورد في لندن، أما الأميرة فدرست في روسيا ثم بريطانيا والولايات المتحدة.

”ناروهيتو“ اسم صيني في الأصل مأخوذ من كتاب كونفوشيوسي قديم، ويعني ”رجل بفضائل سماوية“.[11] وعلى عكس والده الذي ترعرع بعيدا عن والديه وفقا لعادات العائلة المالكة الضاربة في القدم، فإن ولي العهد وشقيقه الأصغر الأمير أكيشينو والأخت الصغرى ساياكو كورودا، والأميرة السابقة ساياكو التي غادرت بيت العائلة بعد زواجها من مسؤول حكومي في طوكيو في 2005، نشؤوا جميعا في كنف العائلة الصغيرة.

التحق ناروهيتو بمدرسة رياض الأطفال في عام 1964، ودرس في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية بالجامعة ذاتها، والتي تأسست في القرن التاسع عشر كمدرسة لطبقة النبلاء الكبار في البلد. وفي عام 1978، التحق بكلية الآداب بالجامعة، وتخصّص في التاريخ. تخرج في عام 1982، ثم تقدم إلى كلية الدراسات العليا في الجامعة اليابانية الخاصة في أبريل/نيسان 1982، درس لمدة عامين من 1983 في كلية ميرتون بجامعة أكسفورد، حيث كان يعيش في سكن خاص بالطلاب لأول مرة.

في يناير/كانون الثاني 1989، أصبح وليا للعهد وهو في الـ28 من عمره، بعد أن تولى والده الإمبراطور أكيهيتو عرش الأقحوان (الاسم الذي يطلق على المقعد الإمبراطوري) إثر وفاة الإمبراطور هيروهيتو. بعد ذلك بعامين وجد شريكة حياته وتزوج وعمره 33 عاما في يونيو/حزيران 1993. زوجته التي قضت معظم طفولتها في موسكو ونيويورك، التقته أول مرة في أكتوبر/تشرين الأول 1986 في حفل لاستقبال الأميرة الإسبانية إيلينا التي كانت في زيارة إلى اليابان. بعد عودتها من جامعة أكسفورد، حيث درست فيها بين عامي 1988 و1990، تواعد الاثنان مرة أخرى في 1992 واقترح عليها الزواج في وقت لاحق من ذلك العام.

أنجب الزوجان طفلة وحيدة هي الأميرة إيكو في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2001. وبالنظر إلى أن الأميرة لا يمكنها تولي العرش خلفا لوالدها، إذ يجعل القانون الياباني الخلافة مقتصرة على الذكور، فإن إقصاء الأميرة الصغيرة أثار حنق بعض الليبراليين، مما أثار جدلا صاخبا في البلاد.

وبخصوص عمله في الميدان، عمل ناروهيتو رئيسا فخريا للمجلس الاستشاري للأمين العام للأمم المتحدة بشأن المياه والصرف الصحي منذ عام 2007. وبصفته وليا للعهد، قام بأول رحلة خارجية له إلى أستراليا في عام 1974. أما أول زيارة رسمية له إلى الخارج فكانت إلى البرازيل عام 1982.

صورة تجمع الإمبراطور أكيهيتو رفقة ولي العهد ناروهيتو وبقية العائلة الحاكمة

الجينجو.. التقويم الياباني

رغم أن اليابان تلتزم في المعاملات الاقتصادية بالتقويم الميلادي، فإن الشعب لا يزال متمسكا بالتقويم الياباني التقليدي ويُدعى ”الجينجو“. وسنوات التقويم الياباني قصيرة جدا، إذ ترتبط بالأعوام التي يتولى فيها الإمبراطور العرش. وعند وفاته ترجع الساعة إلى الصفر مجددا، لتنطلق حقبة جديدة مع إمبراطور جديد.

فمثلا، حقبة الإمبراطور أكيهيتو التي تحمل لقب ”هيسي“، بدأت عام 1989، وهو ما يعني أننا اليوم في العام 31. حقبة ”شوا“ التي سبقت ”هيسي“ امتدت 64 عاما من عام 1926 إلى عام 1989، وتعتبر أطول حقبة إمبراطورية في التاريخ الياباني.

وحسب استطلاع نشرته صحيفة ماينيتشي اليابانية، فإن ما يزيد عن 34% من المواطنين قالوا إنهم يستخدمون الجينجو. وتقريبا النسبة نفسها تستخدم التقويمين الغربي والياباني، ونحو 25% تستخدم التقويم الغربي فقط.[12]

وكذلك، عندما يموت الإمبراطور يموت معه اسمه ليحمل لقبا جديدا، ويطلق هذا اللقب على مرحلة اعتلائه العرش. أما تنصيب إمبراطور جديد فعملية معقدة تلاحقها الكثير من الأسرار، إذ إن المشاركين في اتخاذ القرار بتسمية الحقبة الجديدة والتفاصيل المتعلقة بها يتم تجريدهم من هواتفهم المحمولة وإجبارهم على البقاء في عزلة حتى تتم إذاعة الاسم رسميا.

وكان لدى اليابانيين منذ 2016 متسعا من الوقت للاستعداد للانتقال إلى التقويم الجديد. ونتيجة لذلك، يقول الخبراء إن شبكات الحاسوب في البلاد لن تواجه أية مشاكل في هذا الصدد. وتعتمد الشركات الكبيرة في البلد التقويم الغربي الغريغوري، بينما لا تزال الشركات الناشئة تعمل بالتقويم الياباني التقليدي.[13]

ويتم اختيار أسماء التقويم الياباني بدقة لتكون لها دلالات سياسية، فمثلا ”هيسي“ تعني ”تحقيق السلام“، وكان الهدف منها هو جعل اليابان تلعب دورا كبيرا في الشؤون العالمية، خاصة بعد حقبة الازدهار الاقتصادي الذي يوصف بالمعجزة بعد الحرب العالمية الثانية.

يوم 1 مايو/أيار، سيكون ناروهيتو أول إمبراطور لم يعش أهوال الحرب العالمية الثانية، كما أنه لن يكون مجبرا على النبش في ذلك الماضي المليء بالأهوال ومحاولة مصالحة اليابانيين مع الشعوب الآسيوية التي قهرتهم الآلة العسكرية لبلاده طيلة عقود.

المصادر: