تقارير

مولانا والقدّيس.. الباحثان عن العشق

آية طنطاوي

جمعَ بيغمان تدين الإيراني قصائدَ الرومي، ألّفَ لها ألحانًا على العودِ وعلَّمَها لتلاميذِه

 

جلسَ وحيدا على حافة النَّهرِ سارحا بنظرِه بعيدا وصوتُ الرَّصاصِ وصراخ الأطفال مازال يُدوّي في أذنيه، كانَ يلتقطُ أنفاسَه في صمتٍ كأنَّ الهمومَ تُكبِّلُه، لكنَّ رأسَه مرفوعٌ ولم يَنْحَنِ. شَعَرَ أنْ لا حيلةَ بيدِه ليُوقِفَ الصَّخَبَ الذي يَعْلُو في كلِّ أرجاءِ العالَم، فالمئاتُ والآلافُ يُقْتَلُونَ كلَّ يومٍ باسمِ الدِّينِ، والعَمَلِيَّاتُ الإرهابيةُ خَلَّفَتْ وراءَها وجوها مذعورةً وقلوبا كارهةً لكلِّ المسلمينَ بل ورافضةً لفتحِ أبواب الحوارِ معهم. أخرَجَ ”بيغمان“ العُودَ من حقيبتِه وبدأَ في العَزْفِ، عَزَفَ أحبَّ المقطوعاتِ إلى قلبِه لعلَّ صراخَ العالَمِ يهدأُ قليلاً.

ربَّما لم يكن لمشهد كهذا أن يَحْدُثَ للموسِيقِيِّ ”بيغمان تدين“ لو أنَّه كانَ في بلدِه إيرانَ، فقد نَشَأ في مجتمعٍ دينيٍّ متشددٍ، وشَهِدَ منذُ صِغَرِهِ الطوائفَ والمذاهبَ الإسلاميةَ المتعددةَ وأدركَ مدى تشابُهِها رغمَ الخلافاتِ الناشبةِ بينَها، كما شَهِدَ أيضًا الحروبَ والنِّزاعاتِ التي تُحَرِّكُها الرغبةُ في التَّسَيُّدِ.

كانت هذه الصراعاتُ ضاغطةً للغاية، لذلكَ قرَّرَ أن يتركَ بلادَ الشَّرقِ وينتقلَ إلى أوروبا، وتحديدا إيطاليا، ليس فقط ليدرُسَ الموسيقى، بل ليزرَعَ نفسَه في مجتمعٍ أكثرَ تسامحًا مع الآخرِ، وليَخْلُقَ لنفسِه مساحةً جديدةً يُعيدُ فيها نشرَ الفنونِ الشرقيةِ في المجتمعِ الغربيِّ، فبدأ بيغمان بتدريسِ العزفِ على العُودِ للأوروبيين، كما علَّمَهم أيضًا الرقصَ الصُّوفيَّ.

يأخذُنا وثائقيُّ ”مولانا والقديس“ في رحلةٍ استكشافيةٍ جديدةٍ يخوضُها بيجمان وهو يحملُ العودَ ليقفَ على مساحةٍ مشتركةٍ بينَ المسيحيةِ والإسلامِ.

بيغمان يناجي الرومي

رغمَ نجاحِه إلَّا أنَّ بيغمان يشعُرُ بالوحدةِ، وكانت مناجاتُه لجلالِ الدينِ الرُّوميِّ وأشعارِه هي المتنفسُ الذي يُنْسِيهِ شعورَه بالغربةِ، وشعورَه بالخَجَلِ مِن كلِّ الجرائمِ التي تتمُّ باسمِ الإسلامِ في العالَمِ كلِّه.

جمعَ بيغمان قصائدَ الرومي، ألّفَ لها ألحانًا على العودِ وعلَّمَها لتلاميذِه. وفي حديثٍ مع أحدِ أصدقائه عَرَفَ بيغمان أنَّ هناكَ قديسًا مسيحيًّا يشبُه كثيرًا جلالَ الدِّينِ الروميَّ في فكرِه وأشعارِه.

فرنسيس.. الراحة في خدمة المساكين

وقفَ في منتصفِ الطريقِ أمامَ المارَّةِ وخلعَ ثيابَه كلَّها، لم يكنْ جنونًا قد أصابَ عقلَه، لكنَّه قرَّرَ أن يخلعَ عنه حياتَه الماضية ليبدأ حياةً جديدةً، فاستغنى عن ثيابِه الفاخرةِ وأضحت خرقة بالية من الصُّوفِ هي كلُّ ما يملكُ من أَرْدِيةٍ.

لقد أدركَ القديسُ فرنسيس الآسيزي أنَّ حياةَ الترفِ والغِنى تَحُولُ بينَ قلبِه وبينَ قلوبِ البسطاءِ والمساكينِ. لم يكنْ هذا الشعورُ وليدَ اللحظةِ، بل إنّ صدفةً جمعتْهُ بشخصٍ غريبٍ قد أبدلَتْ حياةَ فرنسيس تمامًا.. ذاتَ يومٍ كان فرنسيس يمتطي حِصَانَهُ ويسيرُ به في أحَدِ الحُقُولِ فقابلَ صدفةً رجلًا فقيرًا مصابًا بالجُذامِ، انتفضَ الرجلُ وابتعدَ عن فرنسيس، فهو معتادٌ على نفورِ النَّاسِ منه عندَما يرونَه، لكنَّ ما حدثَ أنَّ فرنسيس اقترَبَ منه واحتضنَه وغطَّاه بردائهِ.. في تلكَ اللحظةِ تحديدًا شَعَرَ فرنسيس بالرَّاحةِ التي طالما بَحَثَ عنها وتَبَدَّلتْ بداخلِه ملذاتُ الحياةِ ونظرتُه لها، وَوَجَدَ أخيرا ضالّتَه في القُربِ من البُسَطاءِ، فمزّقَ وصايا أبيهِ له الذي طالما حثَّه على القَسْوةِ والغِلْظَةِ في التَّعامُلِ والتي لمْ يجد لها فرنسيس مكاناً في قَلْبِهِ.

بعْدَ نزولِ فرنسيس من على حِصَانِه ليقترِبَ من البُسَطَاءِ لم يَعُدْ فارساً، لكنَّه أصبحَ إنساناً قلبُه مغتَمِرٌ بنورِ اللهِ.

عاشَ القِدِّيسُ فرنسيس في إيطاليا في القرنِ الثالث عَشَر الميلادي، وفي نفسِ الفترةِ الزمنيةِ عاشَ في الشرقِ رجلُ دينٍ أصبَحَ فيما بعد قِبْلَةً للصُّوفيةِ الإسْلاميةِ، دَرَسَ علومَ الدِّينِ والشريعةَ واللغةَ العربيةَ وتتلمذَ على يدِ الفُقَهاءِ، لكنَّ لقاءً آخرَ كان بانتظارِهِ ليبدِّلَ حياتَه كلَّها، هذا الرجلُ هو جلالُ الدِّينِ الرُّوميُّ.

عاشَ القِدِّيسُ فرنسيس في إيطاليا في القرنِ الثالث عَشَر الميلادي، وفي نفسِ الفترةِ الزمنيةِ عاشَ في الشرقِ رجلُ دينٍ أصبَحَ فيما بعد قِبْلَةً للصُّوفيةِ الإسْلاميةِ هو جلال الدين الرومي

الرومي.. يجد ضالته في العشق الإلهي

لم يكن الروميُّ ينقُصُه شيءٌ من الذَّكاءِ والعِلْمِ والإيمانِ باللهِ، بل إنَّ مريديه كانوا يلتفّونَ حولَه كلَّ يومٍ لينهَلُوا من علمِه، لكنَّه كان كإناءٍ نصفُه ممتلئٌ والنِّصفُ الآخرُ يبحثُ عما يُكملُه، وما كان ينْقُصُه هو العشقُ، وقد وجدَه بالفِعْلِ بداخلِ شمسِ الدِّين التبريزي الذي فَتَحَ له أبوابَه لينهَلَ منها معانيَ العشقِ الإلهي.

إنَّ الصُّدفَةَ التي جَمَعَتْ الروميَّ بالتبريزي أبدلت حياتَه تماما، فقضَيا الأيامَ واللياليَ ممعنينَ في معنى العشقِ وتأمُّلِ المساحاتِ الرَّحبَةِ من تعاليمِ الإسلامِ التي تدعونا للتفكُّرِ والتدبُّرِ والسلامِ والمحبةِ.

بتتبعِ مسيرةِ كلٍّ من القديسِ فرنسيس الآسيزي ومولانا جلالِ الدِينِ الرُّوميِّ التي يسردُها الفيلمُ نجدُ أنَّ الصراعاتِ المجتمعيةَ كانت تحيطُ بهما، بينَ رفضِ والدِ فرنسيس لأنْ يتجِهَ ابنُه لحياةِ الزهدِ والتقشفِ ومعارضةِ الكنيسة له لأنَّه لم يتبع نهجَهم، وبينَ عداءِ مجتمعِ الرومي لتوجُّهِه الصُّوفيِ وابتعادِه عن الفتوى وتدريسِ الدِّينِ والشريعةِ، لكنَّ المطافَ الأخيرَ الذي قرَّرا الارتحالَ له غيّرَ حياتَيهما تماما، أو يمكنُنا اعتبارُه إعادةَ اكتشافِ النفسِ وروحِ الدِّينِ.

هنا وَقَفَ بيغمان ليستجمع قواه، وليعيدَ التفكيرَ في صراعِهِ الشخصيِّ الذي يؤرِّقُه، وفي مساحةِ التَّلاقي التي قد تجمعُ بينَ ملهمِه الأوَّلِ جلالِ الدينِ الرومي وبينَ القديسِ فرنسيس، قرأَ أشعارَهما التي ترسمُ خريطةً جديدةً للنفسِ البشريةِ والتي تدعو للانفتاحِ على الآخَرِ والحبِّ والتسامحِ والسلامِ.. هنا وَجَدَ بيغمان أوَّلَ خيطٍ سيقودُه لمبتغاه ويأخذُنا لمسارٍ جديدٍ في الفيلمِ.

التصوف بين الإسلام والمسيحية

إنَّ مذهبَ التصوفِ وإنْ كانَ يختلفُ في الممارساتِ بين الإسلامِ والمسيحيةِ، فإنَّه يتفقُ في جوهرِهِ على أنَّه نزعةٌ إنسانيةٌ لا ترتبطُ بديانةٍ أو ثقافةٍ أو إطارٍ مجتمعيٍّ معينٍ.

يقولُ يوسفُ زيدان ”مع نشأةِ الحضاراتِ الأولى، ظهرت الصوفيةُ متمثلةً في شعورِ البشرِ بأنَّ هناكَ أسراراً في هذا الكونِ، وحياةً أخرى غيرَ تلكَ التي نحياها، وهكذا ظهرت مفاهيمُ مثلُ: المطلقُ.. الفنونُ.. التَّصوفُ..“[1].

عندما تأملَ فرنسيس الآسيزي معنى حياته وجدَ أنَّ نفسَه الضائعةَ وجدت سُكْناها في زهدِ التَّرفِ وتَركِ ملاذِ الحياةِ، فكانت خدمةُ الفقراءِ ومرافقتُهم هي البدايةُ التي أعلنَ بها تصوفَه وتقشفَه، فبدأ التبشيرَ في بلدتِه آسيزي وغيَّرَ حياةَ 12 شابا صاروا تلاميذَه والذي أسَّسَ بهم ومعهم الرَّهبنةَ الفرنسيسكانية الأولى[2].

وكانت سُكْناهُ في الطبيعةِ هي نافذتُه للبحثِ عن اللهِ، وشعورُه أنَّ كلَّ صنيعِ اللهِ هو ملكٌ له، فلم يَعُدْ قلبُه متعلقا بالمادياتِ كمَا كان في الماضي، وفي صلواتِه كان فرنسيس يدعو الشمسَ بأنَّها اختُه، وكذلكَ القمر والريح والهواء والسحب الصَّافية إخوتُه، كان فرنسيس متَّحدًا مع الطبيعةِ، مع الحياةِ والموتِ، مع كلِّ شيءٍ تحتَ ملكوتِ اللهِ.

فرنسيس الآسيزي: ”كن مُسبّحاً يا سيدي لأختِنا وأمّنِا الأرضِ التي تحملُنا وتحكمُنا وتنتجُ ثماراً متنوعةً مع زهورٍ ملوَّنةٍ وأعشابٍ“

وعندما اقترَبَ جلالُ الدِّينِ الروميُّ من شمسِ الدِّينِ التبريزيِّ أبصرَ موضعَ النورِ بداخلِه، فكانت حكاياتُه وأفكارُه وعطاياه هي المرشد الأوَّل للرُّوميِّ ولم يغِبْ شمسُ الدِّينِ عن بالِه حتَّى بعدَ اختفائه، فكانت عزلتُهما عن متاعِ الدُّنيا هي بوابتُهما لاكتشافِ أنفسِهما واختبارِ معاني العشقِ الإلهيِّ واستشعارِ لذةِ الأُنْسِ باللهِ.

قد يختلفُ مذهبُ الصُّوفيةِ الإسلاميةِ في مُنتَجِهِ الفكريِّ عن غيرِه من المذاهبِ في أنَّ لغتَه أكثرُ خصوصيةً من ناحيةِ الكتابةِ، فيرى الشاعرُ أدونيس أنَّ كتاباتِ الصوفيةِ الإسلاميةِ هي حركةٌ إبداعيةٌ وسَّعَتْ حدودَ الشِّعرِ مضيفةً إلى أشكالِهِ الوزنيةِ أشكالًا أخرى نثريةً تشبِهُ ما يعرفُ في الشِّعرِ الحديثِ بـ“قصيدةِ النثرِ“، وأنَّها بذلكَ رفضتْ أن تسلكَ اللغةَ الجامدةَ المعتادةَ في الإنتاجِ الدِّينيِّ، واتخذتْ من الشِّعرِ قَبَسا انطلقت به كتاباتُها. كما أنَّ اللغةَ الصوفيةَ تحملُ تجلياتٍ تعبِّرُ عنها بالرمزيةِ والمجازِ، وهذا في الأصلُ جوهرُ الشِّعرِ[3].

النور يكمن بداخلنا

بعدَ أنْ أبحَرَ بيغمان في بحثِه عن حياةِ جلالِ الدِّينِ الرُّوميِّ وفرنسيس الآسيزي وإدراكِه لمدى التشابِهِ بينَ حياةِ مولانا والقديس في الفِكْرِ والمعتَقَدِ وظروفِ الحياةِ؛ سألَ نفسَه: طالما أنَّ الاثنين عاشا في نفسِ الزَّمنِ واعتنقا نفسَ الأفكارِ في إنقاذِ رُوحِ الدِّينِ والنزعَةِ الإنسانيةِ وإعادةِ تعريفِها، ماذا كان سيحدثُ لو أنَّهما التَقَيَا سويًا؟

ربَّما تكونُ الإجابةُ قد تشكلت في عقُولِنا بصُورٍ مختلفةٍ، لكنَّها تحوَّلت في عقلِ بيغمان إلى مقطوعةٍ موسيقيةٍ ممتزجةٍ بالشِّعرِ. كانت الموسيقى هي الملاذُ الأخيرُ لبيغمان، اللغةُ التي تطيبُ لها الآذانُ وتستقرُّ في النفوسِ براحةٍ، وتنشرُ رسالتَها بسلامٍ.

إنَّ كتاباتِ مولانا والقديس كنهرَين يجريانِ من منبعٍ واحدٍ يحملان عذاباتِ النَّفسِ الإنسانيةِ ليصلا بها إلى المرفأ الآمِنِ، من هنا كانت فكرةُ بيغمان أن يمزُجَ بينَ كتابتِهما في قصيدةٍ واحدةٍ ويلحنَها ويقومَ بعزفِها على المسارحِ الأوروبيةِ ليخلقَ حالةَ التوحُّدِ بينَ العالَمِ الإسلاميِّ       والمسيحيِّ بالموسيقى وروحِ الشِّعرِ.

كان جلالُ الدِّينِ الرُّوميُّ يجدُ في الموسيقى والغناءِ أدواتٍ للتعبيرِ عن آرائِهِ، وفرنسيس كان يصنعُ آلاتٍ وتريةً للعزفِ عليها، وكانَ يغنِّي، وكان محبًّا للقَصَصِ الأسطوريةِ الملحميةِ وكان عاشقًا للغِناءِ.. لذا تكونت لديهِ رهافةُ حسٍ.

يقولُ الأديبُ الفرنسيُّ فلوبير: إنَّ الأسلوبَ هو طريقةُ الكاتبِ الخاصةُ في التفكيرِ والشعورِ، وهذا يفسِّرُ أنَّ للكلمةِ فنًّا، فالكتابةُ ليست فقط استرسالًا لغويًّا بقدْرِ ما هي ارتباطٌ بمشاعرِ الكاتبِ ودوافِعِه[4].

وإذا نَظَرْنا إلى كتاباتِ فرنسيس والرُّوميِّ سواءٌ كانت أدعيةً أو صلواتٍ أو خواطرَ وأفكارا نجدُها تحملُ طابعاً شعريّا، فهي مليئةٌ بالمشاعرِ والانطباعاتِ الفطريةِ وتُناجي في قالبِها أسلوبَ الشعرِ، وهي أيضا تعكسُ الطريقةَ التي يرَونَ بها الأشياءَ.

جلالُ الدِّينِ الرُّوميّ: ”لا تهرَعْ إلى كُتُبِكَ بحثًا عن المعرِفَةِ.. بل خذْ النَّايَ واجعلْ قلبَكَ يعزِفُ“

مساحة لقاء

إنَّ المساحةَ الافتراضيةَ التي خَلَقَها بيغمان لِيَلتقيَ فيها مولانا جلالُ الدينِ الروميُّ والقديسُ فرنسيس الآسيزي خفَّفتْ قليلاً من وطأةِ الحروبِ الضاغطةِ التي تلاحقُهُ، فاستطاعَ الحفلُ أن ينشرَ رسالةَ التسامحِ دونَ استخدامِ كلماتٍ نمطيةٍ أو شعاراتٍ غيرِ مجديةٍ، بل إنَّه أعادَ تعريفَ الرُّوحِ الإنسانيةِ وغايتِها.

لم يكن يومًا العنفُ والكراهيةُ شريعةَ أيِّ دينٍ، لكن السمومَ التي تقتلُ فطرةَ الروحِ الإنسانيةِ يجبُ أن تعيدَنا من جديدٍ إلى تأملِ المشهدِ من حولِنا، وإعادةِ اكتشافِ المساحاتِ الغائمةِ التي خرَّبتْها الحياةُ لنُعيدَ لها النُّورَ من جديدٍ.

لم تَنْتَهِ رحلةُ القديسِ ومولانا بموتِهما فلم يكن الموتُ في اعتقادِهما نهايةَ الحياةِ، لكنَّ السيرةَ التي خلَّفوها، والأفكارَ التي صاغوها بدأت بقطرةٍ صغيرةٍ وأصبحت كالنَّهرِ الجاري الذي يَفيضُ ويستزيدُ منه الآخرون. وهذا ما عرضَه الفيلمُ في رحلةِ بيغمان في النَّهلِ من مولانا والقديس. عندَما وقفَ في كواليس الحفلِ الأوَّلِ له لعزفِ أشعارِهما كان يتساءلُ إنْ كان أحدٌ سيحضرُ في ظلِّ ما تنقلُه وسائلُ الإعلامِ من أخبارِ القتلِ والعنفِ! فكان تصفيقُ الجمهورِ له بعدَ الحفلِ أعلى من صوتِ الرَّصاصِ في ساحاتِ الحربِ.

هدأت أنفاسُ بيغمان أخيرًا، عَرَفَ أنَّ العودَ الذي يحملُه ويسيرُ به هو سلاحُه الوحيدُ لمواجهةِ شعورِه بالغُربَةِ، والذي سيكملُ رسالتَه التي لم يَعْرِفْ كيفَ يوصلُها للعالَمِ. إنَّ الكلمةَ بداخلِ قائِلِها تولَدُ وتَكْبَرُ، وبالتدَاوُلِ والنَّقْلِ تستطيعُ أن تنبتَ وتُزْهِرَ داخلَ الآخرين كنغمةٍ هادئةٍ تسري في الوجدانِ، وجوهرُ كلماتِ مولانا والقديس هي البحثُ عن الصَّلاحِ بداخلِنا.

المصادر:

[3]  أدونيس، كتاب: الصوفية والسوريالية

[4] عز الدين إسماعيل، كتاب: الأدب وفنونه: دراسة ونقد