أخبار

يوم الأرض.. ”الشعب قرر الإضراب“

ميرفت صادق

أصبح يوم الأرض بالنسبة للفلسطينيين مناسبة سنوية للتأكيد على حق الفلسطينيين في أرضهم

صباح الثلاثين من مارس/آذار 1976، كان ”خضر خلايلة“ يطالع من نافذة منزله في بلدة سخنين الغضب النازل إلى الشوارع خارقا منع التجوّل الذي فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلي على قرى الجليل شمال فلسطين المحتلة. وبعد قليل سمع صرخات جارته المصابة بالرصاص وخرج مع شبان الحي لإنقاذها، وقريبا من بيته أطلق جنود الاحتلال النار على رأسه، وسقط شهيدا أمام شقيقه أحمد.

بعد 43 عاما على استشهاده، يروي أحمد خلايلة قصة ”إعدام“ شقيقه، لكن قبلها يذكر الطريق إلى إضراب ومظاهرات ”يوم الأرض“ التي أدت إلى استشهاد ستة فلسطينيين وإصابة واعتقال المئات، وذلك في أهم مواجهة بين فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 والاحتلال الإسرائيلي منذ النكبة.

 

مصادرة أراضي الجليل

يذكر توثيق مؤسسة الدراسات الفلسطينية لأحداث عام 1976 أن الحكومة الإسرائيلية أصدرت في 29 فبراير/شباط 1976 قرارا بمصادرة نحو 20 ألف دونم من أراضي الجليل شمال فلسطين، وذلك بحجة ما سمّته خطة ”تطوير الجليل“، وورد في بيانها أنه ”عطفا على القرارات الخاصة بتطوير الجليل لمصلحة سكانه اليهود والعرب، ووفقا لمشاريع الإسكان المصدقة من وزارة الإسكان، قررت الحكومة الأخذ علما ببيان وزير المال بشأن تجميع الأراضي، بما في ذلك مصادرات اضطرارية لازمة لتحقيق الخطة..“.

في ذلك الحين، تلقّت المجالس المحلية في قرى عرابة وسخنين ودير حنا بالجليل قرارات بمنع دخول الأهالي ”منطقة رقم 9“ حسب توصيف الاحتلال، وهي أراضي ”المَلّ“ كما يسميها أصحابها، وكان الاحتلال يستخدمها لأغراض عسكرية حتى ذلك الحين.

يقول خلايلة إن الهدف الحقيقي كان تهويد الجليل وليس تطويره، ويذكر تصريح ”يسرائيل كينيغ“ مستشار الحكومة الإسرائيلية للشؤون العربية بعد جولة بالجليل بأن السكان العرب ما زالوا يشكلون أغلبية هنا، وأرسل رسالة لحكومته قائلا إن ”هناك دولة عربية داخل دولة إسرائيل، لذا علينا تغيير شكل المنطقة“.

على إثر ذلك، دعت لجنة الدفاع عن الأراضي في الداخل المحتل إلى الإضراب الشامل في كل المدن والقرى العربية يوم 30 مارس/آذار 1976، وحاول الاحتلال الضغط على الجماهير والمجالس العربية لإفشال الإضراب.

في 25 مارس/آذار 1976 وفي مدينة شفا عمرو، اجتمع عدد من رؤساء المجالس المحلية للتصويت ضد الإضراب استجابة لضغوط الاحتلال، لكن المظاهرات الشعبية حينها ووقوف رئيس بلدية الناصرة توفيق زيّاد ومعه عدد من رؤساء المجالس الآخرين أفسد تصويتهم. ورد زيّاد على محاولات تعطيل الإضراب قائلا ”الشعب قرر الإضراب.. ونحن مع الشعب“.

وصارت هذه الجملة بمثابة مقولة خالدة ما زال جرحى ومعتقلو ومناضلو يوم الأرض يرددونها في كل شهادة لهم على أحداثه، ويذكرون زيّاد باعتباره مهندس هذا اليوم، وهو الذي تعرض منزله للاقتحام وعائلته للاعتداء، وكان عرضة للاغتيال فيه بسبب نشاطه في حثّ الجماهير العربية على الإضراب، وذلك حسب رواية زوجته نائلة زيّاد.

صبيحة 30 مارس/آذار استيقظ أهالي منطقة الجليل على إعلان الاحتلال الإسرائيلي منع التجول

إضراب شامل.. وقمع إسرائيلي

في 29 مارس/آذار حاولت إسرائيل إفشال الإضراب مسبقا، فاقتحمت بقوات كبيرة قرية دير حنا لقمع استعدادات الجماهير، لكنها قوبلت بمواجهات عنيفة امتدت إلى قرية عرّابة المجاورة، حيث سقط أول شهداء يوم الأرض خير محمد ياسين.

حاول الأهالي نقل ياسين قبل استشهاده إلى مستشفى نهاريا عبر سخنين، ويقول أحمد خلايلة ”عندما وصلوا به مصابا إلى مركز بلدة سخنين حيث احتشد الناس استعدادا للمواجهة، قيل لهم ”دم أهلكم في عرّابة يسيل“، وشاهد الناس دم الشهيد، فدبّ الغليان في نفوسهم.

حاول أهالي سخنين التوجه لنجدة عرّابة، لكن الاحتلال كان قد أغلق الطريق بقوات معززة بالدبابات، فامتدت المواجهات إلى سخنين، وأصيب فيها نحو ستين شابا في ليلة يوم الأرض، واعتقل العشرات.

صبيحة 30 مارس/آذار استيقظ أهالي منطقة الجليل على إعلان الاحتلال الإسرائيلي منع التجول، وكان خضر خلايلة (24 عاما) يستمع إلى إعلان منع التجول عبر نافذة منزله، وذلك بعد يوم واحد من مشاركته في المواجهة مع الاحتلال.

قال رئيس المجلس المحلي لسخنين حينها جمال طربية لعائلته ”رجوت خضر أن يقنع الشباب بالتراجع عن المواجهة، لكنه أجاب: نحن رجال، ونريد أن ندافع عن أرضنا وحياتنا وهويتنا“.

كانت سخنين قد قدمت ثلاثة شهداء هم خضر خلايلة وخديجة شواهنة ورجا أبو ريا، وأصيب العشرات بعد خرق الأهالي منع التجول والاشتباك مع الاحتلال

شهداء يوم الأرض

في صباح 30 مارس/آذار حاصرت قوات كبيرة منزل خضر خلايلة وأطلقت النار عليه من كل ناحية لكنه لم يصب، وبعد قليل سمع خلايلة إطلاق الاحتلال النار على جارته المعلمة آمنة محمد عمار وإصابتها في بطنها، فخرج خضر مع أهالي الحي لإسعافها فمنعهم الجنود، فاندفع خضر نحوهم غاضبا وصاح بهم ”هذه بيوت لها حرمتها فاخرجوا من هنا“، لكن أحد الجنود ابتعد قليلا وصوّب وأطلق النار على رأسه فاستشهد مباشرة.

ومع ساعات الظهر كانت سخنين قد قدمت ثلاثة شهداء هم خضر خلايلة وخديجة شواهنة ورجا أبو ريا، وأصيب العشرات بعد خرق الأهالي منع التجول والاشتباك مع الاحتلال. وفي كفر كنا استشهد محسن طه، بينما استشهد رأفت الزهيري القادم من مخيم نور شمس في طولكرم بالضفة الغربية في مظاهرة الطيبة بالمثلث.

قال أحمد خلايلة إن الجماهير العربية بكل أطيافها رأت في الإضراب وسيلة للتعبير عن حقها والتزامها بالدفاع عن أرضها، وكي لا تسمح للاحتلال بمصادرات أخرى، وأضاف ”وقفنا جميعا معا في الجليل والمثلث والنقب من أجل حماية أرضنا“. لم ينسَ خلايلة التذكير بأن دم الشهداء الذي سال يوم الأرض كان السبب الأول في إعادة ”أرض الملّ“ -التي حاول الاحتلال مصادرتها ضمن مخطط تهويد الجليل- إلى أصحابها.

أصبح يوم الأرض بالنسبة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 وكافة أنحاء فلسطين مناسبة سنوية للتأكيد على حق الفلسطينيين في أرضهم، والتي ظلت منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن موضوع الصراع الأساسي بين الفلسطينيين والصهاينة.

رأى مصطفى كبها في مظاهرات يوم الأرض امتدادا للصراع الأول بين الفلسطينيين والاحتلال وهو "الأرض"

فلسطينيو 1948.. نقطة انعطاف

في تقديمه لكتاب ”يوم الأرض.. انتصار وحدة الصف الكفاحية“ الصادر عن معهد إيميل توما للدراسات، يقول عصام مخول إن ”يوم الأرض شكّل أعظم محطة في حياة الجماهير العربية في إسرائيل، وأكثرها تأثيرا على بلورة إستراتيجية بقائها، والتأسيس لفكرها السياسي ونهجها النضالي، وشكّل نقطة انعطاف في تعامل الجماهير العربية مع نفسها كأقلية قومية وكقوة ديمقراطية لا يُستهان بها وبوزنها في المواجهة مع مؤسسة الاضطهاد القومي في إسرائيل والتصدي لمشاريعها“.

وفي كتابه ”يوم الأرض.. ما بين القوميّ والمدنيّ – سيرورة وتحوّل“ يقول نبيه بشير إن هذا الحدث شكّل مفصلاً مركزيا ومحورا أساسيا في تطور الوعي الجماعي لدى المجتمع الفلسطيني، وفي علاقة هذا المجتمع بالدولة الإسرائيلية.. وقد بقي يوم الأرض يوما وطنيا يغذّي ويحيي الذاكرة الجماعية الفلسطينية“.

وحسب بشير فإن يوم الأرض لا تنبع أهميته من كونه يوم تحد للسلطة المغتصبة فحسب، وإنما لكونه يتمحور حول المركب الأكثر أهمية في الوجود الفلسطيني تاريخيا وإنسانيا وحضاريا، ألا وهو العلاقة العضوية بين الشعب والأرض.

ويسمي مأمون كيوان في كتابة ”فلسطينيون في وطنهم لا دولتهم“ يوم الأرض بأنه ”انتفاضة الفلسطينيين الأولى“ في الداخل، على اعتبار أن ”هبّة 2000“ التي انطلقت لمساندة انتفاضة الأقصى في الضفة الغربية والقدس هي انتفاضتهم الثانية.

إنفوغراف يوضح حيثيات يوم الأرض عام 1976

الأرض.. محور الصراع مع إسرائيل

لكن المؤرخ الفلسطيني مصطفى كبها رأى أن يوم الأرض جاء كحلقة مهمة من حلقات النضال الوطني الفلسطيني التي بدأت مطلع العشرينيات، وذلك منذ انتفاضة الشيخ شاكر أبو كشك ضد الهجرات اليهودية في يافا والمناطق المحيطة، ثم هبّة البراق، وحتى ثورة الشيخ عز الدين القسّام (1935- 1936) وغيرها.

ورغم ذلك اعتبر كبها يوم الأرض مفصلا مهما في تاريخ الشعب الفلسطيني بالداخل، لأن إضرابه ومظاهراته ساهمت إلى حد كبير في إيقاف مخططات مصادرة الأراضي، كما أنه أوصل صرخة الفلسطينيين في الداخل إلى فلسطين كافة وإلى الخارج، وأعاد وضعهم على الخارطة النضالية بعد أن كانوا يعانون من آراء مسبقة بشأن اندماجهم في واقع الاحتلال، وكانت أحداث يوم الأرض -كما يقول كبها- تعبيرا كبيرا عن الصراع على الأرض والحيز المكاني.

يقول كبها إن مصادرة أراضي الفلسطينيين وترحيل الفلاحين عن أراضيهم بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر وقبل النكبة بكثير، وجاء يوم الأرض ليشكل مفترقا هاما لوقف هذه السياسة. ويعتقد كبها أن مصادرة الأراضي كانت من أبرز أنماط التمييز التي مارستها إسرائيل بحق الفلسطينيين في الداخل، والتي كانت دافعا أساسيا لتشكيل أولى التنظيمات المقاومة لسياسات الاحتلال، والتي أفضت إلى مظاهرات يوم الأرض ومحطات مقاومة أخرى لاحقا.

وحسب كبها فإن سلطات الاحتلال اعتمدت في مصادرتها لمساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين على قوانين ولوائح متعددة، ورثت بعضها من سلطات الانتداب البريطاني مثل قانون ”المصادرة من أجل الصالح العام سنة 1943 وقانون الطوارئ لسنة 1945″، كما سنّت قوانين جديدة مثل ”لائحة مصادرة الأراضي غير المفلوحة لسنة 1949، و“قانون تسوية الأراضي لحالات الطوارئ لسنة 1949″، و“قانون مصادرة أملاك الغائبين لسنة 1950″، وأجازت هذه القوانين لإسرائيل مصادرة الأراضي ذات الملكية الشخصية لدواع أمنية أو تحت دعوى ”خدمة الصالح العام“، دون أن يعطي صاحب الأرض حق منع مصادرتها.

ورأى كبها في مظاهرات يوم الأرض امتدادا للصراع الأول بين الفلسطينيين والاحتلال وهو ”الأرض“، والذي كان نواة معظم المواجهات الدامية بين فلسطينيي الداخل وإسرائيل، كما وقع لاحقا في مصادمات أراضي الروحة بخريف 1998، ومصادمات أم السحالي عام 1999، وكما هو في جوهره بالضفة الغربية والقدس أيضا.

وكان كبها قد أرّخ للتنظيم السياسي الأول للعرب الفلسطينيين الذي تصادم مع السلطات الإسرائيلية في الداخل، وأُخرج عن القانون في النصف الأول من الستينيات، وحمل اسم ”الأرض“ أيضا. وبعد أربعة عقود من يوم الأرض، يقول كبها إن مصادرة أراضي الفلسطينيين في الداخل تصاعدت، فبعد أن كانوا يملكون نحو 18% منها بعد النكبة لم يعد بحوزتهم اليوم سوى 2% فقط.

لا يزال الفلسطينيون يستلهمون من أحداث يوم الأرض قوة لمواجهة الاستيطان الإسرائيلي

”باقون“.. أيقونة تحدٍ للاحتلال

وبعد سبعين عاما على النكبة، صار الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية والبالغة نحو 27 ألف كيلومتر مربع، ولم يتبقّ للفلسطينيين سوى 15% فقط من أراضيهم. وتبلغ نسبة الفلسطينيين حاليا حوالي 48% من إجمالي السكان في فلسطين التاريخية، وذلك حسب آخر تقرير لجهاز الإحصاء الفلسطيني الذي صدر عشية ذكرى يوم الأرض.

رغم ذلك، لا يزال الفلسطينيون يستلهمون من أحداث يوم الأرض قوة لمواجهة الاستيطان الإسرائيلي، ويستذكرون تجربة توفيق زيّاد الذي لم يكتفِ بالتحريض السياسي على إضراب يوم الأرض فحسب، بل صار أبرز منظّري مقاومة مصادرة الأراضي شعرا، وصارت قصيدته ”باقون“ أيقونة في تحدي سياسات الاحتلال:

”هنا على صدوركم باقون، كالجدار
نجوعُ.. نعرى.. نتحدّى..
نُنشدُ الأشعار
ونملأ الشوارع الغِضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال جيلاً ثائراً وراء جيل
كأنّنا عشرون مستحيل
في اللّد، والرملة، والجليل“.