“أنا عربية”.. آخر ما بقي من ذكريات التعايش في الأرض المحتلة

صنع المخرج الإسرائيلي “آموس غيتاي” شهرته من خلال فيلم “بيت” (House) الوثائقي الذي أخرجه عام 1980، وكان يصور فيه منزلا في القدس الغربية، تناوب عليه كثير من الأسر مع تعاقب الأحداث والتطورات السياسية في إسرائيل.

وكان هذا المنزل أصلا ملكا لأسرة دجاني الفلسطينية حتى عام 1948، ثم آل إلى أسرة من المهاجرين اليهود الجزائريين، ثم انتقل إلى أسرة أستاذ جامعي إسرائيلي من أصل أشكنازي، ولا نعرف من الذي يقيم فيه حاليا.

وقد حاور “غيتاي” في الفيلم مقاولا يهوديا عراقيا يعمل معه عدد من العمال الفلسطينيون في مستوطنة إسرائيلية قريبة، وجسّد المفارقة بين ما يشعر به هؤلاء العمال، وما يقولونه في الفيلم.

رمزية البيت الفلسطيني.. فيلم متعاطف ممنوع من العرض

كان الفيلم يتخذ البيت رمزا لفلسطين، وما حل بها وتعاقب عليها من زمن، وما مر بها من أحداث. ورغم أنه كان من إنتاج التليفزيون الإسرائيلي، فإن التليفزيون منع عرضه، خشية ما يمكن أن يثيره من جدل وانشقاقات لدى الرأي العام، فقد كان من الواضح أن “غيتاي” يتعاطف كثيرا مع المالك الأصلي للبيت، أي الطرف الفلسطيني، ويسخر على نحو مجازي مما آلت إليه الأحوال في فلسطين، وكان البيت هنا رمزا لفلسطين نفسها.

وفي العام التالي (1981) صنع “غيتاي” فيلمه الوثائقي الشهير “وادي” (Wadi) الذي صوره في وادي روشمية بمدينة حيفا، وهي منطقة متميزة تقع على مرتفع جبلي، وتعيش فيها جماعات من العرب واليهود المهمشين المنبوذين اجتماعيا، بسبب فقرهم واعتمادهم على أعمال يدوية متعددة في كسب عيشهم البسيط.

ويعتبر “غيتاي” تلك المنطقة رمزا لنجاح الفلسطينيين واليهود في التعايش المشترك، يوحدهم الكفاح المشترك ضد الظلم الاجتماعي والتفرقة الطبقية.

وادي روشمية.. رمز التعايش الذي أسر قلب المخرج

صور المخرج “غيتاي” مرة أخرى فيلما في وادي روشمية، بنفس المكان الذي توجد به قلعة رومانية قديمة، فيلمه الروائي “إستر” (Esther) عام 1986.

كان “غيتاي” مغرما بوجه خاص بشخصية يوسف، وهو فلسطيني عربي تزوج من “راشيل” اليهودية الإسرائيلية، وعانى الاثنان معا الأمرّين، بسبب ما لقياه من اضطهاد وتعرضا له من تهديد، فلجآ إلى وادي روشمية.

وقد صنع “غيتاي” بعد ذلك فيلمين وثائقيين عن الموضوع نفسه، أي عن وادي روشمية كرمز للتعايش المشترك، وتحديدا عن مصير تلك الأسرة المزدوجة الهوية؛ اليهودية العربية، وهما “الوادي بعد عشر سنوات” (Wadi, Ten Years After) عام 1991 و”الوادي ذلك الأخدود الكبير” (Wadi Grand Canyon) عام 2001، أي أنه تابع موضوعه الأثير بعد مرور عشر سنوات على تصوير الفيلم الأول، ثم بعد مرور عشرين سنة.

حي العجائز والذكريات والحكايات.. واقع سريالي

يعود اليوم “غيتاي” في فيلمه الجديد “أنا عربية” (Ana Arabia) إلى منطقة تقع بين يافا وتل أبيب، وهي تشبه إلى حد ما وادي روشمية، لكنها أصغر كثيرا، فلم يبقَ فيها سوى القليل من بيوتها العتيقة المميزة المشيدة من الأحجار، بعد أن طغت العمارات السكنية الحديثة الرخيصة التي بنيت لاستيعاب المهاجرين الروس، ولم يعد هناك سوى القليل من عجائز العرب واليهود الذي يحملون كثيرا من الذكريات والقصص والحكايات.

“غيتاي” صاحب أسلوب سينمائي معروف بإيقاعه البطيء المتأني، واستخدام مميز للقطة الطويلة المتحركة التي تنتقل في الأحجام بحيث تصبح مشهدا كاملا (اللقطة – المشهد)، لكنه يجازف في تجربته الجديدة “أنا عربية” بتصوير الفيلم كله في لقطة واحدة.

تتوقف الكاميرا حينا، وتتابع سيرها حينا آخر دون كلل، إلى أن يكتمل الفيلم في 81 دقيقة. وهو يقول إنه لم يجد طريقة أخرى لتصوير ذلك الواقع، ويصفه بالسريالي الذي يعيش فيه العرب واليهود.

سهام حسن.. يتيمة نجت من المعسكر النازي

بطلة فيلم “أنا عربية” الغائبة الحاضرة هي حنا أو سهام حسن، وهي يهودية نجت من معسكرات الاعتقال والتصفية الجماعية ليهود أوروبا الشرقية، وجاءت إلى إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية، لكي تقع في غرام الشاب العربي يوسف (الممثل الفلسطيني يوسف أبو وردة).

هذه المرأة هي محور الفيلم وموضوعه الرئيسي رغم أنها لا تظهر في الفيلم، فقد توفيت، فحتى عندما تقترب الكاميرا من صورة لها معلقة على الجدار -كما نعرف من خلال الحوار بين الشخصيات- لا تكشف الكاميرا عن الصورة، بل تظل المرأة قريبة-بعيدة عن المشاهد، فهي رمز أكثر من كونها شخصية حقيقية.

يقول “آموس غيتاي” إن فكرة الفيلم جاءته بعد أن قرأ خبرا عن امرأة من بلدة أم الفحم في شمال فلسطين، ذهبت إلى الطبيب تشكو من ضعف في العظام، فقال لها الطبيب إن هذا قد يكون راجعا إلى نقص في مادة الكاليسوم في الطفولة، نتيجة عدم الرضاعة بشكل طبيعي ولمدة كافية.

حينها تعترف له هذه المرأة العربية التي ترتدي الحجاب شأن معظم النساء الفلسطينيات، بأنها يهودية ولدت في معسكر “أوشفتز”، وقد قتل والداها لكنها نجت من القتل. وقد أنجبت من يوسف ولدين وفتاة، نرى منهم في الفيلم وليد ومريم التي ربما تشبه أمها.

ملصق الفيلم

“يائيل”.. رحلة استكشاف أسرار حي عربي يهودي

المدخل إلى الفيلم وإلى المكان الذي يتمتع بخصوصية فريدة، يأتي عبر صحفية إسرائيلية شابة تدعى “يائيل” (الممثلة يوفال شارف)، تريد عمل تحقيق صحفي عن المكان وسكانه من العرب واليهود الذين يواصلون العيش المشترك رغم كل ما مر من تغيرات.

ومن خلال “يائيل” التي تبحث وتتقصى وتوجه الأسئلة لكل من تلقاهم، نتعرف على تاريخ المكان وتاريخ العلاقة بين سكانه، ونعرف بعض التفاصيل من قصة يوسف وزوجته اليهودية التي رحلت، وكانت تحمل اسم حنا، لكنها رفضته وتبنت اسم سهام حسن، ثم أطلق عليها الجميع- كما تروي ابنتها في الفيلم- اسم “أنا عربية”، أي أنا العربية، لأنها كانت فعلا عربية في مشاعرها وهمومها كما تقول ابنتها.

تستمع “يائيل” إلى شهادات العرب واليهود من الأقارب والأصدقاء والجيران، تشاركهم تناول الشاي، تشاهدهم متجمعين بعد الظهر، وتستمع إلى شكاواهم من الإهمال الرسمي والتهميش، وكيف كانت العلاقات بين العرب واليهود قبل 1948 علاقات جيرة وصداقة، ولم تفسدها سوى السياسات الرسمية التي تفرق بين الناس.

يوسف.. صامد في عمق دولة التهميش والنهب

يروي يوسف كثيرا عن معاناته مع زوجته لسنوات طويلة، من الاضطهاد والرفض والاستنكار من جانب العرب واليهود، سواء من جانب عائلته التي يقول إنها عائلة كبيرة تفرّق أفرادها بين الدول العربية وغزة، أو اليهود من خارج تلك المنطقة، ممن كانوا يهددون زوجته بقتل يوسف إذا لم تتركه وترحل.

ورغم أن يوسف لا يعتمد على عمل حقيقي يدر عليه دخلا جيدا، فإنه يصر على البقاء في تلك المنطقة، ويرفض المغادرة رغم الضغوط الكثيرة التي يتعرض لها من جانب السلطات، وعندما تسأله الصحفية الإسرائيلية لماذا لا يذهب إلى طبيب أسنان لعلاج أسنانه المهشمة، يبدي لها تخوفه من منع السلطات له من العودة إذا غادر، ويشكو من استيلاء السلطات على ورشة النجارة التي ورثها عن والده، وكان يمكن أن توفر له عملا ممتازا.

وهو يحكي كذلك عن أبنائه، وخصوصا عن ولده الذي غادر إلى نابلس وتزوج هناك، لكنه طلق زوجته، ففضلت العودة والإقامة معه في البيت نفسه، ونراها وهي تقوم بطهي الطعام، وتتحدث أمام الكاميرا مع “يائيل” تروي لها بعضا من ذكرياتها.

المخرج الإسرائيلي آموس جيتاي

إنه أيضا فيلم أنثوي بمعنى ما، أي أنه يركز على موضوع المرأة في المجتمع الفلسطيني والعلاقة بينها وبين الرجل. فعلى النقيض من علاقة يوسف بزوجته اليهودية، هناك علاقة ولده بزوجته الفلسطينية.

تلقائية الفيلم.. أحاديث متدفقة وتجربة مبهجة

فيلم “آموس غيتاي” مصنوع بأسلوب الفيلم الوثائقي، صحيح أن هناك كثيرا من الممثلين الحقيقيين في الفيلم، ولكن الانتقال من شخصية إلى أخرى كان بتلقائية أو بشكل يبدو تلقائيا، في حين أنه لا شك قد أجرى كثيرا من التدريبات على الأداء، لكي تأتي التعبيرات والأحاديث المتدفقة التلقائية من جانب الممثلين أمام الكاميرا على هذا النحو الذي يتميز بطبيعيته، ولا شك أنه ترك أيضا مساحة للارتجال في الحوار.

تواصل الكاميرا التصوير والانتقال من شخصية إلى أخرى، تسير عبر المكان، تربط بين الماضي والحاضر، بين الذكريات وبين ما هو قائم اليوم، تصور الشخصيات المختلفة من عين “يائيل”، تلك الشابة التي ولدت بعد أن وقع كل ما وقع، وهي تأتي لكي تعلم وتتعلم.

ولا شك أن تجربتها في الاقتراب من هذا العالم المصغر، ستترك تأثيرا لا يمحى من ذاكرتها، إنها تهتف مبتهجة عبر الهاتف لصديقها، تحدثه عن أولئك الناس المدهشين الذين التقت بهم.

ما قبل حقبة الحلم الصهيوني البشع.. حنين إلى التعايش

يكسر “آموس غيتاي” فكرة الفيلم الروائي التمثيلي، ويحول فيلمه إلى وثيقة تعتمد على الواقع، وتستند الى قصص حقيقية، لكي يقول لنا بطريقته الخاصة إنه لم يعد هناك فرق بين الوثائقي والروائي الدرامي، وإن الدراما يمكن أن تنبثق من الصورة، ومن الشخصية التي نراها ومما نسمعه منها، من الذكريات ومن الحاضر، من النمط المعماري ودلالاته، ومما نعرفه نحن ونختزنه في ذاكرتنا عن بشاعة الصهيونية، وكيف أن الحلم الصهيوني قضى على تلك المدينة الفاضلة التي لا يزال “غيتاي” يحلم بإمكانية أن تعود إلى الحياة.. حتى يصبح في فلسطين متسع لكل من الفلسطينيين واليهود.

لكن الحلم لا يغير الواقع، فالواقع يهزم الكثير من الأحلام، لكنه قد يكفي فقط لعمل الأفلام عن تلك الأحلام.

يهدي “غيتاي” في النهاية فيلمه إلى سكان وادي روشمية في حيفا الذي يستعيد هو أجواءه وأجواء التسامح التي عرف بها في فيلمه الجديد. وهذا ربما يكون كافيا بالنسبة لمخرج أفلام سينمائية.


إعلان