اليابان.. من بلاد الشمس المشرقة إلى الحج

اليابان أرض الشمس المشرقة، تميزت بجمالها وإرثها الثقافي وطابعها العصري وتفردها، أما شعبها فهو شعب مهذب يميل إلى العزلة ويؤمن بالخصوصية.

ومعظم اليابانيين يتبعون البوذية أو الشنتو، وهي ديانة وثنية متعددة الآلهة، ويعبد أتباعها الخصوبة والأبطال والطبيعة ويقيمون صلواتهم على الأضرحة وفي المقابر، وفعليا لا يُعرف لتلك الديانة أصل ولا يوجد لديهم كتاب مقدس ولا إرث كهنوتي، وبعد الحرب العالمية الثانية فقد اليابانيون كثيرا من إيمانهم بالشنتو، فقد أُجبر الإمبراطور وقتها على إنكار ألوهيته.

ورغم عدم تحمس اليابانيين لديانتهم، فإن عادتهم اليومية وطقوسهم ولجوءهم للعرافة وقراءة المستقبل لا تنفصل عن الدين، فهم يحافظون على خصوصيتهم ومعتقداتهم. ووفقا للدراسات الحديثة فإن 85% من اليابانيين يعلنون إيمانهم بالشنتو.

في الوقت الذي يتجاوز فيه عدد السكان في اليابان 125 مليونا، فإن عدد المسلمين يبلغ  230 ألفا فقط (حسب إحصائية عام 2022)، ونحو 2000 منهم فقط هم من سكان البلاد الأصليين، أما الباقي فهم مهاجرون حصلوا على الجنسية اليابانية.

الطريق إلى الحج من اليابان صعبة جدا، فليس من السهل أولا أن تكون مسلما في بلد تطغى فيه المادية، بينما طبيعة العمل تتطلب تفرغا كاملا يصعب عليك فيه أن تؤدي صلواتك وتصوم رمضان.

لكن المسلمين في اليابان اعتمدوا على قوة إيمانهم وصبرهم وتحديهم لإكمال أركان دينهم بالحج إلى بيت الله الحرام، جمعتهم وشائج الأخوة في دين الإسلام، رغم ميل معظم السكان للعزلة والمحافظة على خصوصياتهم.

نتعرف في الفيلم الوثائقي الذي تبثه قناة الجزيرة “الرحلة إلى الحج.. اليابان بلاد الشمس المشرقة” إلى الجهود الكبيرة التي تقوم بها الشخصيات التي يقدمها الفيلم من أجل الإسلام في اليابان ومن أجل إنجاح رحلتهم لأداء الركن الخامس في الإسلام.

ذات الورقات الأربع.. صحيفة تعرف بالإسلام في بلاد الشمس

أولى شخصيات هذا الفيلم الحاج إدريس الذي انتقل إلى اليابان، وهناك أصدر صحيفة الأمة المكونة من أربع ورقات، وتصدر مرتين شهريا، وتقدم تعريفا مختصرا عن الدين الإسلامي.

وثاني هذه الشخصيات الشاب كوبوسان الذي لم يتجاوز عمره 26 عاما، ويقول إنه بعد أن اعتنق الإسلام اكتشف في تلك الصحيفة معاني عميقة في دينه الجديد، وتحدث عن تجربة إسلامه، وكيف عارض والدُه اعتناقه الإسلام، بينما تفهمت والدته ذلك.

نحو ألف من المسلمين من سكان البلاد الأصليين، أما الباقي فهم مهاجرون حصلوا على الجنسية اليابانية
نحو ألف من المسلمين من سكان البلاد الأصليين، أما الباقي فهم مهاجرون حصلوا على الجنسية اليابانية

تعرف كوبوسان إلى الإسلام في المدرسة، وعلى وجه الخصوص في مادة التاريخ، وعرف كيف بدأ وانتشر وكيف أثر هذا الدين العظيم في العالم بأسره، لكن ذلك لم يكن كافيا وقرر التعرف عليه بشكل أكبر، وقبل سنتين من ذلك اعتبر نفسه مسلما إذ تعمق في فهم الإسلام عن طريق شاب باكستاني.

ويعتبر كوبوسان أن الإسلام في عيون معتنقيه اليابانيين الجدد تجربة روحية سامية وجميلة لا علاقة لها بما يذكر في الإعلام عن الإسلام، فهي علاقة شخصية وخاصة مع خالقهم، وكل ما يصبو إليه هؤلاء هو أن يكونوا أفرادا صالحين.

يقول كوبوسان إن ممارسة الإسلام في اليابان أمر صعب، وخاصة في ظل عدم توفر الطعام الحلال، أما البيئة التي يعيش فيها فهي عبارة عن عالم استهلاكي مادي يميل أفراده إلى اقتناء المشتريات الفاخرة بسبب ما يعانونه من خواء روحي، لذلك ينشغل اليابانيون بساعات عمل طويلة.

وكالة الحج.. ضرب من الخيال يتحقق على أرض الواقع

أما ثالث هذه الشخصيات فهو الشاب المصري رضا الذي درس المحاماة في بلاده ورحل إلى اليابان، وعمل هناك في وكالة سفر وكان حلمه أن يؤسس وكالة سفر خاصة برحلات الحجيج.

وقد اعتبر كثيرون أن هذا المشروع ضرب من الخيال، ورفضته السلطات السعودية واتهموه بالكذب والتزوير لعدم معرفتهم بوجود مسلمين في اليابان، لكن رضا أصر وأسس وكالة “إيرون” الخاصة به وبمساعدة من الحاج إدريس.

الطريق إلى الحج من اليابان صعبة جدا
الطريق إلى الحج من اليابان صعبة جدا

ويقوم رضا بتعليم وشرح الحج لليابانيين، ويقول إنه لخوفه على أبنائه ومحاولة منه للحفاظ على هويتهم الإسلامية قرر جلب الإسلام إلى اليابان.

فتى الحفلات الراقصة.. صدفة ورقية ترسم الطريق إلى الحج

يتحدث الشاب عبد الله تاكي عن قصة دخوله الإسلام، قائلا إنه كان عائدا من حفل راقص، وفي الطريق أعطاه شخص أوراقا مكتوبا عليها “الله.. محمد”، ورغم عدم معرفته بالإسلام فإنه فهم الكلمتين. ومن هنا بدأت رحلته البحث عن الحقيقة وأخذ يقرأ عن الإسلام، وبعد ذلك بعامين أعلن إسلامه وذهب إلى الحج.

الشاب عبد الله تاكي ياباني دخل في الإسلام وأحد أبطال الفيلم
الشاب عبد الله تاكي ياباني دخل في الإسلام وأحد أبطال الفيلم

عاش ذلك الشاب الصغير حياة الصخب الفارغة من المعاني الروحية، لكن قلبه كان متعطشا لاختبار تلك المشاعر. يقول إنه عندما رأى الكعبة أصابته نوبة بكاء عارمة، لكنه شعر بالطمأنينة وبالخشوع الممزوج بالسعادة، لقد كان متأثرا جدا بذلك الموقف.

ترجمة القرآن.. عمل ضخم يستغرق عشر سنين

أما خالد هيجوتشي سان فقد اعتنق الإسلام قبل 45 سنة، وهو الآن في الـ73 من عمره، وكذلك زوجته اعتنقت الإسلام منذ زمن، وهو عضو في جمعية المسلمين اليابانيين، وقد قاموا بترجمة معاني القرآن لليابانية، واستغرقت الترجمة عشر سنوات.

ليس من السهل أولا أن تكون مسلما في بلد تطغى فيه المادية
ليس من السهل أولا أن تكون مسلما في بلد تطغى فيه المادية

ويدرك هيجوتشي سان وزوجته مدى صعوبة أن تكون مسلما في اليابان، فهو يخبرنا عما واجهه، خاصة في ذلك الوقت الذي اعتنق فيه الإسلام ولم يكن في البلاد سوى مسجدين.

يقول نحن اليابانيين لنا تقاليدنا وعاداتنا الخاصة، ومن الصعب القيام بخمس صلوات وصيام رمضان، ويضيف أن من أصعب التحديات التي تواجهه الذهاب للعمل.

رحلة إندونيسيا.. انجذاب إلى الصلاة وكفاح عائلي

أما سيتوسان فهي أم لفتاتين وهي في الثلاثين من العمر، وقد حدثتنا عن دخولها الإسلام وأنه كان خلال رحلتها إلى إندونيسيا، حيث شعرت بالانجذاب للمسلمين وكيفية صلاتهم، فأخذت تبحث عن الإسلام وتتعرف عليه.

أما سيتوسان أسلمت خلال رحلتها إلى إندونيسيا، حيث شعرت بالانجذاب للمسلمين وكيفية صلاتهم
سيتوسان أسلمت خلال رحلتها إلى إندونيسيا، حيث شعرت بالانجذاب للمسلمين وكيفية صلاتهم

وتقول إنها بدأت تشعر بالإسلام في أعماق قلبها، وأحست بالسلام داخلها، وقد جذبتها فكرة الإيمان بالقدر وأنه مهما كان الأمر صعبا فإنه يمكن تجاوزه، وقد رفضت والدتُها فكرة إسلامها أما والدها فتقبل الأمر.

وتزوجت سيتوسان من مسلم إندونيسي، في البداية كان الأمر صعبا وخاصة عدم تقبل الناس لذلك، والمشكلة الأخرى هي عدم توفر الطعام الحلال، وقد عانت وابنتاها خلال وجودهما في المدرسة لعدم توفر الطعام الحلال، وكانت تلك مشكلة يومية.

لكنها تقول إنه في السنوات الأخيرة أصبح الطعام الحلال متوفرا في المحلات التي يديرها المسلمون، وخاصة القادمون من بنغلادش وباكستان، ومع ذلك فإن الأطعمة لا تناسب ذائقة المستهلك الياباني.

مسجد كامي.. ملتقى المسلين ومسرح الأنشطة الجماعية

يعتبر مسجد كامي في طوكيو ملتقى المسلمين من بلاد مختلفة من الشرق الأوسط وتركيا وباكستان وبنغلادش والهند وآسيا الوسطى، وقد بني المسجد على غرار المسجد الأزرق في تركيا.

تعرف كوبوسان إلى الإسلام في المدرسة، وعلى وجه الخصوص في مادة التاريخ
كوبوسان تعرف إلى الإسلام في المدرسة، وعلى وجه الخصوص في مادة التاريخ

وتقام داخل المسجد نشاطات كالبازارات والمسابقات القرآنية لأطفال معظمهم من أمهات يابانيات تزوجن من مغتربين من جنسيات متعددة.

موعد الحج.. تضحية بالوظيفة في سبيل الله

اقترب موعد الحج وأخذ رضا يقدم التوجيهات التي تعد مهمة جدا للمسلمين الجدد. وخلافا لما يحصل في ماليزيا وسنغافورة يضطر المسلمون اليابانيون الاعتماد على أنفسهم في التعرف على الحج.

وتعبر سيتوسان عن فرحتها وسعادتها بأن حلمها الجميل في الذهاب إلى الحج سيتحقق اليوم، وأنها تحضر نفسها روحيا لذلك، معتبرة أن الرحلة ستكون استثنائية وغير عادية.

أما خالد هيجوتشي سان فيقول قد يكون هذا آخر حج لي في حياتي، لذا سأزور المدينة المقدسة لاختبر الحياة التي عاشها الرسول وصحبته فيما مضى.

ينطلق رضا والحجاج إلى المطار، وهناك يقوم بإدارة شؤون الحجاج وحده مع تشجيع من الحاج إدريس.

أما كوسبان فقد فقد عمله لأنه أراد أداء فريضة الحج، ورفضت إدارة العمل منحه إجازة طويلة، لكنه مع ذلك صبر واحتسب وانطلق إلى ربه.

يخبرنا عن مشاعره في رحلته إلى مكة، ويقول إننا نصلي خمس صلوات قبلتنا فيها إلى مكة، ورسولنا ولد هناك، وأشعر أنني مكرم لأنني ذهبت إلى هناك.

ويتابع أن هذه اللحظة التي طالما تمناها منذ دخوله الإسلام، ويعتبر نفسه محظوظا، فرغم دخوله الإسلام حديثا فإنه استطاع الالتحاق بقوافل الحجاج.

أداء الفريضة.. مشاعر الفخر في الاندماج بين الصفوف الإسلامية

تعتبر رحلة اليابانين فردية من البداية إلى النهاية، لأنهم لا يفضلون إقحام عائلاتهم بتجربتهم الروحية. فعند العودة يُستقبل الحجاج المغتربون من قبل عائلاتهم، أما اليابانيون فيبقون وحدهم.

رحلة اليابانين تعتبر فردية من البداية إلى النهاية، لأنهم لا يفضلون إقحام عائلاتهم بتجربتهم الروحية

يقول كوبوسان بعد عودته إنه تأثر كثيرا برؤية الكعبة “وقد مُنحنا فرصة من الله ورحمة للتكفير عن خطايانا، لذا سأحرص أن أكون مسلما صادقا ومستقيما”. ويقول إنه سيحاول إخبار والديه عن رحلته ويأمل أن يتأثرا بالإسلام ولو قليلا.

أما سيتوسان فتخبر عن تجربتها بالحج وكيف شعرت خلال الطواف وأنها أصبحت جزءا من الجمع الغفير من المسلمين. تقول إن مشاعر الفخر تملكتها وهي تؤدي مع المسلمين عبادة واحدة.

ويعبر خالد هيجوتشي سان عن مشاعره بالقول “إنني كمسلم ياباني أحاول أن أعمل شيئا لآخرتي، كما أنني أريد أن أقدم شيئا للأمة المسلمة في اليابان”.

الطريق إلى الحج يصل إلى مكة، لكن الأثر يبقى في القلب والروح، أما الرحلة فتعد اختبارا للنفس والإيمان والصبر والثبات، ويعود الحجيج محملين بأسمى أمانيهم أن يتقبل الله تعالى منهم.