في وداع أمي.. يومَ ذبلت أزهار الكرز

فيلم “أين ابني” الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية يسرد قصة رجل سبعيني يرعى والدته ذات الـ 95 عاما والتي عاشت طيلة عمرها كزوجة ووالدة، حيث فقدت زوجها عقب ولادة ابنها الذي كرَّست حياتها له، ولما كبر ترك زوجته وابنه في المدينة ليعيش مع أمه ويخدمها بقية حياتها في بيتها في القرية.

وفيما يلي يحكي هذا الرجل قصته الكاملة مع أمه، حيث عايشت الجزيرة الوثائقية الأحداث الأخيرة من حياتهما معا، فكان هذا الفيلم.

يتحدث فيلم “أين ابني” عن رجل سبعيني يرعى أمه التسعينية

أُدعى “جونغ كيو لي”، أبلغ من العمر سبعين عاما، وقد كنت أعمل موظفا كبيرا في إحدى الصحف الرئيسية في سول، أما الآن فأنا متقاعد، وأسكن في هذا البيت العتيق، برفقة والدتي السيدة “كي سان كوون”، زوجة قائد الجيل السادس عشر من عائلة “لي يان”. في الحقيقة أنا لي بيت وعائلة في سول، ولكنني تركت زوجتي وابني الشاب، وآثرت العناية بوالدتي التي تعيش وحيدة في هذا الخواء الفسيح.

والدتي ناهزت الآن المئة عام، أو أقل من ذلك بقليل، وهي حريصة على البقاء في هذا البيت، أصدقكم القول إنها ما عادت تميز شيئا الآن، فهي على مشارف الخرف “الزهايمر”، ولكن سرا ما لا يزال يربطها بهذا البيت، فمن الأمور القليلة التي تستطيع تمييزها عندما نخرج من البيت لزيارة صديق أو لنزهة أو لعيادة الطبيب، فتعرف أننا لسنا في البيت فتطلب مني المسارعة بالعودة.

بيت العائلة.. إرث الأجداد

ولدتُ في هذا البيت سنة 1946، وتقول أمي إن أبي مات وأنا صغير، أنا لم أدرك والدي ولا أعرفه، ولكن أمي تتحدث عنه كثيرا، وكلما ذكرته أجهشت بالبكاء، يبدو أنها كانت تحبه كثيرا، فهو سليل عائلة “لي يان” العريقة، التي يعود تاريخها إلى قرون عديدة خلت، وهو عميد الجيل السادس عشر من هذه العائلة.

في بيت العائلة في القرية يرعى جونغ السبعيني أمه العجوز التسعينية

تحدثني والدتي عن تاريخ بيتنا الموغل في القدم، فالكتابات اليدوية القديمة تخبرني أنه عندما غزت اليابان كوريا سنة 1592، كان جدّنا الأكبر يسكن في هذا البيت نفسه، وأنه أسس قوات عسكرية لمقاومة اليابانيين، وكانوا يجتمعون في هذا المنزل، وقد قُتل جدنا الأكبر في معركة “غوام”.

برّ الآباء.. جيل يتلو جيلا

تتوارث عائلتنا منذ القدم عقيدة الولاء للأجداد، فأولاد جدّنا الأكبر كانوا يحرصون على إحضار والديهم إلى هذا البيت كل صيف، لرؤية أصدقائهم والتحدث مع جيرانهم، وكانت طقوس طاعة الوالدين والولاء للأكبر تُشكل ما يشبه الأعياد الموسمية، التي يتسابق الناس لحضورها والحديث عنها، حتى سُمي منزلنا “بيت الولاء وطاعة الوالدين”، وانتشرت قصة حبه لوالديه في كل مكان، وكان يكسب الجوائز الموسمية.

رحلات خاصة لطلاب المدارس إلى منزل عائلة “لي يان” ليتعلّموا تقاليد رعاية الوالدين والأجداد

وما زالت المدارس حتى يومنا هذا تنظم رحلات خاصة لطلابها إلى منزلنا ليعلّموا التلاميذ هذه التقاليد، وكان لي الشرف أن ألتقي بعدد من هذه الوفود أثناء النزهة اليومية التي أحرص على القيام بها مع والدتي على كرسيها المتحرك، ولا أنكر مشاعر الفخر التي أحس بها عندما أرى نظرات التبجيل والإعجاب في عيون التلاميذ.

حين تغيب الذاكرة

أتعمد بين الفينة والأخرى أن أُخرج ألبوم صور العائلة، وأسأل أمي عن بعض الصور؛ من هذا الشاب الوسيم يا أمي؟ فتسرح بخيالها بعيدا، وتفتر شفتاها اليابستان عن ابتسامة حزينة، “هذا أبوك، كان وسيما جدا، كانت كل فتيات الحي تحسدنني عليه”، وتسحب من سيجارتها نفسا عميقا، ثم تنفثه في الهواء، وتحدّق في الصورة مرة أخرى.. أمي هل تبكين؟ فترفع ناظريها الذابلين، فإذا الدموع تسيل على أخاديد وجهها التي خطّتها السنين.

السيدة “كي سان كوون” المرأة العجوز يوم كانت شابة

ثم تتابع أمي بصوت مرتجف: لقد كان صغيرا، تزوجته وكان عمره 13 عاما فقط، أما أنا فكنت في الـ15، في أيامنا كنا نتزوج صغارا، الشباب والفتيات على السواء، كانت الحياة أبسط من أيامكم هذه، ولكنه مات صغيرا أيضا، لم أفرح به طويلا، من بعده تحولت حياتي إلى جحيم، كنت أبكي الليالي الطوال على فراقه، حين لا ينفع البكاء، أصبحت أدخن بشراهة، أحاول أن أنسى طيفه، ولكن هيهات.

وأصبح الكبير صغيرا

كثيرا ما كنت أحاول أن أثنيها عن التدخين، ولكنها تزداد تعلقا به وتقول: أنا أدخن منذ سبعين عاما، فكيف تريدني أن أقلع عنه الآن؟ لقد عشت كثيرا في هذه الحياة، ولم يعد هنالك متسع للمزيد، أريد أن ألحق بزوجي، فقد تكون الحياة الأخرى أجمل من هذه.

أقول لها: حدثيني عني يا أمي، ماذا تذكرين عني؟ فتبتسم ابتسامة حانية، أكاد أذوب في دفئها، وتقول: بعد والدك كنت أنت كل حياتي، كنت لا تجد حضنا دافئا مثل حضني، كنت تلعب في هذا الفناء، حتى إذا أصابك الجوع أو شيء من الخوف ألقيت بجسدك الصغير فوق صدري، وكنتُ أضمك وأداعب شعرك الناعم حتى تنام.

الشاب “جونغ كيو لي” إلى جانب والدته يوم تخرجه من الجامعة

وتتابع: ثم كبرت ودخلت المدرسة، كنت متميزا في دراستك، لقد صرفت عليك كل مالي حتى تنجح وتدخل الجامعة، وفرحت بك كثيرا حين تخرجت. هنا أخرجت لها من الألبوم صورة وسألتها: من هذه السيدة في الصورة يا أمي؟ فتلعثمت وقالت: ها.. هذه صديقتي.

بكى قلبي لهول الصدمة، وأدركت ساعتها أن أمي أصبحت تنسى كل شيء حتى الذكريات القديمة، قلت لها: هذه أنت يا أمي، وأنا بجانبك يوم تخرّجي من الجامعة، كم كنت جميلة يا أمي، وأنت اليوم أجمل.

“الولاء وطاعة الوالدين”.. الرسالة الخالدة

آخذ أمي في نزهة صباحية كل يوم، نطوف في حديقة منزلنا الفسيحة، ثم نخرج إلى الأكمة القريبة، أدفع كرسيها المتحرك عبر الطرق الضيقة، ثم أذهب بها إلى السوق قليلا، نشتري حاجياتنا، وقد أصطحبها إلى مطعم تقليدي كل أسبوع للتغيير فقط، فهي لا تحب أن تأكل من خارج المنزل، تحب أن أطبخ لها بعض الحساء، وشيئا من الطعام اللين سهل الهضم لتتناوله.

يصطحب العجوز السبعيني “جونغ” والدته العجوز التسعينية في نزهة كل يوم تقريبا

أحاول أن أوفر لها وسائل الراحة في البيت، وأحميها من البعوض والحشرات الطائرة، فهي تكثر في منطقتنا ذات الأشجار والينابيع، وقد هيأت لها فراشا مغطى من كل جوانبه بقماش يسمح بدخول الهواء ويمنع الحشرات (ناموسية)، وفي الليالي الحارة أقوم بتشغيل المروحة حتى أبرّد عليها الجو.

أتمنى أن أرى أصدقائي، منذ سنوات لم نلتقِ، أشتاق إلى تسلق الجبال برفقتهم، ولكنني الآن لا أستطيع أن أقوم بشيء من هذا، فرعايةُ أمي أخذت كل وقتي، في بعض الأحيان يجمح بي خيالي ويراودني عن نفسي، فأنا إنسان أيضا ولي حاجاتي ورغباتي، ولكن عندما أتذكر عجز أمي وحاجتها إليّ في كل شؤونها أطرح عني هذه الوساوس، وأتذكر أجدادي ورسالتهم الخالدة “الولاء وطاعة الوالدين”.

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

في كل صباح أحملها إلى المرحاض لتقضي حاجتها الفطرية، ثم أغسلها وأنظفها وأغير لها ملابسها، إنها مثل الطفلة بين يديّ، وعندما يوسوس لي شيطان نفسي بالقرف والتأفف من هذا العمل، أصرخ فيه وأذكره كيف كانت هي تنظفني وتعتني بي عندما كنت طفلا.

لا أخفيكم أنني أشعر أحيانا بالحزن والكآبة عندما أنظر في وجهها، عندما أرى أنها يئست من الدنيا وأنها تنتظر الموت، أحاول أن أعيدها إلى الحياة، أُجهد نفسي في اختراع حكايات وذكريات أُخرجها بها من صمتها، فأنجح أحيانا وأخفق كثيرا؛ اليوم دفعت بكرسيها بعيدا بعيدا، كانت تنظر إلى المحيط باستغراب، يبدو أنها أحست بتغير المكان، ثم فاجأتُها بدخول بيت لم تعرفه في البداية، ولكن حين رأت صديقتها التي لم ترها منذ 20 عاما كادت تطير من الفرح، شعرت بهما وكأنما عادتا إلى الحياة من جديد.

“جونغ” يصطحب والدته إلى الطبيب ويبكي لأنها تنسى

أحيانا ألمحها وهي تضحك مني، أكون منهمكا في بعض الأعمال الزراعية في الحقل، فتقول لي: “أنت لا تتقن الزراعة، أمضيت عمرك خلف المكتب، وها هو شعرك أبيض كله، ليس فيه شعرة سوداء”، فأؤمّن على قولها، وأخبرها بأنني لا أدفع أجرة المترو أيضا، فالشيوخ في مثل سني لا يدفعون أجرة المترو، وكذلك يجلسون على مقاعد الأولوية، أتعلمون؟ أنا أنسى بأني شيخ كبير حتى تذكّرني أمي بذلك.

أنا هنا يا أمي

اليوم ذهبت بها إلى الطبيب، فسألها ماذا أكلت هذا الصباح فلم تجبه، المسكينة نسيت. قلتُ له: أيها الطبيب، إنها تنسى ما فعلت قبل دقيقة، هزّ رأسه موافقا، وسأل: وماذا عن الأحداث القديمة؟ فأجبته أنها ما زالت تذكر التفاصيل القديمة، فقال لي: للأسف، عما قريب سوف تنسى كل شيء، ستبدأ الذكريات القديمة بالتلاشي، من الأفضل أن تتركها في المستشفى أو تودعها إحدى مصحّات المسنين، فقلت له: أنت تطلب المستحيل يا دكتور، إنها لا تقبل بغير منزلها.

بدأت أعراض مرض الموت الأم تزداد شيئا فشيئا

في طريق العودة إلى البيت قالت لي: أي بنيّ، لديك جوهرة نفيسة، لا تفرط بها، زوجتك هذه أعظم امرأة في التاريخ، أنظر كيف تركتك تأتي إلى هنا وتعتني بي طوال هذه السنوات، وآثرت هي أن تبقى وحيدة في سول ترعى ابنكما، لطالما حلمتُ أن أزوّجك وتكون لي كنَّة تحبني، ولكن لم أتخيل أبدا أن تكون في مثل هذه الطيبة والتضحية، إذا متّ يا ولدي فاحرص أن تجلب عائلتك إلى هذا البيت، وألا تتركها أبدا.

طار بي الشوق إلى زوجتي وابني، منذ زمن لم أرهما، أنظر من خلال النافذة إلى أسراب الطيور، كأنني أخاطبها، فقد قرأت أن القلوب لا تهرم كما تهرم الأجساد. ثم انتبهت من شرودي على صوت أمي تناديني: “بنيّ، بنيّ أنت هنا؟”، فأقول نعم يا أماه إنني هنا بجانبك، لا تخافي، لن أتركك ما حييت. تُرى هل أحسّت أمي أنني تشاغلتُ بعائلتي عنها؟ يقولون إن الأم تحس بكل شيء، حتى بحديث النفس.

وحان وقت الفراق

أصبحت حالتها الصحية تتدهور يوما بعد يوم، أصابها هزال شديد، أصبحت لا تأكل هذه الأيام، أنا في جزع وحزن شديد على أمي، أحسّ في كل يوم أنني أفقد منها شيئا، أخشى أن تسبقني الأيام إليها، أريد أن أعيش معها كل لحظة، بل أريد أن أعيشها، إنها كل حياتي. اليوم أحضرت قصيدة طويلة كانت أمي تحرص على كتابة ذكرياتها من خلالها، طلبت منها أن تقرأ، إنها بالكاد تستطيع، بكيت كثيرا، أحس بأن يد القدر تتناوش جسدها الناحل من بين يديّ.

في وداع أمه: أمي.. شجر الكرز على وشك أن يزهر، وشجر الخوخ كذلك، فلماذا تذبلين وحدك؟

ذهبتُ بها إلى المستشفى وهي فاقدة الوعي، أخبرني الأطباء أن حالتها ميؤوس منها، لقد انتشر السرطان في كل جسدها، في قلبها وفي الشعب الهوائية في جسدها. وعندما أفاقت للحظات قالت: أعيدوني إلى بيتي، أريد أن أموت هناك، هذا المكان فيه زحام شديد، أنا لا أحب الزحام، أريد أن أعود إلى البيت. أدركت ساعتها أن كل شيء قد انتهى.

وداعا.. أمي

أجهشتُ بالبكاء وأنا أناديها: أمي؛ شجر الكرز على وشك أن يزهر، وشجر الخوخ كذلك، فلماذا تذبلين وحدك؟ لمن ستغني الطيور غداً يا أمي؟ أمي أرجوك لا تتركيني، أنا من غيرك لا أفهم تفتّح الأزهار ولا غناء الأطيار، أمي؛ أتذكرين عندما كنا نجلس عند هذه البِركة نسمع نقيق الضفادع؟ كنتِ تحكين لي ماذا كانت تقول، من سيحكي لي بعدك يا أماه؟

إلى حيث يستقر الجسد الفاني.. طريق لا رجعة فيه

في المعبد، وهي مُسجّاة على اللوح، صليتُ كثيرا من أجلها، طلبتُ منها أن تسامحني على تقصيري تجاهها، طلبتُ من الله بصدق أن نلتقي في الحياة الأخرى، فيقيني أن تلك الحياة سوف تكون أسعد من هذه الدنيا. كنت أرى دموع الحزن في عينيْ زوجتي وابني، لقد ودّعاها بألم وحرقة كذلك، ولكن ليس مثلي، أما أنا فكم تمنيت أن يضعوني معها في التابوت، وعندما أغلق الصندوق دوني غبت عن الوعي.

راحة بعد طول شقاء

هناك، على التلال البعيدة كان ثمة موكبٌ جنائزي مهيب يشقّ طريقه نحو السماء، وكانت تراتيل الكهنة الرتيبة تقطع صمت المكان، وفيما كانت “كي سان كوون” تغيب وراء الأفق، فإن روحها كانت ترفرف فوق رأسي وتقول: أي بنيّ، اعتن بعائلتك.