“لونانا.. ثور داخل الفصل”.. في جبال الهيمالايا يصبح المعلم تلميذا

إنها الدولة التي لا تعرف الحزن، أرض التنين والرعد، المملكة التي تحميها جبال الهيمالايا، تلك أسماء تُطلق على مملكة بوتان الواقعة بين الصين والهند، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 600 ألف نسمة بقليل، كلها أوصاف تحملها هذه المملكة وفقا لمعطيات موضوعية معينة بثّها الإعلام للعالم بطريقة إخبارية، لكن هذا المُعطى المعرفي ازداد اتساعه وانتشر، بعد أن احتفت عدة مهرجانات سينمائية عالمية بأفلام المخرج الشاب “باو تشوينينغ دورجي”، ومن بينها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ41، وذلك بعرض فيلمه الجديد “لونانا.. ثور داخل الفصل” 2019 ضمن أفلام المسابقة الدولية.

حسب الملخص فإن الفيلم يروي قصة مجموعة أطفال يعيشون في أبعد بقاع الأرض “لونانا”، وهي قرية نائية تبعد أقرب مدينة عنها مسيرة ستة أيام على الأقدام، فلا طرقات فيها ولا مواصلات لصعوبة التضاريس، كما أنها بعيدة عن أي رمز للحداثة أو التطور، وكأنها تعيش خارج الزمن، حيث لا كهرباء فيها ولا إنترنت.

كل ما يحلم به سكان هذه القرية النائية هو تدريس أبنائهم وتعليمهم، ولن يكون هذا إلا من خلال معلم تقوم بإرساله الحكومة البوتانية، لكن هذا صعب في ظل بُعد المكان وصعوبة الوصول إليه، خاصة في فصل الشتاء، حين تُغلق كل الطرق بالثلوج ويصبح التنقل مستحيلا، إذ تقع القرية على سلسلة جبال الهيمالايا المعروفة عالميا بقسوة شتائها وعزلتها عن القرى والمدن. من هنا يصبح هاجس سكان القرية الرئيسي وسؤال سكانها المحوري هو عن قدرة الحكومة في إقناع معلم ما بأن يقبل التدريس في هذه القرية النائية.

مهنة التدريس المقدسة.. كاد المعلم أن يكون رسولا

أظهر المخرج في فيلمه “لونانا.. ثور داخل الفصل” مدى حاجة مملكة بوتان إلى كل فرد ينتمي إلى هذه المملكة، وذلك للمساهمة في بناء الدولة وازدهارها، وقد اختار “باو تشوينينغ دورجي” بوصفه مخرجا وكاتبا للسيناريو أيضا مهنة غاية في الأهمية لبناء قصته عليها، وتوصيل ما يراه مناسبا للمتلقي، خاصة وأن مهنة التدريس هي ركيزة أساسية لتطوير أي دولة، وهي المنطلق الرئيسي أو النقطة “أ” التي يجب الابتداء بها للوصول إلى النقطة “ي”.

وكأن هذا الأمر معادلة أساسية في الفيلم لمعرفة حاجة المملكة والمطلوب من أفرادها، كما أن المعلم مُقدّس في العديد من الحضارات والأمم، ويُنظر له على أنه نبي يجب احترامه من الجميع، ولن تكون هناك -حسب معطيات المخرج- مهنة أقوى من هذه لإسقاطها على باقي المهن والحرف، وجعل أصحابها ينظرون لأنفسهم ولما قدموه للمجتمع من خلالها.

صورة لجبال الهيمالايا تكسوها الثلوج في الصورة المأخوذة من قرية لونانا

المعلم الطائش.. فرصة أخيرة

رسّخ المخرج في بداية الفيلم صورة الشاب الطائش للمعلم، حيث ألبسه كل المعطيات السلبية التي تخلق القطيعة بينه وبين المتفرج الذي سيرى بأن مهنة التعليم أكبر من هذا الشاب الذي لا يتحمل أي مسؤولية، وهذا من خلال جملة من المشاهد المركّزة، أهمها محاولته التخلي عن المهنة التي لم تبقَ دون ابتداء ممارستها إلا سنة واحدة، حين ينتهي تدريبه الذي أتم منه أربع سنوات كاملة وتبدأ حياته العملية.

يصل المُتلقي إلى هذه النتيجة من خلال الحوار الذي دار بين الشاب الطائش وبين الموظفة الحكومية التي قالت له إنه يجب أن يُطرد من سلك التعليم، لأن لديه العديد من الإنذارات والملاحظات، لكنها قالت إنها ستخلق له فرصة لإعادة بناء شخصيته وتشكيل أحلامه، لكن من التصرفات التي يُبديها يظهر بأنه غير مبال، يضع سماعة الأغاني على أذنه، بالإضافة إلى مشاهد أخرى تُقوّي هذه المعطيات، ولا يشغل تفكيره سوى موضوع الهجرة إلى أستراليا، وهي المغامرة التي سيترك من أجلها جدته التي ربّته وحيدة.

 

الطريق إلى “لونانا”.. رحلة حياة

كما صوّر المخرج بأن هذا الشاب يملك أشياء تُعتبر حلما صعب المنال بالنسبة إلى غيره؛ عمل حكومي مستقر سيحصل عليه بعد سنة، سكن وحبيبة جميلة وأصدقاء يحبونه ويخافون عليه، لكنه لم يفكر في ما يملكه في يده، ويحلم بما لا يملكه، وبعد إلحاح من الأصدقاء وافق في الأخير على طلبهم بأن يذهب إلى قرية “لونانا”، لينهي سنته الدراسية ويرحل بعدها إلى أستراليا.

انطلق إلى أقرب مدينة إلى هذه القرية عن طريق الحافلة، وبعد الوصول وجد من ينتظره فيها، فانطلقوا في الصباح الباكر على أقدامهم، وفي هذه الرحلة صدرت منه الكثير من التصرفات التي تزيد احتقار المتفرج لهذا الشاب، وفي المقابل يتم فتح علاقة احترام مبدئية مع سكان القرية عن طريق أخلاق وطريقة تفكير الشابين اللذين كُلفا باستقبال المعلم ومرافقته إلى القرية، ورغم طيشه وخشونته واحتقاره لعاداتهما وتقاليدهما، فإنهما لم يردّا عليه إلا بالحسنى، ولم يتصرفا معه إلا بالمحبة حتى وصلوا إلى القرية التي استقبله فيها الزعيم وكل السكان.

طلبة مدرسة لونانا في فصلهم الدراسي

حلم الغناء.. في القرية ما ليس في المدينة

عندما وقف المعلم الشاب على الفصل، وتعرّف على الغرفة المخصصة لنومه، قرر أن يعود إلى مدينته، لكن الزعيم طلب منه المكوث ليومين حتى يرتاح المرافقان والخيول من تعب السفر، وبعدها يرجعانه إلى حيث يشاء، لكن المدة كانت كافية حتى يُغيّر رأيه، ويبدأ حياته الجديدة في هذا المكان النائي، بعد أن استمع إلى أحلام الأطفال وآمالهم، بل إنه تمادى إلى أكثر من هذا حين طلب معدات الدراسة من عند أصدقائه من المدينة عن طريق الزعيم، من أدوات وكتب وغيرها من أشياء التدريس، ليبدأ معهم صفحة جديدة.

قدّمت القرية النائية للمعلم العديد من دروس الحياة اللازمة التي عرف من خلالها أشياء كثيرة لم يتعلمها في المدينة، من بينها معرفة نمط حياة الناس في القرى، واحترامهم الكبير لعاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها من قرون، والعمل على حفظها وصونها وتقديمها للأجيال الجديدة بطريقة عملية يضمنون من خلالها استمرارها وبقائها، بالإضافة إلى التراث الشفوي الرهيب الذي يعرفه سكان القرية، من بينها الأغنية الجميلة التي علّمتها فتاة القرية له، خاصة وأنه يعشق الغناء ويعتبره حلما يجب تحقيقه.

صورة بانورامية لقرية لونانا النائية التي تبعد عن أقرب مدينة عنها مسيرة ستة أيام على الأقدام

ثور داخل الفصل.. الفضلات المقدسة

تعلم المعلم الشاب أثناء إقامته في القرية كيف ينظر إلى معتقدات الآخرين ويحترمها، وقد تجسد ذلك عند عودته، حيث قام بوضع شريط وحجر على قمة جبل، وقد احتقر هذا الأمر عندما قام به مرافقه أثناء القدوم، بالإضافة إلى أخلاقيات أخرى تعكسها طريقة الأكل والشرب واللبس والنظر إلى الأبقار التي يقومون بتربيتها ويقدسونها تقديسا كبيرا.

أحب أهل القرية هذا المعلم كثيرا، ونتيجة لذلك قامت إحدى فتيات القرية بإهدائه ثورا كفأل خير، وقالت له إن الثور ينبغي أن يبقى في الفصل ليستفيد من فضلاته التي يجعلها تجفّ كي يشعل بها موقد النار، وفي هذا الوقت وصلته الموافقة على الهجرة إلى أستراليا، لكنه انتظر حتى نهاية السنة، وعندما سافر بدأ الغناء هناك، يعيد التراث الغنائي الذي تعلمه في هذه القرية، لكن من خلال بعض المشاهد أوحى المخرج بأنه سيعود إلى وطنه لاستكمال مهنة التدريس التي لم يفهم قيمتها الكبرى إلا من خلال سكان القرية.

مخرج فيلم “لونانا.. ثور داخل الفصل” “باو تشوينينغ دورجي” مع فريق العمل خلال مشاركتهم في مهرجان لندن للأفلام عام 2019

قوة اللغة السينمائية.. أسئلة عالقة

يحتفي الفيلم بالصورة البانورامية بشكل كبير، فقد استغل المخرج “باو تشوينينغ دورجي” هذه المناظر الساحرة وصَنَعَ منها لوحات فنية ساهمت بشكل واسع في تنوع جمالية الفيلم، بالإضافة إلى اللغة السينمائية القوية التي تجدها في كل زاوية، إذ لم يتساهل المخرج مع المتلقي في تقديم مشاهد تُفكَّك بيسر، بل قام بزرع العديد من الأحاجي التي تختلف فيها التفاسير، لأن الإضمار والإخفاء يصنع معاني موازية لمتن الفيلم حتى تتسع عملية الفهم، ويكسر في الوقت نفسه أفق التوقع لدى المتلقي حتى يصنع ويزرع أسئلته الكبرى.

ومن بين الأسئلة التي بقيت معلقة، هل سيعود المعلم الشاب إلى وطنه بعد أن هاجر إلى أستراليا؟ وهل سيرجع إلى القرية ويستقر بها بعد أن أيقظت روحه التي شتتها المدينة؟ وهل هناك علاقة حُبّ بينه وبين فتاة القرية؟ هي أسئلة بين أخرى جاءت كمَشاهد في الفيلم، ولن يكون من السهل تفسيرها، إذ كان المخرج مُقتصدا جدا في الحوار، وفي المقابل عوّضه باللغة السينمائية القوية.

مُعالجة ذكية وسيناريو قوي

فيلم “لونانا.. ثور داخل الفصل” للمخرج “باو تشوينينغ دورجي” يمتلك كل المقومات الأساسية التي تُطلق على الفيلم الفني، نظرا لقوة السيناريو الذي تشكل منه الفيلم وطريق المعالجة والتصوير الذكي، وعملية فهم التراث وماهية النفس البشرية، بالإضافة إلى إدارته الجيدة لفريق التمثيل الذين جسّدوا شخصياتهم بكل قوة، خاصة الأطفال الصغار، وأهمهم الصغيرة “بام زام”.

ويعتبر هذا الفيلم هو ثاني عمل للمخرج الذي يمارس الكتابة والتصوير أيضا، حيث سبق له أن أخرج فيلم “هيما هيما غنّي لي أغنية أثناء انتظاري” (2016)، الذي عُرض في الدورة الـ69 لمهرجان لوكارنو السينمائي، كما فاز الفيلم المذكور أيضا بتنويه خاص من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في العام نفسه.