“عندما توقف الزمن”.. مغترب عراقي يبحث عن ابنه الذي اختطفه البحر

“شكرا على جميع المعلومات المهمة التي قدمتها، والآن هل لك أن تعطيني اسم ابنك وأي علامات فارقة على جسده؟ مثل وشم أو جرح غائر أو ما شابه”. إنها موظفة في الصليب الأحمر الدولي تسأل مواطنا عراقيا جاء يبلغها عن فقدان ابنه في الموج المتلاطم أثناء محاولته السفر على متن زورق من تركيا باتجاه أوروبا. قال لها: اسمه بكر، وإحدى ثناياه مكسورة.

 

كثيرة هي قصص الذين يحاولون العبور إلى الفردوس الموعود، أو هكذا كانوا يتخيلون، لكن قليل منهم من ينجح، وبعضهم يتفاجأ بالواقع الصادم في أرض الاغتراب، أما الآخرون فيبتلعهم البحر أو تلقي بهم أمواجه العاتية على الصخور الصلدة الجرداء جثثا هامدة.

وقد كانت قناة الجزيرة الوثائقية سجلت قصصا كثيرة لهؤلاء المعذبين، وهذه إحدى القصص، بثتها بعنوان “عندما توقف الزمن”.

سقوط صدام.. بداية رحلة التمزق العائلي

منذ العام 2014 سجلت أكثر من 12 ألف حالة وفاة أو اختفاء للاجئين في البحر المتوسط، وبحسب منظمات رسمية وأهلية محلية ودولية، فإن هذه الأرقام مرشحة لزيادة مطّردة، ما دامت دول حوض المتوسط لم تتوصل بعد إلى تفاهمات مع أوروبا الغربية، حول تشريع وتقنين أعداد المهاجرين، ولم تقف بقوة ضد تجار البشر الذين يراكمون ثرواتهم على أشلاء ودماء المعذبين في الأرض.

جمال الدليمي مواطن عراقي يحمل الجنسية الرومانية الآن، وقد كان يعمل ضابط مخابرات قبل عام 2003، وعند دخول القوات الأمريكية العراق اجتاحت الميليشيات الطائفية تجمعات أهل السنة، وكان هدفها تصفية كل من كان يعمل لدى حكومة صدّام، وعلى رأسهم ضباط الجيش والأجهزة الأمنية.

هرب جمال بعائلته إلى تركيا، وتوجه هو منفردا إلى رومانيا حيث حصل على الإقامة الدائمة هناك، وكانت نيته العودة إلى تركيا ليأخذ عائلته ويعيشوا معه في رومانيا، إلا أن القدر كان له قول آخر، فقد كان ابنه الأصغر -واسمه بكر- يريد أن يسافر إلى ألمانيا للدراسة هناك، واستقل زورقا للذين يعملون على تهريب المهاجرين إلى أوروبا، وغرق الزورق ولم يظهر لبكر أثر؛ لا بين الأحياء ولا الأموات.

لم يرُقْ لأم بكر الثكلى أن تترك البلاد حيث فقد ابنها دون أن تجده أو تجد أثرا منه، وهكذا أُسقط في يد الوالد وبدأ رحلة البحث عن ولده، وكانت أول محطة له أن اصطحب ابنه الأكبر عمر وذهبا إلى المرفأ الذي أبحر منه زورق الموت قبل أن ينقلب بركابه، وقد وصف له عمر مكان انطلاق المركب ومكان غرقه على بعد كيلومترات معدودة.

بين البحر والسماء.. عودة بالزمن إلى يوم الحادثة

كان عمر قد صحب أخاه بكرا في المرحلة الأولى، وبعد انقلاب الزورق تفرقت بهما السبل، فنجا عمر وفُقد بكر. يقول عمر لوالده إن طائرة مروحية كانت تحلق فوق المنطقة، وربما تكون قد صوّرت الزورق لحظة انقلابه، لكن الغريب أن جثة بكر لم تظهر بين الأموات، ولم يجدوا له أثرا في مستشفيات المنطقة أو المراكز الأمنية.

في المكان الذي غرق فيه الأخ الأصغر يذهب الأخ الأكبر ليستعيد الذكريات

تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على مصاريعها في مصير بكر، فقد تكون أسماك البحر ابتلعته، وقد يكون نجا وسافر، ولم يستطع التواصل مع أسرته بعد، وربما اختطفته عصابات تجارة البشر والأعضاء البشرية.

بعد مقابلة إدارة المرفأ أفاد الموظفون الرسميون هناك أن عشرات القوارب تغادر شهريا، وعلى متنها آلاف المهاجرين، وقد غرق الكثير منهم وليس لدينا إحصائيات أو معلومات دقيقة عن الغرقى، فالجهات الأمنية فقط هي من يملك المعلومات.

كانت الخطوة التالية التوجه إلى المحكمة، وذلك من أجل استصدار حكم يسمح للوالد وابنه عمر بالحصول على شريط الفيديو الذي كانت تصوره الطوّافة المروحية، إذ يمكن أن يحمل تفاصيل عن تصرفات الركاب لحظة انقلاب الزورق، ولعلهم يرون ابنهم بكر من بين هؤلاء.

شتات الأخوين في البحر.. لحظات ما قبل الغيبوبة

كان جمال في أثناء انتظاره حكم المحكمة على اتصال مع المنظمات الأهلية والأفراد الذين لهم اهتمام بقضايا اللاجئين حول العالم، وخصوصا المفقودين منهم، وبينما كان الأب منهمكا في التواصل مع هؤلاء المتطوعين، كان عمر يبدي شيئا من الحسرة والندم على القرار الذي اتخذه أخوه بالسفر، وكان يتمنى لو كان موقف أبيهما حاسما برفض الفكرة، لكن الوالد يومها لم يبدِ معارضة شديدة، رغم أنه لم يوافقهما على السفر.

وبدأ عمر يستذكر لحظات انقلاب المركب، وكيف أن أخاه صار يسبح ويطالبه باللحاق به، وكانت المسافة بينهما تزداد بحيث لم يعد عمر يميز من أخيه سوى خصلات شعره من بعيد، ثم اختفى عن أنظاره وراح عمر في غيبوبة لم يصحُ بعدها إلا في المشفى، وعندما عاد إلى مكان الغرق في الصباح التالي أمكنه أن يرى جثث الرجال والنساء والأطفال، لكن بكرا لم يكن بينهم.

ركب الأخوان الزورق نفسه لكن أحدهما نجا بأعجوبة واختفى الآخر بلا أثر

ويذكر عمر أنهم ذهبوا إلى مركز الطب العدلي حيث مكان تجميع الجثث، وإلى السجون المجاورة، ولكن دون جدوى، لكنه يذكر أيضا أن هاتف أخيه المحمول لم يزل يعطي إشارات على مدى الثلاثة الشهور التالية للحادث، وقد التقطت بعض هذه الإشارات من مستشفى مرمريس.

ومثل الغريق اللي يتشبث بالقشة، توجه جمال وابنه إلى مستشفى مرمريس أملا في أن يجدوا ما يدلهم على ابنهم المفقود أو أي أثر عنه، لكن كشوفات المستشفى الورقية والإلكترونية جاءت بنتائج مخيبة للآمال، وهنا ثارت الشكوك لدى الوالد أن إدارة المستشفى قد تكون تتستر على شيء غير قانوني، أو أن أمورا غير شرعية تجري هناك دون علمهم، الأمر الذي نفاه مدير المستشفى قطعيا.

أسرار الحمض النووي.. رحلة إلى اليونان

أشار رجال خفر السواحل الأتراك إلى أن بكر يمكن أن يكون وصل إلى إحدى الجزر اليونانية سباحة، ومن حسن حظ الوالد جمال أنه يملك جواز السفر الروماني الذي يمكّنه من دخول الأراضي اليونانية بسهولة، وبدأ رحلته إلى اليونان بالفعل. لقد توقف الزمن لدى جمال وعائلته من لحظة فقدان ابنه، ولم يعد للساعات والأيام والشهور أي قيمة فعلية لديهم.

بينما كان الوالد يستقل السفينة التي تحمله إلى اليونان، كانت تطوف بخاطره ذكريات أبنائه أيام الطفولة، عندما كان يرميهم بالماء ويتركهم يعتمدون على أنفسهم في تعلُّم السباحة، فتخنقه العبرة ويقول وهو يكفكف دموعه: لعلي أكون قد علَّمته شيئا ينفعه.

تقرير الـ(DNA) في اليونان يثبت أن المفقود لا أثر له في السجلات

كانت أولى خطواته في اليونان التوجه إلى جزيرة كوس، وهناك ذهب إلى مركز الشرطة، حيث أخذوا منه عينة من الحمض النووي (DNA)، من أجل مقارنتها مع بنك المعلومات الذي لديهم في العاصمة أثينا، عسى أن يحصلوا على عينة مطابقة، ثم توجه إلى لجنة الصليب الأحمر الدولي، من أجل متابعة الحادثة المسجلة لديهم رسميا قبل عام.

لم يحصل جمال هناك إلا على الطمأنة الدبلوماسية أن ملف ابنه قيد اهتمام المنظمة، ولكن الأمر أعقد مما يتخيله الوالد، هكذا قال له مندوب اللجنة محاولا التهدئة من روعه ومُبديا له تفهمه الكامل لقلقه بسبب فقدان ولده. ثم قال له: نحن نبذل ما بوسعنا مع السلطات المحلية من أجل الحصول على معلومات مفيدة، أو مطابقة للحمض النووي، ولكننا لا نستطيع أن نضمن النتائج.

لم يمت على الأراضي اليونانية.. بصيص أمل

ذهب جمال المكلوم إلى واحد من مراكز تجميع المهاجرين غير الشرعيين في محاولة منه للقفز على البيروقراطية الإدارية التي تنتهجها السلطات، ومن أجل الحصول على بصيص أمل يحيي في نفسه جذوة اللقاء، وقام بإعطائهم صورة ابنه وتفاصيل عن حادثة فقدانه لعلهم يجدونه بين السجناء من المهاجرين غير الشرعيين، ولكن كان ذلك بلا فائدة.

في مركز من مراكز تجميع المهاجرين غير الشرعيين جمال يبحث عن ابنه لعله يكون بين المساجين

ثم ذهب إلى مركز الأدلة الجنائية، وذلك من أجل الحصول على نتيجة فحص الحمض النووي، وهناك أفاده العاملون في التحاليل المخبرية، أن هذا مجرد مختبر، وإن لم يجد في المراكز الأمنية ما يطابق عينة حمضه النووي، فقد يكون مضطرا للعودة إلى السلطات التركية، فهي وحدها التي تعاملت مع ذلك الزورق الذي غرق.

كانت نتيجة التحاليل المخبرية في اليونان سلبية، مما يعني أن بكر لم يمت على الأراضي اليونانية، وهذا أمر جيد بالنسبة للوالد جمال، وفي الوقت ذاته مقلق؛ فما زال بكر ليس بين الأحياء ولا الأموات، وما زال مصيره غير معروف لوالديه وأشقائه، ولكن ما زال هنالك بصيص من الأمل -وإن كان ضعيفا جدا- في أن يروا ابنهم ثانية.

عودة بخفي حنين.. هموم الجبال في برزخ التيه

عاد جمال أدراجه إلى تركيا، وما يزال الشعور بالتقصير تجاه ولده المفقود يلاحقه وينغص عليه حياته، فماذا سيقول للأم المكلومة، وكيف عساه يشرح الحال للأخت الحزينة أو للشقيق الذي كُسِر ظهره بفقد سنده، لقد عاد محملا بهموم لا تحملها الجبال، وبوجه شاحب اتخذت فيه الدموع لنفسها مسارات عبر تجاعيده.

ذهب من فوره إلى قيادة خفر السواحل التركية، حيث سمحت له ولعائلته بمراجعة بعض مقاطع الفيديو التي صورتها طوافة مروحية كانت تحلق في الأجواء ساعة وقوع الحادث، لكنهم لسوء حظهم العاثر لم يتعرفوا على أي أثر لابنهم المفقود، وما زال الزمن متوقفا عند جمال والعائلة حتى هذه اللحظة.

جمال يعود إلى تركيا بخفي حنين، ولا أثر للابن.. والزمن لا يزال في حيتنه متوقفا

في النهاية يضاف ملف بكر إلى آلاف الملفات الأخرى لمفقودين، يبحث عنهم أهلهم في البرزخ بين الحياة والموت، فلا هم من الأحياء فيفرحون بعودتهم، ولا هم من الأموات فيبكونهم ثم يستودعونهم عند خالقهم. أولئك هم القوم الذين توقفت عندهم عقارب الوقت.