أبناء الجَبل.. هاماتٌ تُطاوِل السماء

المنذر الشريقي طفل في السنة العاشرة من عمره يحمل حقيبته ويتوجه إلى المدرسة، قد يسرح خيالكم في لون السيارة التي تنتظره، أو حجم الحافلة التي سوف يركبها، ولكن لا شيء من هذا على أرض الواقع، فقرية “السوجرة” التي يقطنها المنذر منقطعة تماما عن كل مظاهر المدينة التي يمكن تخيلها، هناك على ارتفاع 3000 متر فوق الجبل الأخضر في سلطنة عُمان، لا توجد السيارات.

استوطن الإنسان العماني الجبال، ونحت في صخورها بيوتا، بعضها ما زال موجودا حتى الآن، ورغم كل الظروف القاسية التي يعيشونها في هذه الجبال، فإنهم يفضلونها على المدينة وصخبها، رغم سهولة العيش وتوفر المغريات، وستكون يوميات أهل الجبل، ورصد أفراحهم ومعاناتهم، هي مادة الفيلم الماتع الذي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية تحت عنوان “أبناء الجبل”.

قلوب ليّنة في أجساد من حجر

هذا الشيخ ناصر بن سيف الشريقي يقف على مشارف الثمانينيات متشبثا بحياة الجبال، ولم تُغره المدينة بكل متعها وملذاتها، ولا يقبل بغير بيته المبني على كتف الجبل بديلا. يتحدث إلينا الشيخ ناصر ويداه ملوثتان بطين البناء قائلا: نحن نرمم بيوتنا بأيدينا ولا نبني من جديد، فالبناء بالطين والحجارة متين ويدوم طويلا، فهذه مواد طبيعية من نفس مواد الأرض التي نعيش عليها، وليست مثل الإسمنت الذي هو مادة مصنوعة وتتأثر أكثر بالعوامل الطبيعية، والطين بارد صيفا ودافئ شتاء، ونادرا ما نحتاج إلى التدفئة.

يعترف ناصر بشظف العيش في الجبال، وبصعوبة التنقل وحمل المتاع والأشياء الأخرى، وخصوصا مواد البناء من الأتربة والحجارة التي يحتاجها في ترميم بيته، ولكنه تعوّد على هذه الحياة مذ كان صغيرا، وما زادته قسوة البيئة إلا مَضاء وعزما. يتابع الشيخ ناصر قوله: ما زلنا نستخدم أجسادنا وقوتنا البدنية، حيث لا روافع أو وسائل متقدمة يمكنها أن تصل إلى هذه الجبال الشواهق، والطرقات شديدة الوعورة، إن هي إلا الوسائل البدائية على ظهور الحمير، أو إذا توفرت البكرات اليدوية البسيطة والحبال.

سلسلة جبال الحجر في الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية تغطي جزءا كبيرا من سلطنة عمان

وفيما يتحدث عن الأطفال وعن الخطر الذي يتهددهم في هذه البيئة الصعبة يقول: نعم الخطورة موجودة، ولكننا نتخذ ما يمكننا من الاحتياطات الوقائية ثم نتوكل على الله، ونحن نربي أطفالنا منذ الصغر على خشونة العيش ووعورة المكان، ونعلّمهم كل ما يجعل حياتهم مستمرة في هذا الجبل، ونكون بجانبهم ونحذرهم من الوقوع في الأخطار.

سلسلة جبال الحَجَر.. سحر يحنو على بحر عُمان

تقع سلسلة جبال الحجر في الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتغطي جزءا كبيرا من سلطنة عمان، وتمتد على شكل قوس عظيم من شمال عمان إلى جنوبها، ويصل أقصى ارتفاع لها حوالي ثلاثة آلاف متر عند الجبل الأخضر، وفيها عدد كبير من القرى المبنية في الجبال، منها: سمائل ونزوى والرستاق وإسكي وبهلاء والغابورة وبيريمي وصحم، وسكانها يعتمدون في حياتهم على رعي الأغنام والزراعة وبعض المصنوعات اليدوية التقليدية.

يتباهى خلفان بن سليمان الشريقي أنه من أهل هذه القرية الجبلية الساحرة، ويشعر بالزهو وهو بين أعمامه وأحفاده وأقرانه، وهو شاب في العشرينيات من عمره يقول إنه جرب حياة المدينة فهو يعمل هناك، ولكنه يفضل قريته أكثر، حيث الصفاء والسكينة والاطمئنان والاسترخاء بعيدا عن صخب المدينة ومشاغلها وعلاقات أهلها المعقدة ووسائل الاتصال التي لا تترك للإنسان حظا من الراحة والهدوء.

هلمّوا إلى حفلة الشواء

الآن وقد شعرتم بالجوع من هذه الجولة الجبلية المضنية، فتعالوا بنا إلى عيسى بن سيف الشريقي الذي سيشرح لنا طريقة الشواء التقليدية في سلسلة جبال الحجر: نحن نتحلّق الآن حول حفرة كبيرة في الصخر، بعمق متر ونصف إلى مترين، تضرم فيها النار بواسطة الأخشاب وسعف النخل والحشائش الجافة، ثم بعد ذبح الماعز تقطع إلى قطع كبيرة نسبيا، ثم تضاف إليها التوابل والبهارات العمانية المتميزة، ثم توضع في خصفة مصنوعة من سعف النخيل، وتضاف إليها أوراق أشجارٍ زكية الرائحة تسمى “الشحس” لتعطي اللحم نكهة ومذاقا طيبا، وهي إلى ذلك تحمي اللحم من حرارة الجمر الزائدة، فينضج دون أن يحترق أو يذوب ويتفتت، ثم يقوم بتربيط هذه الخصفة جيدا وإحكام إغلاقها، وتُرمى في حفرة الشواء، بعد أن تكون النار قد خمدت وتحولت إلى جمر، وتُغطى الحفرة بإحكام حتى اليوم التالي.

في مناسبات أهل الجبل، يوضع اللحم المراد شيّه في خصفة من سعف النخيل ويدفن في حفرة من النار حتى اليوم التالي

في وقت الغداء من اليوم التالي تفتح الحفرة وتخرج الخصفة وتفتح، ولك أن تتخيل رائحة الشواء الزكية المنبعثة في الأرجاء، حيث يستمتع جميع أفراد العائلة بوجبة مميزة تملؤها البركة وطيب النفس. ومثل هذه الطريقة التقليدية في الشواء يمكن أن تعمم على أهل القرية جميعا، في مناسبات مخصصة كالأعياد وولائم العرس والعقيقة، حيث يجتمع أهل القرية جميعا، ويلقون أكثر من ذبيحة في الحفرة، وينعمون بوليمة شهية في اليوم التالي.

على كتف الجبل.. صور من الحياة الاجتماعية

يتصرف الأطفال ببراءة وانطلاق، لم تلوثهم تعقيدات المدينة فيتعلمون فنون الرجولة والاعتماد على الذات مبكرا، ويقضون أوقاتهم في اللعب والتسلق والجري على الطرقات الوعرة، ثم يذاكرون دروسهم، ونادرا ما تجد مع أحدهم جهاز اتصال أو ألعابا إلكترونية، فهذه ليست أجواءهم، ها هم يتناولون على عجل وجبة خفيفة طهيت للتو على النار، ثم يتوجهون إلى مسجد القرية لحفظ القرآن، يساعدهم في ذلك صفاء الأجواء وصفاء الأرواح.

وللمرأة دور مهم في هذا المجتمع النقي، فهي المسؤولة الأولى عن تربية الأولاد ورعايتهم وتعليمهم، وهي تقف مع الرجل جنبا إلى جنب في تحمل أعباء هذه الحياة الشاقة، ولكن الرجال لا يكلفونها ما لا تطيق، فهي لا تعمل في البناء أو نقل الأحمال الثقيلة، بل يقتصر دورها على أعمال المنزل من التنظيف وإعداد الطعام وما شابه.

“السوجرة” قرية عمانية معلقة في الجبال يعيش أهلها حياة بدائية جدا تعتمد على الرعي والزراعة

وفي هذا المجتمع المتدين النقي، فإن الاختلاط بين الرجال والنساء يكون في أضيق نطاق، إذ لا حاجة له ولا مبرر، فالنساء لهن اجتماعاتهن الخاصة بهن، ولهن اهتماماتهن التي لا يشاركهن فيها الرجال، كما أن أنشطة الرجال في اجتماعاتهم لا تطيقها النساء ولا تعنيهنّ.

المثير في هذه البيئة القاسية أن الرجال والنساء والأطفال على حد سواء، يتمتعون بلياقة بدنية عالية، وبرشاقة وخفة قل نظيرها، فأنت تنظر إلى الشيخ الثمانيني أو الشاب اليافع يتنقلون في هذه المرتفعات الوعرة التي تصل أحيانا إلى حد التعامد على سطح الأرض، وكأن أقدامهم مثبتة على هذه الممرات الضيقة بمادة لاصقة أو بمغناطيس، كما تلاحظ أن أبدانهم خفيفة رقيقة، ولكنها متينة صلبة في نفس الوقت.

أبو ماجد.. شيخ ثمانيني يقهر الجبال

أبو ماجد الشريقي رجل في الثمانينات من العمر، وهو الشقيق الأكبر لناصر الشريقي، سوف يصطحب أحفاده في رحلة جبلية إلى قرية قديمة في أسفل الوادي يقال لها “الخرار”، يتوجه إليها يوميا من أجل سقي المزروعات، وفي هذا اليوم سيكون له مساعدون ورفقاء على الطريق الطويلة الوعرة، ينظر إلى أحفاده وهم يلعبون ويتسلقون الأشجار العالية، فيرى فيهم طفولته وعنفوانه، ولكنه كذلك ما زال جلدا قويا.

جلس الشيخ وتحلّق حوله أحفاده في أحد البيوت الخربة، وراح يسرد لهم حكايات من الماضي: كان الناس يأوون إلى هذه القرية عند اشتداد البرد في المرتفعات، وكانت لذة ليالي السمر الشتوية حول كانون النار لا تضاهيها لذة أخرى، وإذا صاحَب هذه الجلسة بعض المشويات تحت الرماد مثل البطاطس أو حبات من التمر مع القهوة الساخنة، فكأنما حيزت لهم الدنيا بحذافيرها.

أبو ماجد .. رجل ثمانيني لا يزال يطوف الجبل جيئة وذهابا دون كلل أو ملل

هل تلاحظون أن الجدّ يحدثهم عن صعوبة الحياة في الزمن الماضي؟ فما الذي تغير الآن يا ترى؟ لربما يظن الشيخ الكبير أن ذهاب الأولاد إلى المدارس، أو تغيير نوعية الطعام الذي يأكلونه اليوم قد أحدث فرقا، والحقيقة أن هذه القرى التي نسيتها الحضارة الحديثة، ما زالت قريبة عهد بالذي عاشه أبو ماجد وآباؤه قبل ثمانين عاما أو أزيد.

ها هو أبو ماجد، ومعه أحفاده، يقومون بتحويل ماء العين إلى المزروعات، ثم يستمتع الجميع بأكل حبات من الرمان اللذيذ، ويصعدون الجبل ثانية إلى حيث يسكنون في السوجرة. هل تتخيلون؟ لقد قطع هذا الشيخ العجوز ما يقرب من خمسة كيلومترات صعودا وهبوطا، في طريق تحبس وعُورته الأنفاس. أي نوع من الرجال هؤلاء؟

بين الحقيقة والأسطورة.. حكايات الكهوف

ينتشر في سلسلة الجبال هذه عدد كبير من الكهوف الطبيعية كان أهل الجبل قديما يستخدمونها للسكنى، ثم بعد أن بنوا دورهم صاروا يستخدمون الكهوف لإيواء أغنامهم وماعزهم في الظروف المناخية الصعبة، ومن هذه الكهوف: كهف الهاوتا وكهف المعاول وكهف أبي هبّال وكهف عامر الذي نحن بصدد زيارته مع عبد الله بن ناصر الشريقي، وهو كهف متميز بعمقه وكثرة سراديبه.

أحد كهوف الجبل العملاقة التي كان يعيش فيها الناس قديما قبل أن تصبح مأوى لماشيتهم

ترتبط الكهوف عادة بقصص الجن والخرافات والأساطير، ويتناقل الناس بطبيعتهم مثل هذه الحكايات، ويتأثر بها الأطفال بشكل خاص، حتى أنه يخشى أن تتشكل شخصياتهم متأثرة بهذا النوع من القصص الخيالية المرعبة، وقد يكون العكس تماما، حيث تتربى في نفوس الأطفال روح التحدي والمغامرة والشجاعة والجرأة على دخول هذه الكهوف دون خوف أو وجل.

“إعصار غونو”.. هواجس الخطر الداهم

لا تسير الحياة في الجبل بمثل هذه الرتابة دائما، فالظروف الجوية القاسية يمكن أن تقلب الأمور رأسا على عقب، وتتعرض عُمان بسهلها وجبلها لأعاصير عاتية، يمكن أن تُحدث أضرارا جسيمة في الأرواح والممتلكات، فهذا “إعصار غونو” الذي يُعد من أشهر الأعاصير التي تضرب السلطنة باستمرار، يأتي سريعا ويتلاشى سريعا، لكن سرعته مدمرة قد تصل إلى أكثر من 270 كيلومترا في الساعة.

يقول الشيخ ناصر: نستدل على الأمطار بالسُّحب واتجاه الرياح، ولكنها مجرد توقعات، والله سبحانه وتعالى بيده الخير، وهو يسوق الأمطار بقدرته، نعم قد تتضرر مساكننا قليلا جراء المطر والسيول المنحدرة الجارفة، ولكنها أضرار يمكن إصلاحها وترميمها، وبعد لطف الله ورعايته، فإن الجبال تحمينا من السيول والدمار الشامل، أما البيوت المبنية في الوادي أو مجرى السيل فتكون أكثر عرضة لخطر الهدم والانجراف.

بالقرب من “الكانون” يجتمع أفراد العائلة ويتسامرون في أجواء البرد والريح يحتمون داخل بيوتهم الطينية المحصنة

لقد تجلّت حكمة الله وقدرته في تذليل الأرض لهذا الكائن البشري المكرَّم، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) سورة الملك الآية 15. وتجلّى فضله وإحسانه سبحانه وتعالى في تيسير كل أسباب الاستمرار والحياة لهذا المخلوق، أيا كانت الظروف ومهما كانت البيئة، وأعطاه العقل الراجح والإرادة الكامنة، والجوارح المتكيفة تماما مع حاجاته، فتبارك الله أحسن الخالقين.