“الأب”.. خرف ينخر ذاكرة العجوز السابح في بحر الثمانين

تقدم لنا الحياة في بعض الحالات إجابات مباشرة وبسيطة عن أسئلة تبدو عميقة. يتحدث الكثير من الشعراء عن الذكريات، وعن أهميتها، وكيف أن الإنسان بدون ذكريات يفقد إنسانيته. على الجانب الآخر نجد العديد من المفكرين يناقشون فكرة الذاكرة وما تعنيه للإنسان، ويعتقدون أن الذاكرة هي الوسيلة الأهم التي يستخدمها البشر في بناء الحضارات، لكن بعض المحللون النفسيون يعتقدون أن الذاكرة ليست مجرد وسيلة أو أداة يستخدمها الإنسان، لكنها المحرك الأساسي للإنسان، وما يجعل الإنسان يشتهي شيئًا أو حتى يتصور أن خيارًا ما هو الأفضل لأسباب منطقية ليس المنطق ولكنه تأثير مجموعة من الذكريات الكامنة في الإنسان منذ المراحل الأولى للطفولة. لكن الحياة لا تستخدم المصطلحات الفلسفية المعقدة ولا البلاغة الشاعرية بل تقدم لنا الإجابة بشكل مباشر وقاس للغاية.

شهد الكاتب والمخرج الفرنسي فلوريان زيلر إجابة الحياة عن سؤال الذاكرة في صورة إصابة جده بالخرف، مما ألهمه كتابة وإخراج مسرحية يقدم فيها لنا ما يعنيه أن يفقد الإنسان التحكم في ذاكرته؛ ما يعنيه ذلك بالنسبة له كإنسان وبالنسبة لمن حوله، أبناءه الذين يعتنون به وأقربائه الذين يهتمون لأمره. وكان نجاح المسرحية بالإضافة إلى أهمية وعمق التجربة بالنسبة لزيلر دافعان رئيسان للتعاون مع كريستوفر هامبتون، حيث حول الإثنان هذه المسرحية إلى فيلم من أفضل الأفلام التي عرضت في العام الماضي وهو فيلم الأب.

يقدم الفيلم قصة “أنتوني” الأب العجوز، و”أنتوني” هنا هو اسم الشخصية التي يؤديها “أنتوني هوبكينز” بالفعل، وقد كان اختيار اسم أنتوني لبطل الفيلم اختيارا مُتعمدا من مخرج الفيلم “فلوريان زيلر”، وذلك في إشارة احترام ومجاملة للمسيرة العظيمة للممثل “أنتوني هوبكنز”.

“أنتوني هوبكينز”.. ممثل يغزو خيال المؤلف أثناء الكتابة

يقول المخرج “فلوريان زيلر” إنه أثناء كتابته للفيلم لم يتمكن من تخيّل أي شخص آخر لأداء دور البطولة غير “أنتوني هوبكينز”، بل إنه كان يأمل أن يكون اسم البطل عاملا مساعدا في محاولة إقناعه للانضمام إلى الفيلم، وكما هو الحال مع اسم البطل، فإن عمر “أنتوني” هو ذاته عمر “أنتوني هوبكنز” الحقيقي، وعمر “أنتوني” يحيلنا إلى مشكلة الفيلم الرئيسية التي ندركها مع الدقائق الأولى، وهي رفضه التصالح مع سنه.

يبدأ الفيلم بـ”آن” التي تقوم بدورها الفنانة أوليفيا كولمان، وتمثل “آن” الوجه الآخر لما يعنيه التقدم في العمر، حيث لا يقتصر تأثير مشكلات التقدم في العمر على الشخص فحسب، لكن على من يعتني به بطبيعة الحال، وهو غالبا ما يكون الأبناء إلا في حالات إلحاق الأب بدار للمسنين، وهو الأمر الذي لا يزال يراه الكثيرون فعلا غير مستساغ حتى في المجتمعات الغربية.

بطل الفيلم “أنتوني هوبكنز” المُصاب بالخرف، والذي يرفض التصالح مع سِنّه

وجدير بالذكر أن “أوليفيا كولمان” أدت دورها على درجة عالية من الإتقان والجودة لا يفوقهما سوى الأداء المبهر لـ”أنتوني هوبكنز”، وتعتني “آن” بوالدها “أنتوني” المُصاب بالخرف، لكنه يفرض مساعدتها ويُصرّ على أنه لا يزال يتمتع بالقدرات العقلية الكافية التي تؤهله للاعتناء بنفسه.

معركة الشك.. تضحيات الأبناء في فوضى الخرف

يتميز فيلم “الأب” بتماسك عناصره التي يمكننا دائما فهمها في صورة جانبين متناظرين، أولى هذه التناظرات هي التناظر بين شخصيتي الفيلم؛ الأب والابنة. ولهذا السبب أيضا نلاحظ أن اسم الفيلم لم يكن ببساطة “أنتوني”، لأن “أنتوني” ليس فردا واحدا، لكنه أب.

نعلم منذ بداية الفيلم أن الأب يعاني من مشكلة مع واحد من أمراض الشيخوخة، ونلاحظ أنه كثير النسيان، بل تختلط عليه الشخصيات، فلا يفهم لماذا يجلس شخص غريب في صالة منزله، بينما يقول هذا الشخص أنه زوج ابنته، وهو يعيش في هذا المنزل بالفعل.

نشاهد “آن” تخبر والدها أنها ستسافر إلى باريس مع شخص التقت به مؤخرا، ثم نشاهدها تنكر أنها أخبرته بذلك، بل هي تعيش في منزلها وتعتني به. ما يعرضه الفيلم في النصف الأول هو “أنتوني” الذي يشك في العالم من حوله، فهو يذكر الكثير من الأشياء بوضوح شديد، وهو يعلم أنه يعيش في منزله وحده، لذلك عندما يجد غريبا في منزله يدعي أنه زوج ابنته، فإنه يفترض أنه كاذب.

يستمر شك “أنتوني” في جميع من حوله، لكن الموضوع الرئيسي لهذا الشك هو ابنته “آن”، فهي أكثر من يتواصل معه بشكل مستمر، لذلك فهي بطبيعة الحال موضوع الشك الأكبر، إذ تخبره بأشياء، ثم تدعي أنها لم تحدث أو العكس، بل أحيانا ما يجد “أنتوني” امرأة أخرى في منزله تدعي أنها هي “آن”.

هكذا تواجه “آن” مشكلة محاولة الاعتناء بوالدها الذي لم يعد يثق فيها، وهو واحد من الأعراض المعتادة لأمراض الشيخوخة، وهو العرض الذي يتسبب في القدر الأكبر من الألم للمحيطين بالمريض، فالأشخاص الأقرب من المريض -وهم أولاده في كثير من الحالات- يقررون بشكل واع التضحية بكثير من رفاهيات حياتهم، بل وتحمل الكثير من الضغط والإجهاد البدني والمادي للاعتناء بوالدهم، لكنهم لا يتوقعون أنهم بينما يقومون بذلك سيواجهون بالشك ونظرات الاتهام من قبل الوالد.

“لورا”.. أحاديث رشيقة وتهمة خطيرة

يعرض “زيلر” كثيرا من المشاهد البسيطة الدقيقة التي نفهم منها عمق العلاقة بين البنت ووالدها، فقد حضرت “لورا” لزيارة “أنتوني” في منزله كي تتعرف عليه وعلى المنزل، قبل أن تبدأ في تولي مهمة رعايته في غياب ابنته “آن”.

يتحدث “أنتوني” إلى “لورا” بلباقة ورشاقة، ويقدم لها مشروبا، ويحدثها عن “آن” التي لا تشرب المشروبات الكحولية، على العكس من ابنته الأخرى، وفي هذه اللحظة -وبشكل سريع وربما غير ملحوظ- يصف “أنتوني” ابنته الأخرى بالمفضلة لديه، بينما تقف “آن” بالقرب منه.

“أنتوني” يتحدث إلى “لورا” بلباقة ورشاقة، قبل أن تبدأ لورا في تولي مهمة رعايته في غياب ابنته “آن”

في نهاية حديث “أنتوني” مع “لورا” يخبرها أنه اشترى منزله منذ وقت طويل، وأن ابنته تطمع في الحصول عليه، لهذا قررت الانتقال للعيش معه، تحت ستار أنها تحاول الاعتناء به، لأنه لا يمكنه الاعتناء بنفسه.

“ما الذي تغيّر في شكل شعرك؟”.. إطراء مفاجئ

لا يكتفي “زيلر” بعرض المشكلة من جانب “أنتوني”، بل إنه يقدم أيضا مشاهد بسيطة تقدم فكرة عميقة عن رؤية “آن” لنفسها، حيث يقول لها متسائلا: “ما الذي تغيّر في شكل شعرك؟”. فترد عليه قائلة إنها لم تغير شيئا، متسائلة عن سبب السؤال، ليرد “أنتوني” بأنها تبدو جميلة للغاية.

دار هذا الحوار بشكل عابر أثناء ركوبهم المصعد، لكن السعادة الغامرة التي شعرت بها “آن” لم تكن أمرا عابرا على الإطلاق، ويمكننا أن نفهم ما الذي يعنيه رأي “أنتوني” بالنسبة لها. لهذا تكتسب اتهامات والدها وزنا أكبر مما يتخيله شخص آخر خارج عن العائلة.

“آن” ووالدها “أنتوني” في المصعد، حيث سألها الوالد: “ما الذي تغيّر في شكل شعرك؟”

لا تستطيع آن تحمّل هذا العبء النفسي، حيث نشاهدها تدخل غرفة والدها، بينما ينام ثم تقوم بخنقه حتى الموت، لكننا سنعلم بعد هذه بلحظة واحدة أنها كانت تتخيل هذا، لقد كانت آن تتحمل ألما يمكنه أن يدفعها إلى القتل، لكنها لا تملك سوى أن تستمر في الاعتناء بوالدها.

“أنتوني” الإنسان.. بقايا رجل ذكي انفصل عن واقعه

التناظر الثاني الذي يعرضه الفيلم هو تناظر يحدث في داخل نفس “أنتوني”، عندما ننسى علاقة الأب والبنت، وننظر إليه بوصفه إنسانا، وقد عبر “زيلر” عن هذه النقطة بمشهد واحد يقسم الفيلم إلى قسمين متناظرين متساويين في الطول تقريبا.

نلاحظ في نصف الفيلم الأول أن “أنتوني” أدرك الواقع من حوله بوصفه واقعا موضوعيا منفصلا عنه، وما يعنيه ذلك أن منزله هو منزله، فهذه حقيقة ثابتة، وكما نلاحظ فإن “أنتوني” شخصية تتسم أو كانت تتسم بذكاء حاد، لذلك يثق في ذاكرته، وعندما يحدث ما يخالف ما يذكره بوضوح عن العالم من حوله، فإنه يشك في حدوث شيء ما، أو أن شخصا ما يتلاعب به.

دار المسنين.. قنبلة تنفجر على طاولة الطعام مرتين

يظل “أنتوني” على ثقته في نفسه التي لا تهتز إلا قليلا، حتى المشهد المركزي في منتصف الفيلم، وهو مشهد العشاء الذي تقوم فيه “آن” بإعداد الطعام لزوجها ووالدها.

يقدم “زيلر” تتابعا دائريا في هذا المشهد المتصل الذي يستمر لأكثر من خمس دقائق متواصلة، يبدأ المشهد بـ”أنتوني” ذاهبا إلى غرفة الطعام، لكن قبل دخوله الغرفة ومن خلال الباب يتناهى خلسة إلى مسامعه زوج ابنته، وهو يحاول إقناعها أن تلحق “أنتوني” بدار للمسنين، لكنه يبتلع الصدمة ويدخل إلى الغرفة، ثم يجلس إلى الطاولة ليتناول طعام العشاء مع “آن” وزوجها، وحين تتركهما لتحضر الطعام يحتد الحوار بين “أنتوني” وزوج ابنته الذي يتحدث إليه صراحة عن أنه يتسبب بالكثير من المعاناة لهما.

تعود “آن” بعد ذلك، لكن تحت تأثير الصدمة يرغب أنتوني في الاختلاء بنفسه قليلا، فيدعي سببا وهميا للذهاب إلى المطبخ، وعندما يعود وقبل دخوله الغرفة ومن خلال الباب؛ يتناهى خلسة إلى مسامعه زوج ابنته وهو يحاول إقناعها أن تلحق “أنتوني” بدار للمسنين. لم يكن هذا خطأ في الكتابة، لكنه ما حدث بالضبط، فقد استخدم “زيلر” تتابعا من المشاهد ينتهي كما بدأ بالضبط، وعند هذه اللحظة يدرك “أنتوني” أن المشكلة ليست في الواقع من حوله، بل المشكلة في داخله.

دموع الانهيار.. بداية المواجهة العارية مع الذات

بعد مشهد طاولة الطعام نلاحظ أن كل شيء يتغير في الفيلم، فثقة “أنتوني” في نفسه تنهار تماما، بل إن تصوير الفيلم نفسه يختلف، إذ تنتقل الكاميرا إلى خارج الغرفة التي تجري فيها الأحداث، وتنقل لنا الصورة من خلال الأبواب المفتوحة، وكأن “أنتوني” أصبح مدركا أنه يعيش في واقع مختلف عن الواقع الذي تجري فيه الأحداث من حوله.

نشاهد حالة “أنتوني” الذي قام بمحادثة شديدة الرشاقة والثقة مع “لورا” من قبل وهي تنهار تماما، وينتابه الخوف أثناء التواصل مع الجميع، ويستمر النصف الثاني من الفيلم وهو يعرض “أنتوني” مرتبكا غير مدرك كيف يجب أن يكون رد فعله على أي موقف أو محادثة، لأنه ببساطة غير واثق في أن ما حدث أو من يحدثه هو نفس الشخص الذي يرى “أنتوني” أنه هو، ومع زيادة العبء النفسي نشاهده يبدأ في البكاء في الكثير من الأحيان.

وميض الوعي.. حين يقترب الموت من الطفل الخائف

يبدأ الإنسان حياته كطفل لا يملك من أمره شيئا، لكن براءة الأطفال تجعلهم مقبلين على التجربة والتواصل مع الآخرين، كما تجعلهم غير مدركين لحجم ضعفهم، ولا مدى الضرر الذي قد يقع عليه، وحتى عند إدراكهم درجة ضعفهم، فإنهم يطلبون المساعدة ممن حولهم لعدم إدراكهم لما يمكن أن تنطوي عليه نيات الآخرين.

“أنتوني” يبكي كالطفل الخائف، فهو يشعر بأنه يقترب من الموت

بدا “أنتوني” في نهاية الفيلم كالطفل الخائف، إلى درجة طلبه النجدة من أمه كما يتحدث الأطفال بالضبط، لكنه -بخلاف الأطفال الذي يدركون ضعفهم أمام العالم المادي- يملك من الخبرة ما يجعله يدرك أن مشكلات العالم ليس في السقوط من ارتفاع عالٍ مثلا، لكن في التواصل مع الآخرين، أو كما يقول “سارتر” إن “الجحيم هو الآخر”، وهو ما نراه بوضوح على وجه “أنتوني” ولغة جسده الخائفة، وعلى الرغم من عدم قدرة “أنتوني” على فهم ما يحدث بالضبط، فإنه يشعر بأنه يقترب من الموت.

وجه آخر هش للرجل العجوز.. خاتمة ممثل عظيم

عاش “أنتوني” حياة طويلة، ويمكننا أن نفهم من شخصيته أنه لبق وشديد الذكاء، وبطبيعة الحال قضى حياة ناجحة، لكن تمسكه بهذه الحياة منعه من إدراك فكرة الموت، هكذا نجده يعبر عن مشاعره بأنه يشعر، وكأنه شجرة على وشك أن تتساقط أوراقها.

قدّم “أنتوني هوبكنز” أداء غير معتاد منه، فقد اعتدنا عليه في أدوار ذكورية يظهر فيها بوصفه شخصا قويا متحكما في الأمور، ولديه كثير من الفخر الذكوري والثقة في ذكائه، لكنه في هذا الفيلم قدم لنا وجها آخر يكشف فيه عن نفسه وعن ضعفه، وعلى الرغم من أن “زيلر” قد كتب المسرحية ثم الفيلم معبرا عن تجربة شخصية مر بها هو نفسه، فإن أداء “أنتوني هوبكنز” الرائع قد يشير إلى أنه هو نفسه يمر بهذه الأفكار والهواجس.

تجاوز “هوبكنز” ذو الثلاثة والثمانين عاما نفسه بلا شك، وقدم واحدا من أعظم أدواره طوال مسيرته الفنية.