“سيدات السجاد”.. أيادي المغرب الساحرة تقاوم زحف آلات النسيج

استطاعت حياكة السجاد بالطريقة التقليدية الصمود في وجه كل التطورات الصناعية، وبقي الطلب عليه قائما رغم إغراءات السجاد العصري بكل ألوانه وتفاصيله الدقيقة وثمنه البخس. وقد حافظ السجاد المصنوع تقليديا على هيبته التي تضمنها جودة خيوطه وأناقته وتحمله لعوامل الزمن، بالإضافة إلى تميزه بألوانه الطبيعية ورسوماته التراثية التي تعكس أصالة الحرفة.

ونجد أن عددا من الدول تمسكت بهذه الصناعة الضاربة في عمق التاريخ، وتستغلها كجواز سفر لثقافتها وموروثها الحضاري، حتى أصبحت بعض أنواع السجاد رمزا لمنطقة معنية.

فنجد في إيران سجاد منطقة قم وسجاد أصفهان كأبرز أنواع السجاد الإيراني الأقدم والأشهر في العالم، وفي تركيا يتميز سجاد تبريز، كما تشتهر سوريا وفلسطين ولبنان بسجادها التقليدي المميز، وفي المغرب نجد أساسا السجاد الأمازيغي بألوانه الزاهية وأشكاله الهندسية المتناسقة.

ويقدم فيلم “سيدات السجاد” الذي عرضته الجزيرة الوثائقية نموذجا لهذا التشبث بأصالة السجاد التقليدي في المغرب المسمى محليا باسم الزربيّة، إذ تسهر نساء قرويات في الغالب على حياكته باستعمال أدوات تقليدية توارثتها الأجيال، وسط جو من الاحتفال بأهازيج محلية أمازيغية تتغنى بهذا المنتوج الذي يجمع بين الجودة والقيمة الفنية والتاريخية العريقة.

فكيف تجري صناعة السجاد التقليدي في وقتنا الحالي؟ وما هي مميزات وأنواع السجاد المغربي؟ وهل أدخلت عليه تعديلات أم أنه ما زال فعلا يحتفظ بكل تفاصيله القديمة؟ وما هو سر حفاظ السجاد التقليدي على مكانته المرموقة رغم التطور الهائل في صناعة النسيج في السنوات الأخيرة؟ وما هي الجهود المبذولة للحفاظ هذه الحرفة، وتشجيع الجيل الجديد على تسلم المشعل؟

مواد محلية ورسومات تراثية.. سر تميز سجاد الأطلس

لا شك أن صناعة السجاد هي واحدة من الصناعات القليلة جدا التي حافظت -حتى يومنا هذا- على الطريقة التقليدية التي استعملها رواد هذه الحرفة منذ مئات السنين، فما زالت النساء في قرى المغرب يحوّلن الصوف يدويا بواسطة المغزل إلى خيوط، ويضعنه في الآلة الخشبية التي تسمى المنسج، ويعملن عليه لأيام وأسابيع وأحيانا شهور، ليخرج بعد ذلك السجاد عالي الجودة والمتانة، بأشكاله المتناسقة التي تنم عن مهارة خاصة ومعرفة وخبرة لدى هؤلاء النسوة، رغم ظروفهن المعيشية الصعبة.

ويعرض فيلم “سيدات السجاد” مشاهد من إقليم بولمان بالأطلس المتوسط غير بعيد من فاس العاصمة العلمية للمملكة، ويستعرض هذه المعاناة اليومية التي تواجهها الحائكات من أجل صنع الزرابي والقيام في الوقت نفسه بأشغال المنزل المعتادة، وتقول هؤلاء النسوة إن عملهن في صناعة السجاد يعكس هذه المعاناة، وكل خيط يوضع في المنسج هو رمز لصبرهن وكفاحهن.

وتنعكس الظروف المعيشية القاسية في جبال الأطلس التي تمتد وسط المغرب، على طبيعة السجاد الذي يميز هذه المنطقة، فنجده خشنا وسميكا، مزخرفا بأرضية بيضاء ورموز غالبا ما نجدها موشومة على أيادي وأوجه نساء المنطقة في القديم، وذلك بعكس زرابي الرباط مثلا التي تعكس الغنى ورغد الحياة في مناطق زعير، وسهولة الصنع على أيدي النساء النساجات في ورشات جماعية، وهو ما يظهر في دقتها وحبكتها.

هذه الروح التي تميز سجاد كل منطقة تزيد من تشبث البعض بهذه الصناعة التقليدية، رغم أنها تستخدم خامة أساسية واحدة هي الصوف، وتعتمد على الأدوات نفسها تقريبا. لكن الاختلاف في التطريز والألوان المستخدمة يمنح لكل سجاد شهادة انتماء لمنطقته، وجواز سفر يعرف به في كل بقاع العالم.

أثناء غزل وحياكة الزرابي، تغني النساء أهازيج أمازيغية محلية

زرابي المملكة.. سفراء الأقاليم المغربية في العالم

تشتهر مناطق بعينها في المغرب بجودة سجادها، ومن بين أشهر أنواع السجاد التي وصلت إلى العالمية الزربيّة الواوزكيطية التي تحتضنها منطقة تزناخت بإقليم وارزازات، أحد أكبر أسواق السجاد التقليدي في المغرب، وحيث ينظم سنويا مهرجان الزربية الواوزكيطية الذي يستقطب إليه آلاف السياح الأجانب.

ولا يخلو تقريبا أي بيت في منطقة تازناخت من منسج خاص به، ويوجد بالمنطقة ما لا يقل عن 20 ألف امرأة يحترفن صناعة النسيج التقليدي والزرابي. ويحظى هذا السجاد الأمازيغي الحر بمكانة مهمة في المنطقة، وتستعمل في تلوينه مواد طبيعية مستخلصة من الأعشاب المحلية كالحناء وقشور الرمان والفوة وغيرها، كما يستفيد من جودة صوف جبل سروة الذي يعتبر أجود أنواع الصوف بالمغرب.

وقد ذاع أيضا منذ القدم صيت سجاد الأطلس المتوسط الذي يحكي قصص نساء المنطقة، وينقل معاناتهن من خلال رسوماته وألوانه.

كما نجد أنواعا أخرى كالزربية الوزانية نسبة إلى مدينة وزان شمال المغرب، والزربية المراكشية والفاسية التي تأثرت بالنقوش والزخرفة الإسلامية، بالإضافة إلى الزربية الرباطية المميزة بلونها الأحمر ورسوماتها الدقيقة المتداخلة في الحافة والوسط، وهي تواصل تحديها لمنتجات المصانع الحديثة بفخامتها وجودة صوفها الممزوج أحيانا مع الحرير، وجمال رسوماتها.

أشكال مختلفة من الزرابي المغربية بألوان جذابة لافتة

تحسينات الصناعة التقليدية.. متطلبات السوق الحديثة

يبقى السجاد من أبرز وأقدم الصناعات التي طورها الإنسان على مر العصور، ويعتقد أن منطقة السهول الأوراسية وآسيا الوسطى هي المنشأ الأول لهذه الصناعة المتجذرة منذ ما يربو على 500 عام قبل الميلاد، وطرأت عليها تحسينات عديدة في طريقة النسج وفي جودة المواد الأولية المستعملة في ذلك.

ورغم الاختلافات الموجودة في المنتج النهائي، فإن صناعة السجاد التقليدي تعتمد بالأساس على ثلاث مراحل رئيسة، وهي غزل الصوف، ثم صباغته، ثم وضعه في آلة المنسج التقليدية وحياكته خيطا خيطا للحصول على الرسم والشكل المطلوب.

وشملت التحسينات التي طرأت هذه الصناعة التقليدية في المغرب طريقة جمع الصوف وغسله، بالإضافة إلى تطوير جودة الألوان المستعملة في الصباغة، لكي تصبح أكثر تحملا لعوامل الزمن. وأصبح التوجه أيضا في السنوات الأخيرة نحو نسج الزرابي الصغيرة بعدما كثر عليها الطلب، وذلك لسهولة نقلها وتحميلها من قبل السياح الأجانب، ولسعرها المناسب مقارنة بالزرابي الكبيرة التي تكون غالبا باهظة الثمن، لأن نسجها يتطلب أسابيع أو شهورا.

وتحولت بعض الزرابي في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه لوحات فنية، وانتقل استعمالها من الأرضيات إلى الحائط للتزيين، مثل اللوحات التشكيلية. وهو تحول واكبته الصناعة المحلية، وأصبح العمل أكثر على جودة الألوان ونوعية الصوف ودقة الرسومات، لكي تظهر جمالية التصميم والرسوم رغم صغر مساحة السجاد.

“صنع في المغرب”.. إشكالية التسويق تهدد السجاد التقليدي

غالبا ما توصف صناعة السجاد التقليدي بأنها صناعة المرأة التي يكسب منها الرجل، فالنساء من مختلف الأعمار هن من يجلسن أياما طوالا أمام المنسج ليبدعن لوحات فنية بالخيوط والصوف، من أجل بيعها في الأخير لتجار الجملة بأسعار لا تعكس بالضرورة حجم المجهود المبذول من قبل هؤلاء النسوة، لكنهن مضطرات لذلك لإعالة أنفسهن وأسرهن.

ويبقى الوسطاء الرجال الذي يقومون بإعادة بيع الزرابي المستفيد الأكبر من هذه التجارة، ونجد في بعض الحالات أن الثمن يتضاعف ثلاث مرات أو أكثر مقارنة بالثمن الأصلي، وهو ما ينعكس سلبا على هذه الصناعة، ويخلق نوعا من اليأس والفشل لدى النساء العاملات في هذا المجال.

وظهرت في السنوات الأخيرة محاولات كثيرة لحل معضلة التسويق، من خلال خلق تعاونيات من قبل هؤلاء النساء القرويات النساجات، يجتمعن من خلالها لتجميع الإنتاج والاستفادة من تكوينات في التصميم والابتكار والتلوين، ثم التواصل مباشرة مع الزبائن دون المرور بالوسطاء، بالإضافة إلى المشاركة في معارض وطنية ودولية.

وتوجد في المغرب عشرات الجمعيات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي للزرابي تواكبها الحكومة، كما بذلت جهودا من أجل حماية منتوج هذه التعاونيات النسوية من التقليد والتزييف، وقامت الدولة المغربية بمنح علامات الجودة والمنشأ لعدد من التعاونيات، كما سُجل عدد من أنواع الزرابي لدى المكتب المغربي للملكية الفكرية، ولدى مؤسسات مماثلة في مجموعة من الدول قصد حمايتها من القرصنة.

وربما استطاعت علامة “صنع في المغرب” إنصاف المنتوج والإشارة إلى بلده الأصل، لكن ليس بالضرورة النساء اللواتي اشتغلن عليه لأسابيع أو شهور في منازلهن أو في ورش التعاونيات.

السجاد الأصفر الذي يتميز برسم المنشار الذي يتداخل فيصنع رسما يدعى بالأمازيغية “تقجذمين”

صناعة المغرب الثالثة.. حفظ الحرفة من الاندثار

تشكل الصناعة التقليدية في المغرب رافدا اقتصاديا مهما، إذ يوظف هذا القطاع بحسب آخر الأرقام الرسمية مليونا و140 ألف شخص، ويحقق رقم معاملات سنوي بلغ في 2018 أكثر من 76 مليار درهم (حوالي 8.4 مليار دولار)، ويصدر المغرب نسبة مهمة من صناعاته التقليدية إلى الخارج، وبلغت قيمة هذه الصادرات في 2019 حوالي 792 مليون درهم (88 مليون دولار).

ويحظى السجاد التقليدي بمكانة مهمة في هذه الصادرات نحو الخارج، بقيمة قدرت بـ106 ملايين درهم، كثالث أكثر المنتجات التقليدية تصديرا بعد منتجات الخزف والفخار ومنتجات الملابس التقليدية.

وبالإضافة إلى هذه الأهمية التجارية ما زال الطلب المحلي أيضا على السجاد التقليدي قائما، ويكاد لا يخلو أي بيت في المغرب من زربية أصيلة، رغم تراجع الطلب في السنوات الأخيرة بسبب المنافسة الكبيرة للسجادات العصرية المعروضة في الأسواق بأسعار زهيدة.

وتعمل الهيئات الحكومية المغربية على تشجيع مبادرات لإنشاء تعاونيات نسوية بالخصوص، تشكل فضاء لتلاقي الأجيال من أجل تعلم الصنعة من أيادي النساء اللواتي أفنين أعمارهن في نسج خيوط الزرابي، لأن روح السجاد الأمازيغي-المغربي توجد في تلك التفاصيل التي تناقلتها الألسن ورأتها العيون جيلا بعد جيل، بالإضافة إلى تكوين الشابات المقبلات على هذه الحرفة في تقنيات غزل الصوف وصباغته، وتشكيل الرسومات الأصيلة، لأن المعدن الأصيل لا يصدأ أبدا، ويبقى محافظا على بريقه وجاذبيته رغم مرور السنين وتطور الزمن وتغير العادات.