“13 روحا”.. قصة إنقاذ مجنونة تحبس الأنفاس في تايلند

كما كان متوقعا، نقلت السينما القصة الحقيقية لإنقاذ 13 شخصا دخلوا كهفا في شمال تايلند ولم يستطيعوا الخروج منه، بعد أن حاصرتهم المياه التي ارتفع منسوبها داخل ممراته الضيقة بسبب الهطول الشديد للأمطار.

عملية الإنقاذ تابعها العالم عبر وسائل الإعلام التي عكست أثناء تغطيتها التعاطف الإنساني الكبير مع أطفال أبرياء تعرضت حياتهم لخطر جدي.

الفيلم البريطاني الأمريكي المشترك “13 روحا” (Thirteen Lives) يلتقط التفاصيل الواقعية لعمليات الإنقاذ الشجاعة التي تم صوغها بصريا وبأسلوب درامي مشوق. لم يبتعد كثيرا عن مجريات حدث دراماتيكي تابعه العالم واطلع على مجرياته باهتمام ملحوظ، لهذا جاء منجز المخرج الأمريكي “رون هاورد” محمّلا ببعد وثائقي إلى جانب السرد البصري الروائي الذي جعل منه فيلما مهما وممتعا في الوقت نفسه.

 

من الملعب إلى الكهف.. حياة تنقلب على عجل

يُصور المشهد الافتتاحي من الفيلم اللحظات التي سبقت دخول 12 صبيا تايلنديا مع مدربهم إلى الكهف، وكانوا خلالها يلعبون مباراة لكرة القدم في الملعب المحلي. بعد انتهائها، وقبل توجه الفريق إلى بيت زميل لهم للاحتفال بعيد ميلاده يوم 23 يونيو/ حزيران من عام 2018، اقترح أحدهم الذهاب أولا بدراجاتهم الهوائية إلى جبل “دوي نانغ نون” للاحتفال فيما بينهم داخل كهف “تام لوانغ” العميق والمتشعب الدروب.

طال انتظار أهاليهم لعودتهم، وبدأ معه السؤال عن سبب تأخرهم. لم يكن أحد منهم يعلم بقرار أولادهم الذهاب إلى الجبل، ولكن وأثناء خروجهم للبحث عنهم شاهدوا دراجاتهم الهوائية مركونة خارج فوهة الكهف.

خوف الغواصين البريطانيين من فشل التجربة

في هذه الأثناء بدأت الأمطار الموسمية بالهطول في غير موعدها السنوي. لتُحيل الأسئلة عن سبب مقدمها المبكر إلى الحديث عن المُتغيّرات المناخية التي بدأت تُؤثر وتُغيّر في مواعيد الظواهر الطبيعية المعتادة.

لم يستطع أهاليهم الدخول للبحث عنهم داخل الكهف، لشدة تدفق المياه إليه، لهذا اتصلوا بالجهات الرسمية التي أبلغت بدورها لجان الطوارئ، للقيام بواجبها.

شعور بالعجز.. توتر وصراعات خارج الكهف

هطول الأمطار الموسمية الشديد، زاد من مخاوف لجان الإنقاذ التي أوكلت المهمة لوحدات خاصة من الجيش التايلندي. وأخذ الخوف على حياة الغائبين ينتشر بين أهاليهم وبين سكان المنطقة.

وتنقل المشاهِد الخارجية حالة التوتر السائدة، وحيرة لجان الإنقاذ التي لم يسبق لها أن واجهت معضلة مثل تلك، والسبب جهلها بتضاريس الكهف وسبل الدخول إلى عمقه.

مشاركة كبيرة للجيش والسكان المحليين في عملية الإنقاذ

على خط الأحداث يظهر مواطن بريطاني مقيم هناك، ويعرف خارطة الكهف جيدا. يعرض خارطته على الضابط المسؤول عن الوحدة الخاصة، ويعرض معها فكرة استدعاء غواصين بريطانيين مختصين بعمليات الإنقاذ داخل الكهوف المائية.

يثير الطلب حفيظة الضابط، وينقل الفيلم إلى مكان آخر يعرض فيه الصراعات السياسية التي تحيط بالحدث وتتمثل برئيس البلدية (يؤدي دوره الممثل ساهاياك بونتاناكيت) الذي قررت الحكومة إقالته لضعف إدارته للوظيفة المكلف لها، وبسبب الحدث تأجل الإعلان عن ذلك.

وجد رئيس البلدية في الحدث فرصة مواتية ليثبت كفاءته وقدرته على حل معضلة مثل تلك التي يواجهها الصبيان داخل الكهف. وبالنسبة للضابط كانت الدعوة لجلب خبراء من الخارج تحديا له ومحفزا لإثبات قدرة رجاله على تنفيذ المهمة، لهذا قرر المضي معهم لإتمام عملية الإنقاذ دون انتظار مساعدة من أحد.

تحت إلحاح الوقت.. قبول المساعدة من الخارج

لم تفلح مساعي لجان الإنقاذ، لتبرز مرة أخرى الفكرة التي وافق عليها المسؤول المحلي بحذر، ليوافق على استقدام غواصين بريطانيين، وهو ما سيجعل من الغواصَين البريطانيين المتطوعين ريكارد سانتون (الممثل فيجو مورتنسن) وجون فولانتين (الممثل كولن فاريل) مركزا لتطور الأحداث وأبطالا له.

كان الأول مقتصدا في التعبير عن مشاعره، أما الثاني فمنفتح ومتفاءل على طول الخط، وكلاهما يتمتع بخبرة طويلة وبشجاعة في مواجهة المواقف الصعبة.

تجهيز طفل قبل تخديره لتطبيق الخطة المجنونة

بوجود الغواصَين البريطانيين على الأرض بدأت عمليات بحث مشتركة بينهما وبين الغواصين المحليين داخل الكهف.

تمضي الأيام من دون العثور على أحد، فالتقنيات المستخدمة تتغير، والخطط أيضا، وخبرة الغواصين البريطانيين تقود بعد مرور أيام على غياب الأولاد ومدربهم إلى معرفة المكان الذي وصلوا إليه داخل الكهف.

أخبار معرفة مكانهم تُشيع فرحا عند أهاليهم وبين سكان المنطقة. وفيما كانت وسائل الإعلام تتسابق لنقل الخبر، كان برود وتحفظ الغواص “ريكارد” واضحا. لم يكن راغبا في الانخراط بالتفاؤل العام، لإدراكه حقيقة أخرى لم يكن يرغب في البوح بها أمام الناس. لكن حذره الشديد وتحفظه نقلا مسار الأحداث إلى نقطة جديدة حل فيها الخوف مكان الفرح.

داخل الكهف.. حقائق صادمة تعقد المسألة

يدرك الغواص أن عملية نقل المحاصرين من داخل الكهف عبر ممراته الضيقة يشكل خطرا على حياتهم، وعلى حياة الغواصين أنفسهم. يعلل ذلك أمام المسؤولين التايلنديين باستحالة تحمل الصبيان السباحة لمسافة تزيد على 4 كليومترات من دون أن يصيبهم الإرهاق أو التعرض لصدمة تؤدي إلى غرقهم.

كان عليه التفكير بحل آخر غير السباحة لإنقاذ أرواح أضحت مهددة بموت وشيك بسبب نقص كميات الأكسجين داخل الكهف وارتفاع منسوب مياهه بسبب هطول الأمطار وتسرب مياهها من أعلى الجبل إلى داخل الكهف، هذا إلى جانب تراجع الحالة الجسمانية للأولاد بفعل الجوع والعطش.

ويزيد التكتم على حقيقة ما يجري خوفا من صدمة الأهالي؛ من قلق الناس، ويدفعهم للسؤال عن مصير أولادهم.

طفل روهينغي ضمن المجموعة.. هواجس المظلوم في زمن الأزمات

يظهر في هذا السياق خوف أم من شعب الروهينغا -المجبر على ترك وطنه “ميانمار” بسبب الهجمة الدموية ضده- على ولدها الأصغر سنا بين المجموعة، وإلحاحها بالسؤال عما إذا كانت فرق الإنقاذ ستعامل ابنها مثل البقية.. سؤال نابع من حيرة الغريب وخوفه المضاعف من تمييز محتمل في زمن الأزمات بشكل خاص.

وفي زمن الأزمات تظهر مبادرات شجاعة، يجسدها دراميا شاب تايلندي خبير بالتعامل مع الكوارث الطبيعية، يقترح على سكان المنطقة تغيير مسار سيول الأمطار المتجهة نحو الكهف إلى جهة اليابسة عبر وسائل بسيطة.

صورة حقيقية للأطفال بعد إنقاذهم من الكهف

كان الإجراء يتطلب سحب المياه وإطلاقها نحو حقول الأرز، وهو ما يعني التضحية بها وغرقها وبالتالي خسارة مُزارعيها لمحصول عملوا من أجله طيلة العام. وفي مشهد دراماتيكي يسأل الشاب المزارعين عن رأيهم، ليأتي الجواب بالموافقة والتضحية بالزرع حفاظا على أرواح بريئة.

تخدير الأطفال.. خطة إنقاذ مجنونة

في المقابل تظهر الحيرة على المسؤولين وعلى ضابط الجيش حين يقترح الغواص البريطاني حلا غريبا أقرب إلى الجنون، يتمثل بنقل الأولاد في عملية معقدة، يأخذ كل غواص خلالها على عاتقه نقل صبي واحد معه بعد تخديره تماما، وسحبه بعد ذلك كشيء جامد غير متحرك عبر الممرات الضيقة تجنبا لاحتمال إصابته أثناء السباحة بنوبة خوف شديدة قد تؤدي إلى غرقه وربما غرق المُنقذ معه.

الدافع للخطة جاء من حقيقة أن موت الأطفال وبعد مرور أكثر من أسبوعين على وجودهم داخل الكهف أصبح أمرا واردا، وبالتالي خوض مغامرة التخدير وإنقاذ ما يمكن إنقاذه منهم هي أفضل من تركهم يموتون من دون تقديم مساعدة.

اللحظة الأولى لاكتشاف وجود الأطفال أحياء

لعب الطبيب المُخِدر المتطوع البريطاني ريتشارد هاريس (يلعب دوره الممثل جويل إدجِرتون) دورا حاسما في الخطة التي يرفض أول الأمر القبول بها، ولكنه مع الوقت يقتنع بفكرة “ريكارد” المجنونة.

وينضم إلى الفريق خبراء غوص موثوق بهم مثل كريس جويل (الممثل توم بيتمان) وجيسون مالينسن (الممثل بول غليسون)، إلى جانب غواصين تايلنديين شاركوا في العملية؛ لتنفيذ الخطة التي جرى التكتم عليها. وتحاط منطقة الكهف بحواجز تمنع اقتراب الناس.

الساعات الأخيرة.. بلوغ التوتر منتهاه

يُوكل المخرج “رون هاورد” مهمة نقل التفاصيل الدقيقة لحالة المحاصرين عبر الممرات الضيقة والمغمورة بالمياه إلى المصور التايلندي البارع ساومبو مكديبروم الذي يقوم بدور مهم في نقل الإحساس المصاحب للتجربة، والمخاوف التي تنتاب المشاركين فيها، وبشكل خاص الطبيب المُخدِّر الذي تولى مهمة تعليم بقية الغواصين كيفية تخدير الصبيان وكيفية التعامل مع أي حالة استيقاظ طارئة قد تتطلب تدخلا سريعا من الغواص للتعامل معها.

 

تنجح التجربة الأولى ويُنقل الصبي المُخدّر إلى مروحية تقله إلى مشفى متخصص. ثم تتوالى عمليات النقل مصحوبة بتوتر يتسرب إلى المُشاهد ويزيده التصاقا بمجريات حدث درامي كل ما فيه يوحي بأنه نفس الحدث الواقعي الذي تناقلته الأخبار.

بعد 18 يوما تكتمل عملية إنقاذ كل المحاصرين. يرحب الناس والسلطات الرسمية بالدور الشجاع الذي لعبه الغواصون المتطوعون، ويتذكرون بحزن موت غواص تايلندي أثناء عمليات البحث.

قصة “13 روحا” دلالتها الإنسانية عميقة، وعلى المستوى الدرامي تعكس حدثا واقعيا قرّبها من الوثائقي كثيرا. وجاء الاشتغال السينمائي البارع والتمثيل الجيد لكل المشاركين فيها ليحيلها إلى منجز فرص حصوله على بعض جوائز أوسكار العام المقبل، ليست قليلة.