عقد السبعينيات.. ثورات العلم والفن والرياضة على الشاشات العربية

حمل عقد السبعينيات في طيّاته تغيرات عميقة، أثّرت في وعي الإنسان العربي، وفي ثقافته وطريقة تفكيره، وذلك على امتداد رقعة الوطن الكبير، من المحيط إلى الخليج. وكان انتشار التلفزيون الملون العاملَ الرئيس في إعادة تشكيل الذهنية العربية، مع عدم إغفال عوامل أخرى، كان لها نصيب كبير في تغيير الواقع العربي، كالرياضة والغناء.

وفي “سلسلة السبعينيات” التي أنتجتها وعرضتها قناة الجزيرة الوثائقية، سوف نخصص هذه الحلقة للحديث عن التلفزيون والغناء والرياضة، وكيف أثّرت هذه العوامل مجتمعة ومنفردة على الواقع العربي، في ذلك العقد الصاخب والمعقد من التاريخ العربي المعاصر.

التلفزيون المصري.. ريادة تشكيل الوعي الديني والثقافي والفني

أحدث التلفزيون المصري ثورة في الثقافة على مستوى الوطن العربي كله، والدليل أن جميع العرب يتقنون أو يفهمون اللهجة المصرية، وكان برنامج “العلم والإيمان” للدكتور مصطفى محمود يجوب الوطن العربي طولا وعرضا، فيربط بين الظواهر العلمية والطبيعية وبين الإيمان بالخالق سبحانه.

وكان برنامج “نور على نور” الذي يستضيف الشيخ الشعراوي، ينتظره المشاهدون العرب لحظة بلحظة، ليستمعوا إلى تفسير الشيخ الشعرواي للقرآن الكريم، وكانت موشحات وابتهالات “الشيخ النقشبندي” التي لحنها له الموسيقار بليغ حمدي، يتردد صداها في أرجاء الوطن الكبير، ويرتبط سماعها بطقس ديني متميز، فإما موعد إفطار، وإما صلاة جمعة، أو ما شابه من الشعائر.

التلفزون المصري ينتج البرنامج الأكثر تميزا “العلم والإيمان” للدكتور مصطفى محمود

وكانت تصل هذه البرامج إلى المشاهد العربي ببساطة ويسر شديدين ودون تكلف. ولا تسل عن أمسيات أم كلثوم كل ليلة أو كل أسبوع، ينتظرها محبّو الطرب على أحر من الجمر.

وقد بدأ عقد السبعينيات الكلثومي بقصيدة “اسأل روحك” التي غنتها أم كلثوم، وكانت بمثابة تراث العام 1970، وقد لحنها محمد الموجي بآلات شرقية بحتة، ولم يستخدم فيها أي أداة موسيقية غربية.

وفي 1973 ظهرت أغنية “رسالة من تحت الماء”، وقد كانت القصيدة معدَّة لتغنيها المطربة نجاة الصغيرة، فسمع بها عبد الحليم، وأعجب باللحن الذي أعده الملحن محمد الموجي، فبدأ اتصالاته مع الشاعر نزار قباني، وكذلك مع الملحن والمطربة نجاة، وتوافق الجميع على أن يغنيها بصوته.

تلفزيون الأردن والكويت.. قصب السبق في الثقافة والفكر والتقنية

كان البث التلفزيوني ما يزال بالأبيض والأسود في بداية السبعينيات، وكانت الأخبار العالمية المصورة تصل على شكل أشرطة، ويبث الخبر في التلفزيونات العربية بأثر رجعي، وذلك قبل الاتصالات الفضائية التي أمكن من خلالها الحصول على الخبر وإعادة تحريره في نفس اليوم.

ففي السبعينيات كان التلفزيون الأردني متقدما في أكثر من مجال على المستوى التقني، فقد كان مديره العام محمد كمال على اتصال جيد مع المؤسسات التقنية في الغرب، وكان يحصل على الجديد من هذه التقنيات قبل كثير من الدول الأخرى.

التلفزيون الأردني أحد التلفزيونات العربية التي كانت متقدمة برامجيا وتقنيا

ازدهرت الأغاني الوطنية بعد حرب أكتوبر/تشرين أول 1973، منها أغنية وردة “على الربابة بغني” من ألحان بليغ حمدي، وأغنية شادية “مصر اليوم في عيد”، وكذلك أغنية “يا حبيبتي يا مصر”.

وفي هذا الوقت ظهر المطرب الشعبي محمد عدوية، والأغاني الشعبية ذات الألحان البسيطة والكلمات المتواضعة، المحكية في شارع البسطاء، مثل “سلامتها أم حسن”، و”السح الدح مبو” و”عمي يا صاحب الجمال”

وفي السبعينيات اكتمل نضوج التلفزيون الكويتي، وكان الوسيلة الوحيدة لنشر الوعي والفكر والأدب، والترفيه والأخبار والمنوعات، والتجارب السياسية وتكوين الآراء وصقل الثقافة بشكل عام، وكانت البرامج الحوارية أداة لتكوين التوجهات، وتغذية للروح والعقل، وقد تأثر الناس بهذا الابتكار الجديد الذي يضع العالم كله بين يديك.

عالم الرياضة.. انتصارات ينقلها التلفزيون إلى البيت العربي

شارك المنتخب المغربي في كأس العالم 1970 الذي أقيم في المكسيك، فكان ممثلا عن العرب وعن القارة الأفريقية، وعلى الرغم من المشاركة المتواضعة، والخروج من دور المجموعات بنقطة واحدة، فإن استقبال الفريق بعد عودته كان مشرفا، واستقبلته المغرب استقبال الأبطال.

كأس الخليج الثالثة لكرة القدم في الكويت عام 1974، وقد نقلت المباريات فيه لأول مرة على التلفزيون الملون

وفي كأس الخليج الثالثة لكرة القدم في الكويت عام 1974، نقلت المباريات لأول مرة على التلفزيون الملون، مع ما رافق ذلك من فعاليات ترفيهية للجماهير التي حضرت من كل دول الخليج لمشاهدة المباريات، وكانت جميع المباريات تبث مباشرة على الهواء، وكانت تلك الدورة بمثابة انطلاق للمنتخب الكويتي الذي يجري إعداده للبطولات العالمية والمونديال.

ثم جاءت الدورة الرابعة في قطر عام 1976، وحضرها زعماء الخليج، وفي تلك الدورة دخلت العراق لأول مرة على البطولة الخليجية، مما أضفى على البطولة منافسة قوية، وجعلها الإعلام والنقل التلفزيوني أكثر تشويقا وحماسة، وكان النهائي فيها مثيرا للغاية بين منتخبي الكويت والعراق، فقد كانا من أفضل الفرق الخليجية والعربية إعدادا وتنظيما آنذاك.

وقد وعد الرئيس العراقي أحمد حسن البكر لاعبيه بمنزل مستقل “فيلا” لكل واحد منهم إذا هم أحرزوا البطولة، وحذا حذوه الشيخ الصباح أمير الكويت ووعد لاعبيه بـ”فيلا” لكل واحد منهم إذا فازوا، وفي النهاية كانت الغلبة للفريق الكويتي 4-2.

محمد عبده من أوائل المطربين الذين ظهروا على التلفزيون العربي الملون

وفي السبعينيات لا بد من وقفة عند مونديال الأرجنتين 1978، والمشاركة العربية فيها ممثلة بالمنتخب التونسي بنسخته الذهبية آنذاك، وكان حضورهم مشرفا، ففازوا وتعادلوا وخسروا، وعادوا إلى أرض تونس بجباه عالية واستقبلوا استقبالا أسطوريا يليق بالأبطال نسور قرطاج.

القاهرة.. عاصمة الطرب وكعبة المغنين العرب

لم يكن في دول الخليج استوديوهات خاصة لتسجيل الأغاني فكان المطربون الخليجيون يتوجهون إلى مصر، حيث مركز الإشعاع الفني، وكان العرب عموما إذا أرادوا الظهور الفني يتوجهون إلى القاهرة، فهي عاصمة النور والفن والطرب، فبالإضافة لوجود الأستوديوهات والتقنيات، فهنالك عمالقة الفن من المطربين والملحنين والكتّاب والموسيقيين.

فبعض المطربين الخليجيين مثل طلال مداح ومحمد عبده، عندما غنوا اللون الخليجي في مصر، حازوا على إعجاب الجمهور المصري الغفير والذواق، بل إن أساطين اللحن والموسيقى قد تأثروا أيضا بالألحان الخليجية، وبدأت تظهر في مقطوعاتٍ لكبار المطربين المصريين.

ثم انتقل هذا الثراء الفني الخليجي إلى بقية الدول العربية عن طريق المهرجانات الدولية، مثل مهرجان دمشق في سوريا ومهرجان جرش في الأردن، وغيرها في البلاد العربية الأخرى.

“زنوبيا.. ملكة تدمر”.. أول عمل فني عربي ملون

تحول التلفزيون الأردني من الأبيض والأسود إلى الملون في عام 1974، وذلك بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، عن طريق عقد دورات مكثفة للمدراء والفنيين الأردنيين في استوديوهات بي بي سي في لندن.

“زنوبيا.. ملكة تدمر”.. أول إنتاج أردني لمسلسل عربي بالألوان

وقد أنتج أول عمل فني بالألوان، وهو مسلسل “زنوبيا.. ملكة تدمر”، من بطولة الفنانة اللبنانية نضال أشقر، وقد أخذت الملابس التي تلائم العمل من فيلم عالمي اسمه “كيليوباترا”، لكن التلفزيون الملون لم يكن منتشرا على نطاق واسع لغلاء ثمنه، فكان الناس يتجمعون في سهرات عائلية عند أحدهم، حتى يتسنى لهم مشاهدة العمل بالألوان.

برامج التلفزيون.. ترسيخ ثقافة الاستهلاك وثورة الفيديوكليب

مع دخول التلفزيون إلى كل بيت تقريبا، كان لا بدّ من ملء فراغ ساعات البث، فجاءت الفوازير، وبرامج المنوعات والخدع التلفزيونية، والدراما الملونة، وكلها عوامل شدّت المشاهد المصري والعربي إلى تلك الشاشة الصغيرة السحرية منذ منتصف السبعينيات.

وكان للتلفزيون الملون دور في إظهار إطلالات المشاهير من الفنانين والفنانات بألوانهم الفاقعة وملابسهم الفاخرة، وهذا شجّع بطريقة مباشرة وغير مباشرة النمط الاستهلاكي المتنامي عند المواطن العربي، بحثا عن آخر صيحات الموضة في الملابس والماكياج والكماليات

كان للتلفزيون الملون دور في إظهار إطلالات المشاهير من الفنانين والفنانات بألوانهم الفاقعة

وكانت بيروت آنذاك باريس العرب، ففيها دور الموضة للرجال والنساء، وكانت مقصد الأثرياء العرب من كل البلدان لتفصيل آخر طرز الثياب والملابس.

“هبت النار والبارود غنى”.. ثورة الفيديوكليب وأغاني سجون الاحتلال

جاءت أغنية “قارئة الفنجان” تكملة لنجاحات “رسالة من تحت الماء” وقد التقى العمالقة الثلاثة نزار قباني وعبد الحليم حافظ ومحمد الموجي مرة أخرى بعد سنوات في قصيدة جديدة هي “قارئة الفنجان”، وصُورت عن طريق الفيديوكليب، وكانت تلك التجربة مبتكرة في الأغاني العربية، ولم يكونوا يعرفون ما هو الفيديوكليب آنذاك، وقد قام بتمثيل المشاهد الممثل المغربي مهدي الوزاني.

أما فرقة أغاني العاشقين الفلسطينية، فهي فكرة صنعتها الأغنية الفلكلورية الفلسطينية قبل أن توجد الفرقة أصلا، وكان أول إبداعاتها إعادة صياغة أغنية “والله لزرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر”، ثم جاءت الأغنية الأكثر شهرة “من سجن عكا طلعت جنازة”، وتلتها أغنية “هبّت النار والبارود غنّى”.

كل أغنية من تلك الأغاني خرجت من رحم المعاناة الفلسطينية، وكل كلمة قالها شاعرها وهو في السجن أو المنفى، فمن محمود درويش إلى سميح القاسم وتوفيق زَيَّاد، وهذا الذي أعطى للأغنية الفلسطينية سر انتشارها وخلودها.

“افتح يا سمسم”.. برامج ترفيهية تصنع ذاكرة الأجيال

ومن ملامح أواخر السبعينيات التي لا تنسى المسلسل الكرتوني الشهير “عدنان ولينا”، وكانت الكويت حينئذ في أوج نشاطها وإبداعها الفني والثقافي والتقني والاجتماعي، وكان فن الدوبلاج في بداياته، وكانت أول إبداعات الكويت في هذا الفن من خلال “عدنان ولينا”.

برامج أطفال من إنتاج أو دوبلاج عربي مشترك 

ثم دُبلجت أعمال شهيرة أخرى مثل “غريندايزر” في لبنان، و”سندباد” في الأردن، أما المسلسل الذي أحدث الضجة الكبرى فكان مسلسل “أبطال الملاعب” بأصوات ثلة من الجيل الذهبي من الفنانين الأردنيين، لكن كل هذه المسلسلات الشهيرة كانت من إنتاج ياباني، فهم رواد صناعة الكلاسيكيات الكرتونية لكثير من الأدب الكلاسيكي الراقي.

ويمكن أن يكون مسلسل الأطفال “افتح يا سمسم” معبرا عن قمة الإبداع التلفزيوني الهادف الذي تشاركت فيه عقول العرب لإنتاج رسالة تربوية راقية للنشء العربي كما كان يراها رواد الفكر والثقافة في ذلك الزمن، وهو ذلك الإبداع والتوجيه الذي نفتقده في أيامنا الحاضرة.

وقد أخذت الكويت على عاتقها نقل الفكرة من استوديوهات نيويورك -حيث تصور النسخة العالمية من المسلسل بالإنجليزية- إلى ستوديوهات الكويت، مع طاقم إنتاج وإخراج متكامل، وبمشاركة مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي.

جنازة أم كلثوم.. اجتماع الأقطار العربية في لحظات الحزن

مثلما جمع التلفزيون المواطنين في لحظات الفرح والمتعة، في بيوتهم وفي المقاهي العامة، فقد جمعهم كذلك في أوقات الحزن، ففي جنازة أم كلثوم عام 1975 غصت شوارع القاهرة بالمشيعين والمودعين، والتفّ الناس حول الشاشات الصغيرة على امتداد الوطن العربي، لمشاهدة هذا الحدث الاستثنائي.

بث مباشر لنقل وقائع جنازة أم كلثوم سيدة الطرب العربي

يومها قال عبد الحليم: “إن أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب معجزات لا تتكرر”. وما هما إلا سنتان، حتى لحق بهما عبد الحليم في آذار/مارس 1977، وكانت تلك صدمة أخرى للشارع المصري والعربي عموما، وشهدها الناس في شوارع القاهرة، وأمام شاشات التلفزيون.

وعلى العموم، فالتلفزيون يعتبر نافذة المجتمع على العالم، وقد كان له تأثير على كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية للشعوب، من الفنون إلى الديكور والأزياء، ومن عادات الشعوب في الطهي والطعام إلى ألوان الفلكلور والموسيقى، ومن التراث إلى الطبيعة والطقس والتاريخ والجغرافيا.