“غزة.. حياة”.. عندما تتوقف نيران المدفعية تزهر أغصان الحياة

إحنا لا نستسلم بفضل الله.. إحنا كشعب فلسطيني، الله زرع فينا هذا الأمر، نحن لا نستسلم أبدا”

يقولها عامر الجعفراوي وهو يحكي قصة بيته الذي هدمته طائرات الاحتلال الإسرائيلي في حربها على غزة في عام 2014، برج سكني من أحد عشر طابقا يؤوي ما يزيد عن 40 أسرة، كلهم في لحظة غاشمة أصبحوا بلا مأوى، وبدلا من الأمان تحت سقف البيت وجدرانه أصبحت السماء غطاء رؤوسهم، وعراء الأرض مأواهم، والأمان لم يدم.

يستعرض فيلم “غزة.. حياة” جانبا من الحياة في غزة بعد مواجهة عنيفة مع الموت، غزة التي دكتها الحرب القريبة في 2014، فتهدم كل شيء وبعدها بني من جديد.

“لتنته الحرب ونعمر البيت من جديد”

يتساءل عامر الجعفراوي لماذا هدم بيته ببرج الظافر؟ لماذا يستهدف الاحتلال بيتا مدنيا لم يشهد أي عمل عسكري، لا بالبيت ولا بالحي السكني؟

هذه حال أهل غزة، ووحشية الحرب لا تبرر الدمار الذي يخلفه العدو على أرض فلسطين، ولا تلتفت للآلاف الذين يقتلون غدرا وهم نائمون على أسرّتهم. إنه زمن الحرب، فالبيت ليس آمنا، وبين عشية وضحاها لا نفتش عن البيت في الخريطة، بل نبحث عن بقاياه بين الركام، ومعه بحث عن الأهل والشعور المفقود بالوطن.

غزة.. هدوء ما قبل الحروب

فلا مفر أمام أهل غزة سوى الصمود والصبر على معاناة يصعب معها أن تصدق أنهم ما زالوا على قيد الحياة، صامدين مهما كان.. يتهدم بيت فيبدأ السطر الجديد من الحكاية: لتنته الحرب ونعمر البيت من جديد.

عمق البحر.. خير عميم يحرم منه سكان غزة

لم ينج البحر أيضا من غشامة المحتل الإسرائيلي، فبحر غزة هو متنفس أهلها الوحيد، لكن إسرائيل لا ترفع يدها عنه، بل إنها تتعمد محاصرته.

فهذا الصياد أحمد أبو حمادة لديه حكاية طويلة مع البحر الذي عاش فيه وعمل به 30 عاما هي عمره كله، فالبحر رزق الصياد، والرزق في بحر غزة قليل، وليست العلّة في البحر، لكنها الإجابة هي ذاتها دائما: الاحتلال.

مراكب راسية في بحر غزة لا يسمح لها الاحتلال بالصيد في عمق البحر

فوفق الاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل والسلطات الفلسطينية، فإن الصيادين في غزة محدد لهم 17 ميلا بحريا على الأكثر، وهي المسافة التي يسمح لهم فيها بالصيد، ولا يجوز أن يتعدوها. ولو أن البحر مفتوح لانطلق الصيادون في عمقه، واتسع الصيد والرزق، وأيضا شعورهم بشيء من الحرية.

وبخبرته في الصيد، يعرف الصياد أحمد أن سمك الشاطئ أقل جودة من السمك في عمق البحر، والمسافة التي يُمنعون فيها من الصيد عامرة بالخير، ويوجد فيها سمك أكبر وأنواع أكثر، وهكذا يتوقف الرزق عند حدود رسمية، ومهنة الصيد التي يلجأ لها الرجال -لقلة العمل في المدينة- يضيق عليهم رزقها أكثر.

فهذا عامر الجعفراوي يجلس أمام بحر غزة، ويتأمل المراكب الراسية على شاطئ البحر، ويقول بنبرة حزينة إن تلك المراكب مكانها عمق البحر لا مرسى الميناء.

أحمد أبو حمادة صياد من غزة يصيد ضمن حدود البحر الذي تسمح به سلطات الاحتلال

لا يستطيع الصيادون أن يخرقوا قانون الاحتلال في توسيع مساحة ملكيتهم لرقعة العمل في البحر، لكن ثمة مساعدات أخرى يذكرها أحمد ساعدته في القدرة على العيش، فلم يكتفِ بالصيد، بل حصل على تدريبات مهنية واستطاع تصليح محركات المراكب، وبدأ العمل على مراكب زملائه من الصيادين.

كان هذا نصيب أحمد، أما الكثير من الصيادين غيره، فقد نالوا نصيبا مختلفا من المساعدات المادية وإعادة تعمير مراكب وبيوت الصيادين وإمدادهم باحتياجاتهم في الصيد.

إعادة الإعمار.. أمل ينبثق من بين الأنقاض

بين ضيق الرزق وفقدان البيت تتبدل الحكايات في الفيلم. ولكن بعد كارثة الحرب، كيف تضمد الجروح؟ يستدعي الجعفراوي مشاعره بعد أن هدم بيته، فقد كانت تجربة مؤلمة، فمع أن جيرانه وأهله كانوا يواسونه، فإنه ما من يد تعوض فقدان البيت وأمان العيش.

عامر الجعفراوي أحد سكان برج الظافر الذي هدمه الاحتلال في حرب غزة 2014

ففي غزة، تتلقى الوكالات والوزارات العون من منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية، لإعادة إعمار خراب الحرب في غزة. فبعد هدم برج الظافر، نفذت جمعية قطر الخيرية بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والإسكان إعادة بناء عدد من الوحدات السكنية التي هدمت ودمرت خلال حرب غزة في 2014.

وتتشابك حكاية برج الظافر مع حكاية حسن محمد الذي فقد بيته أيضا في الحرب. فيتذكر حسن سعادته عندما تلقى الخبر من جمعية قطر، ليكون واحدا من المستفيدين من مشروع ترميم المنازل. فبعد خراب الحرب، استطاع أن يبني بيتا ذا مساحة أكبر من بيته السابق، وكتب على واجهة بيته “هذا من فضل ربي”.

مدرسة ما بعد الحرب.. أحلام الطفولة

ليست حكايات إعادة التعمير حكرا على الكبار فحسب، فحتى الاطفال لهم نصيب من تلك الحياة الجديدة التي عوضوا بها بعد الحرب. فهذه خوخة عبد ربه، فتاة صغيرة تدرس بالصف السابع بمدرسة كامل العهود، تتذكر أيام ما قبل الحرب، واستيقاظها عند الفجر مع أبيها لتستعد للذهاب إلى مدرستها البعيدة عن بيتها، وتتذكر وحشة الطريق ونباح الكلاب التي تصيبها بالرعب.

فهذا طريقها اليومي هي وأختها للمدرسة، وما زالت تذكر تعب ذلك الطريق والإرهاق الذي يحل بها، وفي كل مرة تصل متأخرة فيفوتها الطابور.

مؤسسة قطر الخيرية تعيد بناء وترميم الكثير من بيوت غزة المهدمة إثر حرب 2014

ما قيمة الإنسان.. بلا وطن.. بلا علم.. ودونما عنوان؟!

محمود درويش

مدرسة ما بعد الحرب.. أحلام الطفولة

ليست حكايات إعادة التعمير حكرا على الكبار فحسب، فحتى الاطفال لهم نصيب من تلك الحياة الجديدة التي عوضوا بها بعد الحرب. فهذه خوخة عبد ربه، فتاة صغيرة تدرس بالصف السابع بمدرسة كامل العهود، تتذكر أيام ما قبل الحرب، واستيقاظها عند الفجر مع أبيها لتستعد للذهاب إلى مدرستها البعيدة عن بيتها، وتتذكر وحشة الطريق ونباح الكلاب التي تصيبها بالرعب.

فهذا طريقها اليومي هي وأختها للمدرسة، وما زالت تذكر تعب ذلك الطريق والإرهاق الذي يحل بها، وفي كل مرة تصل متأخرة فيفوتها الطابور.

مدرسة كمال العهود في غزة بعد تجديدها بعيد حرب 2014

ولم تكن ذكريات خوخة عن مدرستها قبل الحرب جيدة بما يكفي، فهي تتذكر تكدس الطالبات وضعف مستوى معلمات المدرسة.

لكن الأمور تغيرت نسبيا بعد انتهاء الحرب، فبعد فترة تجددت مدرسة كامل العهود، وتحكي خوخة عن النظام الدراسي الجديد وقلة عدد الطالبات بالفصل الواحد مما يعينها على الدراسة والفهم، وأن مستوى المعلمات بات أفضل كثيرا، وكأن خوخة تملك ذاكرة جديدة عن حياتها كطالبة بعد أن تعمرت الحياة في غزة من جديد.

الطاقة الشمسية.. هبة من السماء لمدارس غزة

ثمة حكاية جديدة يحكيها المعلم علي محمد لطلابه في مدرسة خليل الرحمن الثانوية، ودرس جديد من دروس الطاقة، حيث يحكي المعلم عن أهمية الطاقة، فبدون الطاقة لا نعمل ولا نستمر في الحياة، وفي سنوات الحرب وما قبلها كانت الكهرباء تنقطع عن غزة عدة ساعات، وكل انقطاع للطاقة هو موت مؤقت للحياة في المدينة، فلا مصانع ولا مدارس ولا أشغال.

المعلم علي محمد يشرح لطلابة درسا عن أهمية الطاقة في حياة الناس

ويكمل المعلم علي محمد درسه بالحديث عن مصادر الطاقة البديلة كالطاقة الشمسية، وهو مصدر الطاقة الذي أصبحت مدرسة خليل الرحمن تعتمد عليها كليا في تشغيل الفصول والمكتبة والمعامل المدرسية وقاعة الحواسيب.

ويشيد المعلم بدور الطاقة الشمسية في تشغيل المدرسة، ويختم كلماته متمنيا أن تعمل الطاقة في كل مدارس قطاع غزة، لأنه لا يتمنى أن تتوقف الحياة في مدينته.

مستشفى شهداء الأقصى الذي أصبح بعد تجديده يستقبل حالات الصدمات والسقطات

ويُختتم الفيلم بالحكاية الأخيرة من داخل مستشفى شهداء الأقصى، حيث الطبيب أحمد خضر شلتوت الذي يستعرض أزمة المستشفى مع غياب الأجهزة الحديثة، مما حال دون قدرتهم على الإسعاف الفوري للحالات الطارئة للمستشفى وتحديدا حالات الإصابات، فثمة جهاز واحد للتصوير الطبقي أنقذ المستشفى بقدومه له، فبات سهلا تلقي خدمة علاجه كاملة بشكل فوري، بوجود الجهاز الذي يسهل من تشخصيه.

لم يكن حلم خوخة أن تتخرج من مدرستها وتنهي تعليمها فقط، بل امتدت جذور حلمها لتكون يوما ما معلمة بالمدرسة ذاتها التي درست فيها بعد أن عمرت من جديد بعد حرب غزة 2014.

الطالبة خوخة في صف الحاسب الآلي في مدرستها الجديدة بغزة

وربما يثيرنا الفضول الآن للبحث عن خوخة وعن مدرستها في أجواء الحرب الحالية على غزة، وهي في ذاتها رغبة دائمة في إبقاء الحلم بالحياة حيا، لأن كل ما يحتاجه أهل غزة أن يتوقف الموت لتبدأ الحياة.

فهل عاشت خوخة ومدرستها بعد حرب غزة 2023؟