“جيوب الأرض”.. قرى فلسطينية صامدة تعيش في مغارات جبلية

على هذا الكوكب، وفي القرن الحادي والعشرين، وفي منطقة فُرض على أهلها مقارعة الظلم والطغيان كأنه نهج حياة، فلسطينيون أجبروا على مبارزة ذئاب الصحراء دفاعا عن حق الآباء والأجداد في أرضهم فسكنوا.. جيوب الأرض.

“مَسافر يطّا” في جنوب مدينة الخليل، وهي تقع على تماس حدود المناطق المحتلة عامي 48 و67، هي مناطق مُستهدفة من قِبل الحكومة الإسرائيلية وجيشها، لإخلائها من سكّانها الفلسطينيين الأصليين، عبر أوامر الهدم بحق كهوفهم وخيامهم تارة، وعبر قطع وسائل الحياة عنهم تارة أخرى.

هجمات المستوطنين.. كابوس يلاحق الإنسان والشجر

المستوطنون الإسرائيليون هم أكبر كوابيس الفلسطينيين في هذه المناطق، وهم رأس حربة محمية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي لتحقيق الهدف بإنجاز رحيل الفلسطينيين.

فكما تلاحظون، ففي هذه القطعة من الأرض، يقطع المستوطنون كل يوم شجرة أو اثنتين، ويعملون على تكسير الأغصان، ويسبحون داخل بئر عائلة ربعي، وإذا كان هناك رعاة غنم فإنهم يطاردونهم ويضربونهم بالحجارة.

مستوطنون بحراسة من الجنود الصهاينة يغيرون على أراض لبدو ومزارعين فلسطينيين

وهناك بعض المتضامنين الأجانب، يعتدي المستوطنون عليهم أثناء تغطيتهم للأحداث.

  • عسكري: قلت لك إذا كنت تريدين الحديث معي، فافعلي ولكن من غير تصوير.
  • ولماذا ترفض التصوير وأنت نائب الحاكم العسكري؟ أين المشكلة؟ ألست مخولا لذلك؟
  • نعم مخول، لكن ليس للمقابلات.
  • إذن فمع من تتحدث؟
  • أتحدث مع الجماعة الموجودين هنا.
  • لا أقصد هل أنت مخوّل للحديث للإعلام؟
  • لا ما زلت غير مخول لذلك.

مؤسسة “دوف”.. منظمة إيطالية تحمي الأطفال من المستوطنين

نحن مؤسسة “دوف” (حمامة) الإيطالية، وهي برعاية قداسة البابا حنا الـ23، ونحن إيطاليون ونعمل في هذه المنطقة منذ العام 2004، وقد حققنا كثيرا من الأهداف خلال السنوات العشر الماضية التي عملنا فيها.

بدايةً، وعلى الرغم من ما يبدو في الكلام من غرابة، فإننا استطعنا توفير مرافقة رسمية للأطفال، على عكس ما كان يحدث في الماضي، حين كان الأطفال والمتطوعون يتعرضون للمضايقات من قبل المستوطنين.

متطوعون من مؤسسة دوف الإيطالية يعملون في فلسطين منذ العام 2004م

وهناك مثال آخر، يعرف معظم الفلسطينيين أنه في جنوب الخليل هناك لجنة تعمل، وأنّ هناك بشرا يعيشون فيها، وأن تلك المنطقة تتعرض لكثير من قرارات الهدم، لذلك فإننا نعمل مع أهالي تلك القرى وأعددنا حملة التعريف بالوضع، والآن هناك كثيرون على علم بما يجري، ونحن ندعم الأهالي بالمظاهرات والاستشارات القانونية.

لكن الآن تغيرت الأمور، فبعد أن كانت خربة اللتواني غير قانونية، أصبحت هناك خريطة هيكلية واضحة، لأن ما يجري هنا هو استراتيجية سياسية واضحة لإلغاء الحياة الطبيعية للمواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون هنا، وهناك طرق مختلفة تتبعها الحكومة الإسرائيلية لشطب تلك القرى، لذلك نحن ندعمهم في خيارهم السلمي للدفاع عن وجودهم.

ضربني وبكى وسبقني واشتكى.. صراع مع جنود الاحتلال

آثر الفلسطينيون العيش في كهوف وخيام، لتثبيت وجودهم في خرب ممتدة في منطقة مسافر يطّا جنوب الخليل، وهي تقدّر بمساحة لا تقل عن ثلاثين ألف دونم، وتقع في منطقة (ج) بحسب اتفاقية أوسلو، أي أنها تقع تحت السيادة الإسرائيلية عسكريا ومدنيا، مثل خربة الحلاوة والمركز وجنبا.

يقول أبو زياد أبو عرام من قرية الحلاوة: هذه هي منطقة الحلاوة، سكن أجدادنا هنا منذ أيام الدولة العثمانية، ونملك “طابو” بالأرض، ومع ذلك يدّعي الجيش الإسرائيلي أنّ هذه المنطقة عسكرية، وأنها صحراء، ولكنها منطقة رزاعية وليست صحراء. نحن مجبرون على العيش في مغارة، ولو سُمِح لنا بالبناء لبنينا، ولكنه غير مسموح. اليهود يمنعون ذلك.

الفلسطيني زياد أبو عرام يعيش وعائلته في مغارة في جبال جنوب الخليل

أما أم زياد فتقول: سكن أجدادنا وآباؤنا هنا في هذه المغارة، لقد حفروها بأيديهم وبفؤوسهم، وسكنوا هنا، وماتوا هنا، وها نحن نسكن هنا، فنحن نزرع خضراوات تكفي ثلاثة أو أربعة أشهر، الطماطم تكفي ثلاثة أشهر أو أربعة ثم تتلف، والكوسا القثاء يبقيان فترة لا بأس بها، وتزورنا بعض المؤسسات، لكن لم يأت أحد من السلطة الفلسطينية مطلقا، فنحن في منطقة (ج) الخاضعة للاحتلال.

وعندما يمرض أحدنا لا نجد سوى عربة الحرث لنقل المريض إلى المستشفى، فنحن بعيدون جدا، وقد مات كثير منّا. وقبل سنوات صادر المستوطنون 300 نعجة لشخص نعرفه، وأخذوها إلى مستوطنة كريات جات داخل حدود 1948، وذبحوها هناك، ولم يعوضونا بشيء، إن حياتنا حقا صعبة.

أم زياد عرام من سكان الكهوف التي حفرها أجدادها في جبال فلسطين قبل ظهور ” إسرائيل” بعقود طويلة

وتتحدث عن معاناتهم الزراعية وغطرسة الجيش تجاههم قائلة: نحن نزرع كل ما تراه أمامك، نزرعه كل سنة ونحصده، وعندما يأتي الجيش هنا للتدريب يبدأ الجنود إطلاق النار على الحُصّاد، ويختلقون المشاكل معهم، ثم يشتكون للإدارة المدنية ضد الحُصّاد، فتقوم بمخالفتهم وسجن بعضهم وتغريم بعضهم الآخر، ثم يطردوننا، لكننا نعود مرة أخرى، لا بديل عن هذه الأرض. انظر بالله عليك، كيف هو شكل التخريب! انظر هناك، خرّبوا الوادي جميعه.

“حتى المرض لن يمنعنا من حماية أرضنا”

يتحدث أبو زياد عن معاناتهم، فيقول: نحن مجبرون على البقاء، لا رزق لنا سوى أغنامنا وهذه البلاد، وإن خرجنا هنا فسنبيع الغنم ويأخذ اليهود الأرض، فاليهود يريدون منّا مغادرة الأرض، من أجل ذلك منَعَنا الجيش من بناء المدارس أو شق الطرق ومدّ المياه والكهرباء، لإجبارنا على مغادرة أرضنا، لكن إن شاء الله لن نعجز وسنبقى ثابتين في أرضنا، فقد سلّمنا أمرنا لله عزّ وجل، ولن نتأثر لغياب طريق أو مدرسة، حتى المرض لن يمنعنا من حماية أرضنا.

فلاحون يعتاشون على الرعي والزراعة تطاردهم الآلة الصهيونية من أجل تهجيرهم عن أراضيهم

تصوروا أن أقرب مركز صحي أو مستشفى لقرية مسافر يطّا يبعد مسافة لا تقل عن 20 كيلومترا، مما يعني قصصا كثيرة من الوجع والألم والموت أيضا، يضطر هؤلاء لمعايشتها.

فعندما رحّلَنا اليهود ومنعونا من البقاء، حملنا أغراضنا وصعدنا إلى الجبال، وكانت زوجتي حاملا في أيامها الأخيرة، ومع ذلك كانت تحمل أغراضا وولدت في الطريق، لم تذهب لطبيب ولا لمستشفى.

الماشية مصدر رزق وحياة الكثيرين ممن يعيشون في الكهوف في قرى مسافر يطا جنوب الخليل

تعلق أم زياد على ذلك: والله كنت أحمل على رأسي، وبيدي الأكل والشرب وحليب الغنم، وأنجبتُ مولودتي على الطريق من هول ما فعله اليهود بنا، فلففتها في بطانية ووضعتها في البيت وغطّيتها ونامت. وكان الله يساعدنا، فالله في عون المسكين والفقير، أليس كذلك؟

مخلفات الجيش.. موت يلاحق الأطفال بين الجبال

بحسب تعريف الجيش الإسرائيلي، تُعد بعض الأراضي الفلسطينية مناطق عسكرية مغلقة خاضعة للتدريب العسكري، من دون أي مراعاة لوجود بشر فيها، بل يترَكون وحدهم للتعامل مع مخلّفات التدريب العسكري من قنابل ورصاص.

مخلفات عسكرية تتسبب بالأذى والموت للسكان، يرفض جيش الاحتلال التخلص منها

يقول أبو زياد أبو عرام من قرية الحلاوة: هذه هي الحدود من قمة ذلك الجبل حتى قمة الجبل الآخر، وهي تفصل ما بين مناطق 48 و67 حسب ادعاء الاحتلال، أمّا بالنسبة لنا فلا توجد حدود. فهنا وقعت الحادثة لابن أخي، حيث مات شخص وأُصيب ثلاثة بسبب مخلّفات الجيش الإسرائيلي، وهي تشبه القنابل التي انفجرت على الأطفال الأربعة. وقد أخبرْنا الجيش عن ذلك عدة مرات لكي يأتوا ويفجرّوها، لكن لم يأتِ أحد منهم، وأخشى أن تنفجر على الأطفال الصغار، فنحن الكبار نعرف خطرها، أمّا هم فلا يعرفون.

بسبب انفجار قنبلة من المخلفات العسكرية، شاب فلسطيني من أبناء القرى يصاب بشظية تركت آثارها المؤذية

وتتحدث وضحة أبو عرام من نفس القرية، فتقول: هل ترى ابني ذاك، كان يجلس هناك، في ذلك الظل، بالقرب من صهريج المياه، فأصابته شظية قنبلة في بطنه وخرجت من ظهره فاندلقت أمعاؤه على الأرض وقال في حينه: “أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا رسول الله”. هل تعرف أجر تلك الشهادة عند الله؟

وبقي مستلقيا على ظهره، ثم نقلناه إلى مستشفى سوروكا الإسرائيلي، وهو والحمد لله ما يزال على قيد الحياة، لقد كان يقضي حاجته من بطنه في كيس مثبّت عليها. وكنّا نتساءل: كيف سيعيش منْ يعاني مثل حالته الصحية هذه؟ وها نحن نعيش من خير هذه الأرض التي ترعى عليها أغنامنا أيضا، أمّا ابني هاني فهو لا يستطيع العمل، ولك أن تسأله أي سؤال، فهو لا يستطيع الإجابة، وكأنه غائب عن الدنيا.

“لن أسلّم مفتاح بيتي لأحد حتى لو مت”

في مقابلة مع أحمد عثمان من قرية جنبا، يقول: يتراوح عدد سكان هذه المنطقة ما بين 1800-2000 نسمة، يعيشون كلهم على تربية المواشي والفلاحة، وتشير تقارير البيطرة في منطقة مسافر يطّا إلى حوالي 28 ألف رأس من الأغنام، وهو عدد كبير، فنحن نتكلم عن 45-48% من المواشي الموجودة في الضفة الغربية تعود إلى منطقة مسافر يطّا. وربّ سائل يسأل عن السبب، ذلك لأنّ الناس هنا هم من مربّي الماشية والأغنام ويعملون في الفلاحة.

أحمد عثمان أحد مواطني قرية جنبا التي يقطنها قرابة 2000 نسمة

أنا أعيش هنا في أرضي ومعي أوراقي الثبوتية، ورثها أبي عن أجدادي وتعود إلى 154 سنة. يا تُرى هل كانت إسرائيل موجودة في فلسطين قبل 154 سنة؟ بينما كان أجدادي موجودين، ومع ذلك فإن الإسرائيليين يقولون لكَ هذه أرض دولة، عن أي دولة يتحدثون؟ هذه المغارة مطوّبة ومسجّلة باسمي في وزارة المالية، وإذا لم تكن باسم أبي فإنها حتما باسم جدي، فهل أنتَ أيها الإسرائيلي أولى مني بها؟

ومهما فعلوا أو هدّموا فلن نغادر هذه المغارة، ولن تحدث هجرة أخرى لنا فنحن في عام 2012، وتكفي الهجرات التي حدثت في 48 و67، ولن تكون هناك هجرة ثالثة أبدا، فهناك أحفاد يحملون مفاتيح بيوت آبائهم وأجدادهم ويطالبون باستعادتها، وأنا لن أسلّم مفتاح بيتي لأحد حتى لو مت، وإنما أسلّمه لابني أو لحفيدي.

قرية المركز.. وكر الأفاعي والعقارب وهجمات الجيش

قرية المركز القريبة من قرية الحلاوة شهدت مثل غيرها من القرى اعتداءات متكررة من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين تمثلت بحرق حصاد حبوبهم أو قتل مواشيهم، ولدرء الأخطار استعجلوا الحصاد هذا العام خوفا من تكرار مصائبهم.

قرية المركز تشهد اعتداءات متكررة من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين

يقول محمد حوشية من قرية المركز: هذه الأرض هي أرضنا وأرض أجدادنا الذين نعرفهم منذ أربعة أو خمسة أجيال، ونحن نعيش عليها مع أغنامنا، وقد حاولوا أن يرّحلوننا عدة مرات ولكنهم فشلوا، فهذه المغارة التي كانت مبنية بالأحجار وفيها أبواب مُقفلة رحّلونا عنها أول مرة، لكننا عدنا إليها ثانية. ففي السبعينيات كنّا نغادر هذا المكان من الشهر السادس ونعود في الشهر العاشر. وحينما غادرنا في يوم عيد الأضحى بالضبط جاؤوا وهددوا سكّان هذه المغارات بالترحيل.

وتقول خديجة حوشية: كان الجنود يتدربون هنا بأعداد كبيرة قبل ثلاثة أيام، حيث تركوا كل المناطق الواسعة وجاؤوا إلى هنا يتدربون فوق الزرع، ومنعونا من جمع محصول القمح، وأمرونا بعدم الاقتراب منهم وخرّبوا كل شيء، فأنا هنا منذ عشرة أيام ولم أتذوق طعام العشاء في أغلب الليالي، والسبب أننا نعيش هنا، وهذه بيوتنا ولكن لا نعرف ماذا نفعل، فليست هناك مؤسسة تساعدنا أو تخصص لنا محاميا يدافع عنّا، لكي نحافظ على هذه الـ36 ألف دونم، كما أنّ كل قرى آل الحميدي معرضة للخطر.

محمد حوشية أحد معمري قرية المركز جنوب الخليل

كما توجد هنا عقارب وأفاعٍ كثيرة، وكل شخص يواجه مصيره المحتوم، والله فقط هو الرؤوف الرحيم. وقبل سنة وجدنا عقربا على رأس أحد الأطفال، ولكن الله لطف به، فنحن لا نستطيع أن نرد أذى العقارب والأفاعي لولا رحمة الله. وما نجده منها نقتله وإلاّ فستهرب وتختفي. فماذا يمكننا أن نفعل؟ نريد أن نعيش ونربي أولادنا وأحفادنا.

فنحن فقراء مغلوبون على أمرنا، ولا نستطيع أن نقاضي الحكومة، وفي بعض المرات يأتي الجيش، ويصادف أن يمرّ بعض العمّال الهاربين، ويختبئون هنا، ونحن لا نستطيع أن نرفض استجارتهم بنا، لكن يتعرّض أولادنا للضرب نتيجة ذلك، وعلينا أن نتحمّل، فماذا نفعل؟

وأما أبو عادل من قرية المركز، فيقول: نحن الفلاحين هنا في جنوب الخليل متآزرون، نتزاور ونشترك بالأفراح ونقدّم المساعدة، ولا نتكبّر على أحد مثل الحضر، وهذه الخصلة موجودة عند الناس الفلاحين.

مغارات في جبال قرى جنوب الخليل بفلسطين تعيش فيها عائلات ممتدة

يقول محمود النجار من قرية المركز: كان الرجال الكبار في السن يحفرون مثل هذه المغارة مع بعضهم، ويُخرجون التراب من الآبار، وقد يستغرق الأمر شهرا أو شهرين. كما يتعاونون في حراثة الأرض وزراعتها وفي أيام الحصاد، فكانوا يحرثون الأرض بالمحاريث التي تجرها الأبقار والجمال، ويساعدون بعض الفلاحين الذين لا يمتلكون وسائل الحراثة.

وكانوا يعدّون الجبنة والحلاوة والخبز وبعض المأكولات على نار الحطب، بينما يحتاج إعداد الطعام في الوقت الحاضر إلى ماء وكهرباء وغاز، كما يحتاج الفلاحون الآن إلى سيارات تذهب وتعود، وليس الأمر كالزمن السابق الذي كانوا يتنقّلون فيه على الجمال.

روابط اجتماعية قوية بين أهالي قرية خربة المركز في حياتهم داخل الكهوف

وإن شاء الله لن ينسونا ولا ينسوا قرية المسافر يطّا ولا يهمِّشوها مثل عيارة ولياطة والكورة، كما أنّ حوالي 30 ألف دونم مهددة كلها من قِبل الجيش. وطلاب مسافر يطّا يسيرون يوميا على الأقدام ما بين كيلومترين إلى 10 كيلومترات، للوصول إلى مدارسهم.

جهاد رشيد.. صمود أستاذ فرّغ نفسه لطلاب القرية

يتحدث الأستاذ جهاد رشيد من مدرسة قرية جنبا، قائلا: نحن هنا في المؤسسة التعليمية للمناطق النائية في مسافر يطّا التي توجد فيها ثلاث مدارس، وهي مدرسة كيكا وجنبا والبخيت التابعة لمدرسة جنبا، وعندنا من الطلاب -كما ترون- من هم على مستوى عالٍ من التحصيل.

ولدينا اتجاهات إيجابية بالنسبة للطلاب الذين يتحدّون الجيش حين يجري التدريبات هنا، وهم يعرفون أيضا الممارسات التي يقوم بها الجيش، سواء معنا أو معهم، ويعرفون الإخطارات التي تُقدّم لبيوتهم وللمدرسة وللمسجد.

مسافات طويلة يقطعها أطفال قرى يطا للوصول إلى مدارسهم

كما أنّ الطلاب مستعدون لأن يتعلّموا حتى لو تهدمت المدرسة، ويمكن أن يدرسوا في البيت أو في المزرعة أو في العراء لكي يكملوا مسيرتهم التعليمية. ونحن نقوم بواجبنا الذي نراه واجبا وطنيا قبل أي شيء مادي أو وظيفي، فأنا على سبيل المثال لدي ماجستير في أساليب التدريس، لكنني أدرِّس هنا وقد أخبرني مدير التربية أنّ بإمكانه أن ينقلني إلى مكان آخر، فقلت له إنني لم آتِ إلى هنا لكي أنتقل، لأن هذا واجب وطني تجاه شعبي وتجاه الطلاب أيضا.

ذريعة التنقيب عن الآثار.. محاولات للتهجير

يقول صابر الهريمي من قرية سوسيا: كان مئات من العائلات يسكنون في قرية سوسيا القديمة، لكن الاحتلال أقدمَ في أيام الحكم العسكري سنة 1986 على تهجير السكّان من هذه المنطقة إلى قرى مجاورة في ريف يطّا.

الأستاذ جهاد رشيد معلم يحمل أمانة التعليم في مدرسة قرية خربة جنبا

فبعد ترحيل السكّان شرعت الإدارة المدنية بالتنقيب عن الآثار في المنطقة، وكانوا يدّعون بأن لديهم كنيسا، وحينما نبشوا الأرض عثروا على بقايا مسجد قديم يعود تاريخه إلى العهد المملوكي، فشيّدوا الكنيس، ووثّقوه ثم أبرزوه للعيان في وسائل الإعلام. وهذا الكنيس موجود أمامكم، ولا تزال أنقاض المسجد موجودة حتى الآن.

وأصحاب أشجار الزيتون التي ترونها أمامكم يقيمون خارج السياج، ولا يستطيعون الوصول إليها لكي يحرثوا أرضها أو يقطفوا ثمارها، إلا بتنسيق أمني إسرائيلي، أو مع الارتباط الفلسطيني.

أما محمد النواجعة فيقول: عندما جئنا أول مرة كان لدينا أرض الـ48 في تل عراق، المكان الذي ولدتني أمي فيه في النكبة الأولى، ثم جئنا إلى قرية سوسيا وهي أرض مشاع، وسكنّا فيها، لكنهم أخرجونا منها في الـ85، بحجة وجود الآثار فسكّنوا فيها مستوطنين.

مسجد من العهد المملوكي ادعى المحتل أنه آثار يهودية فأقاموا كنيسا لهم على أنقاضه

س موجود أمامكم، ولا تزال أنقاض المسجد موجودة حتى الآن. وأصحاب أشجار الزيتون التي ترونها أمامكم يقيمون خارج السياج ولا يستطيعون الوصول إليها لكي يحرثوا أرضها أو يقطفوا ثمارها إلا بتنسيق أمني إسرائيلي أو مع الارتباط الفلسطيني.

أما محمد النواجعة فيقول: عندما جئنا أول مرة كان لدينا أرض الـ48 في تل عراق، المكان الذي ولدتني أمي فيه في النكبة الأولى. ثم جئنا إلى قرية سوسيا وهي أرض مشاع وسكنّا فيها لكنهم أخرجونا منها في الـ85 بحجة وجود الآثار فسكّنوا فيها مستوطنين.

جاء كل واحد منّا إلى أرضه الخاصة به، أرض ليس فيها مأوى ولا ماء. فماذا نفعل نحن الفلاحين الذين يعيشون على تربية المواشي والزراعة؟ وبعد أن أخرجونا من سوسيا جئنا إلى هنا لكي نحفر مغارات ونسكن فيها نحن ومواشينا.

محمد النواجعة أحد كبار قرية خربة سوسيا

في الـ85، بحجة وجود الآثار فسكّنوا فيها مستوطنين. جاء كل واحد منّا إلى أرضه، أرض ليس فيها مأوى ولا ماء، فماذا نفعل نحن الفلاحين الذين نعيش على تربية المواشي والزراعة؟ وبعد أن أخرجونا من سوسيا جئنا إلى هنا لكي نحفر مغارات ونسكن فيها نحن ومواشينا.

وفي سنة الـ90 بدأ التنظيم يلاحقنا لأنه يريد الرخص، فلكي تحفر مغارة أو بئر ماء، ستحتاج إلى رخصة، لذا بدؤوا بتهديم البيوت منذ سنة 90، بحجة أنها غير مرخّصة، مع أنّ لدينا أوراق طابو في الأرض.

وحينما عملنا مخططات وقدّمنا طلباتنا للحصول على الرخص رفضوا الموافقة عليها. وفي سنة 2001 صدر أمر بالهدم الأمني، ولم يسمحوا لنا بأن نُخرج أي شيء من منازلنا، حتى المواد التموينية، ورحّلونا من هذه المنطقة، ولكننا استطعنا الحصول على أمر احترازي في تلك السنة، فعدنا ثانية.

اعتداءات جنود الاحتلال على فلسطينيين في أراضيهم لمحاولة طردهم منها

كنتُ وحدي في أول الأمر، لكن الآن لدي أولاد، وكل ولد لديه خمسة أو عشرة أنفار، فأصبحنا ست عائلات، وهذه العائلات تحتاج إلى خيام يسكنون فيها لأنّ البناء ممنوع، وفي النهاية أخرجونا بحجة أنّ البناء غير مرخّص، والغريب أننا أصبحنا بؤرا استيطانية فلسطينية غير قانونية، ثم أرسلت لنا حكومة المستوطنين العنصرية إخطارات بالإخلاء، وجاؤوا ليهدموا المنازل، لكننا لن نتحرّك منها، وسنظل صامدين فيها حتى الموت.

تصوير الأحداث.. أدلة تدعم كلمة الفلسطيني في المحكمة

يقول نصر النواجعة من مؤسسة “بتسليم”: لدينا حوالي 30 متطوعا كلهم من أهل المنطقة، ندرِّبهم على القواعد الأساسية للتصوير، فإذا حدث أي حادث أو وقع اعتداء على أحدهم، ومعظمهم من رعاة الأغنام الذين يسرحون بجانب المستوطنة، فعليه أن يوثِّق هذا الاعتداء، لأنهم لا يصدّقون كلمة الفلسطيني في هذه المنطقة، فيجب عليه أن يوثق بالفيديو أو التصوير، ويعرض هذه الوثيقة على القاضي الإسرائيلي، ويخبره بأن مستوطنا اعتدى عليه، وهذه الوثيقة تجبرهم على الاشتغال بالقضية والنظر إليها نظرة جدية.

نصر النواجعة متطوع في مؤسسة “بتسليم” لتوثيق اعتداءات المستوطنين

فقد كنتُ يوما أصوّر في “ماتسفي إير” مع عائلة جبارين وأوثّق الأحداث، لأنها كانت قريبة من المستوطنة التي تقع فيها اعتداءات مستمرة، وكانوا يمنعون الفلاحين من الزراعة أو الحصاد، وبينما كنت أوثّق نزل مستوطن اسمه “موشي بن أبّو”، واعتدى عليّ، فأخذ الكاميرا وكسرها، ثم ضربني على يدي والجيش حاضر، وهو يتكلّم بالعبرية ويقول إذا استمررت بتصويري سأقتلك. ثم أخذ بطاقة الذاكرة والبطارية على مرأى الجيش.

نحن نوثّق جميع الأشياء في جنوب الخليل، سواء من قِبل المستوطنين أو الجيش أو الشرطة الإسرائيلية، ونستعمل هذه المواد وثائق في المحكمة، فهذه الأرض التي زرعناها هي أرضنا، ونحن نصور ونوثّق كل شيء من البداية إلى النهاية، ونستعملها في المحاكم.

فلسطينيون صامدون فوق أراضيهم ولن يغادروها رغم أنهم يعيشون داخل الكهوف

لم تحدث الهجرة في 2012، في الألفية الثالثة، في هذه المناطق الفلسطيني دائما كلمته غير مُصدّقة، ويدعي المستوطنون أننا بؤر استيطانية فلسطينية غير قانونية، ونحن مجبرون أن نعيش في المغارة، ولو سمحوا لنا أن نبني لبنينا. ونحن فقراء مغلوبون على أمرنا، وليس بمقدورنا أن نقاضي الحكومة. فهل نستطيع أن نمنع اليهود؟ كلا.

وما زالت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُصعّد إجراءاتها ضد السكّان في منطقة مسافر يطّا بمحافظة الخليل، في استمرار لتوالي قرارات الهدم والتهديد بترحيلهم من مناطق سكناهم لتحويلها إلى مناطق عسكرية إسرائيلية مغلقة. وذلك تنفيذا لقرار اتخذه وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي “أيهود باراك” بإزالة تلك القرى عن بكرة أبيها.