من عبدول إلى ليلى.. أغنيات فتاة تبحث عن أصولها العراقية

أينما وجّهت رأسك ستسقط عليك الأخبار القادمة من غزة فلسطين، صاعقة ومأسآة يصعب تجاهلها تماما، بينما يقف العالم في موقف لا يُحسد عليه؛ سواء المعسكر الأمريكي الغربي الذي بدا متساهلا مع أعمال العصابات التي يتعمدها الاحتلال هناك، أو العرب الذين بات أغلبهم يكتفي بالإعراب عن قلقه من بعيد، في وقت يسقط فيه آلاف الشهداء الذين يُبيدهم الاحتلال حتى كتابة تلك السطور على مرأى ومسمع من الجميع دون رد فعل يكون على القدر ذاته من جنون الحدث.

هذه المأسآة المشتركة العامة بالرغم من أن متابعتها لم يعد رفاهية، فإن تصوّر أنها نهاية العالم بسبب وطأتها الشديدة على النفس جزء من سذاجة نسبية، لأنها في سنوات قليلة فقط تكررت في العالم العربي تحديدا مرات ومرّات حتى لو لم يعاصرها بعض الأجيال الجديدة.

العراق.. ضحية أمريكا

إلى جانب مأساة فلسطين الأطول والأقسى، كانت هناك سوريا والسودان واليمن وليبيا ولبنان، وإلى جانبهم جميعا كانت العراق، مندفق أنوار الحضارة العربية، درة البلاد في عهدٍ سالف، مخزن الخير الكبير المليء بالأبواب التي على رأسها باب البصرة التاريخي، المدينة القديمة التي دمرتها أمريكا، وقضت على كل مساحة أمل فيها، وشرّدت آلاف العائلات بسبب أوهامها وحماقتها، والتي يمكننا أن نتوغّل أكثر في تاريخها من خلال الفيلم الأحدث للمخرجة والكاتبة ليلى البياتي “من عبدول إلى ليلى”.

بوستر الفيلم

ربما كان المشترك الوحيد بين مآسي تلك الدول التي من بينها العراق موضع حديثنا التفصيلي هي أمريكا؛ أحيانا تطل برأسها كبطل مشارك من بعيد، وتساعد على دعم الخراب مثلما يحدث في فلسطين ومن قبله اليمن وليبيا وغيرهم، وأحيانا كما هو الحال في العراق تدخل مباشرة لتمارس همجية لا يُحاسبها العالم عليها نتيجة قوتها المفرطة والتشرذم العربي غير الرادع لأي شيء.

عبدول العراقي، سياسي مخضرم

وتبدو العراق الشاهد الأكبر على أمريكا كشيطان مدمر، وربما يكشف تاريخ العراق الذي يظهر في تلك النقاشات الفنية المثمرة كيف تُمرّر تلك الوحشية دون عقاب؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتسبب في دمار وخراب لملايين على مدار سنوات طويلة وقاسية؟ تحديدا على أصحابها الذين ينساهم العالم بعد خروجهم من الأخبار العاجلة ودخول مأسآة أخرى على الخريطة تغطي على المأسآة القديمة لينشغل بها الناس، وهكذا يُعاد الأمر في كل مرة.

المتسبب في المآسي

إذن ما يمكن أن نطرحه من خلال فيلم “من عبدول إلى ليلى” هو إعادة تفكيك التاريخ لمعرفة ذاتنا أكثر خشية أن ينسى الجيل الجديد تلك الأشياء القديمة التي تتماثل في همجيتها مع ما يتابعه اليوم من أخبار، كما يمكن اعتباره طرح سؤال فلسفي في نظرة أكثر عملية لجدوى الاعتماد على من تسبب في ذلك بشكل مباشر على رؤيته، في الوقت الذي تتباكى يوميا وسائل الإعلام العالمية على أشياء لا يمكن حتى مقارنة بساطتها أو تفاهتها بقتل هؤلاء الآلاف.

الدبابة والحرب، رسمة تتذكر بها البطلة بلدها المدمر العراق

“من عبدول إلى ليلى” وثيقة جديدة يمكن أن نتذكر منها المأسآة وأصحابها ومن تسبب فيها، وما يمكن أن نعيد إسقاطه على فلسطين الآن أو أي دولة أخرى نخشى أن تطأها يد الشيطان لتدميرها سواء علنيا بسبب التورط المباشر أو بأيد خفية تتلاعب لاستمرار الاقتتال.

إحدى الرسومات التي صنعتها الفنانة في محاولات تذكر الماضي

الفيلم الوثائقي الطويل “من عبدول إلى ليلى” هو من إخراج وكتابة ليلى البياتي، وإنتاج ميشال بالاغيه، وكان قد فاز بمنحة إنتاج من مؤسسة آفاق، وتم تطويره على مدار سنوات للوصول إلى شكله النهائي الحالي الذي جعله إحدى خيارات الأفلام التسجيلية التي سيعرضها مهرجان الجونة السينمائي في دورته الجديدة.

سيرة ذاتية أخرى عن هوية فتاة مضطربة

في كل أفلامها التي تبدو أحيانا توثيق غنائي بصري طويل أو قصير تلعب المخرجة والمغنية العراقية الفرنسية ليلى دور البطولة؛ بدأت رحلتها بإخراج فيلم قصير تحت عنوان (فو)، عُرض في مهرجان برلين السينمائي عام 2009، نال تنويها خاصا، ليعرض بعد ذلك في أكثر من 20 مهرجانا حول العالم، ثم قدمت فيلمها الروائي الطويل الأول “برقية برلين” (2012)، والذي قدمت من خلاله ألبوم موسيقي مستوحى من أحداث الفيلم أيضا.

حيرى، تقف ليلى في أحد شوارع بغداد

كما ظهرت في الفيلم البطلة التي تصاحب أختها، تبحث خلاله ليس عن ذاتها فقط كمنطقة وجودية فلسفية معقدة لكن أيضا تبحث عن هويتها المكانية واللغوية الضائعة، وما يبدو بشكل مباشر وغير مباشر متأثرا بالخراب الكبير الذي حدث في العراق بعد دخول الأمريكان العنيف العدمي.

لذلك ففي آخر أفلامها ومن خلال علاقة الابنة بأبيها، يأخذ فيلم “من عبدول الى ليلى” المشاهد إلى عالم حميم يقع بين معاناة النفي من العراق وبين غنى التراث الثقافي، على خلفية الصدمة العراقية، تتمكن المخرجة من تحويل هذه التجربة عبر إعادة استكشاف جذورها وتعلّم وتناقل اللغة والأغاني والموسيقى.

لقاء بين الفتاة وأبيها.. مفتاح اللغة

تتحرك المخرجة ليلى التي تلعب بنفسها دور البطولة في أغلب أعمالها من منطقة ذاتية تماما، تربط بين الخيط الوثائقي والخيط الروائي الذي يحاول ضبط إيقاع خيالها وذكرياتها التي تعتمد عليها بشكلٍ كبير، فثمة شيء تأسيسي في مشروعها السينمائي الغنائي في آن يبدو قادما من عالم بعيد أو يبحث عنه بشكلٍ أو بآخر. الذاكرة تبدو الأساس في كل ذلك.

بطلة الفيلم والمخرجة ليلى البياتي أثناء تسجيل إحدى أغنيات الفيلم

وتدور أحداث الفيلم حول ليلي التي تكتب كلمات أغانيها وتمضي من مدينة إلى أخرى حتى تصل إلى القاهرة، وتروي لنا هواجسها، والكاميرا تلازمها، والموسيقى أيضا، تبدأ المشاهد الأولى في الفيلم بوقوف ليلى وهي تغني مع فرقة موسيقية، نراها وهي تبكي، نتعرف وقتها على مدى عمق الجرح، الذي لا يشفى إلا بالموسيقى.

كانت فكرة الفيلم أساسا قد تكوّنت من لحظة اصطدام إحدى السيارات بالمخرجة/البطلة، بما يتسبب في فقدانها ذاكرتها. فيما بعد تتواصل الشابة الفرنسية من أصول عراقية مع عائلتها حتى تعرف من هي فعلا بعد أن تُقرر تصوير تلك الرحلة التي تستعيد هويتها، وفي أثناء ذلك داخل منزل الأسرة في جنوب فرنسا، تواجه ليلى والدها عبد الله أو عبدول بماضيه أو تحديدا ما يرتبط منه بحرب العراق، وتقرر أن تتعلم اللغة العربية، لكي تتمكن من وضع كلمات قصائده في أغنيات تؤلف موسيقاها بنفسها وتحكي من خلالها الفيلم وتذهب من خلاله إلى العراق لتعرف تاريخها أكثر.

حنينا إلى العراق، ترسم ليلى خريطة بلدها الذي ستزوره يوما ما

وتبدو العراق هنا محور حركة الفيلم، بالرغم من أنه يعتمد بصريا على أكثر من دولة، فهو يدور في فلك التنقل بين فرنسا وألمانيا ومصر، وطبعا معهم العراق، لكن الشتات العراقي هو مركز الاضطراب الأسري الذي يحدث بشكل مباشر على حياة الأب والأم والأولاد، ويجعل هناك قصة مختلفة للمخرجة، فهؤلاء ومثلهم الملايين الذي شردتهم الحرب الأمريكية على العراق، وسعت إلى قتلهم دون هوادة، ولا يظهر الفيلم ذلك بشكلٍ مباشر بينما يظهر أثرها الإجرامي على من عاشوا، ويترك سؤالا أكبر على المأساة لمن ماتوا أيضا.

وبعد أن كشفت بعض التجارب أن عددا من الحيوانات تمكنت من إيجاد طرق هروب من المتاهات، ظهرت بعض التساؤلات التي تفتح نقاش واسع عن الأمر العجيب، يبحث حول ما يمكن أن يسجله الحمض النووي أو الذكرى التي تُنقل للأبناء، كان إحداها تحت عنوان: هل نولد بذكريات أسلافنا؟ يقول بعض العلماء أن إجابة سؤال كهذا يمكن أن يساعد في تفسير بعض المخاوف والقلق، والعديد من المشاعر البشرية عموما.

من عبدول إلى ليلى.. هل يبدو عنوانا مضللا؟

يمكن من النقطة السابقة التي تخص الذاكرة تحديدا أن ننتقل رويدا عن السياق والخطاب الذي تناولت به المخرجة فيلمها المثير بتحليل بعض الاختيارات والمشاهد التي تعبّر عن نظرة مختلفة للملهاة العراقية، فهذه الرؤية قادمة من عين فتاة غربية بالكامل، بينما تظل شعوريا محبوسة في تكوينها العربي الذي لا تعلم الكثير عنه بينما تحبه أكثر من أي شيء آخر.

ليلى تحاول تهجئة كلمة “فُلانة”

وفي أول مشاهد الفيلم، تتساءل المخرجة عن طريق إحدى الأغاني، ما هو الصحيح وما هو الخاطئ؟ لقد جئت لهذه المدينة بالصدفة، ولا أعرف ما هو الصحيح وما هو الخاطئ. ثم تبدأ في تذكر قصتها الطويلة على خلفية بصرية مشتتة بين الرسوم المتحركة وحركة الكاميرا غير المستقرة أحيانا لتوير خيالات أو ربما القبض على بعض المشاعر المضطربة التي تحاول المخرجة التعبير عنها في كل حركة.

حتى طريقة كتابة الأسماء في التتر الذي اختارت أن تكتب من خلاله أسماء فريق العمل، فقد كان هجينا صعب التهجي، تماما مثل نطق البطلة نفسه للغة للعربية، فكل شيء يعبر عن الشتات بينما تسعى هي بفيلمها إلى جمعه مرة أخرى، لأنه كما يبدو لها أن “كل شيء يبدو ضبابي” وغير مرئي، ويحتاج ذلك إلى رغبة أكثر في معرفة تلك الهوية الأصيلة الأكثر قدما وصعوبة.

عبدول الشاعر الذي ترجمت ابنته ليلى كلماته أغاني

تلك المحاولات جعلت الأب عبدول الذي كان قد توقف تماما عن كتابة الشعر منذ حوالي خمسين عاما للتفرغ للشأن السياسي والحياة، يعود للكتابة والشعر مرة أخرى. ففي أحد المشاهد، يحاول عبدول تهجئة مطلع أغنية مطلعها “فُلانة” أي شخصٌ ما، فيقفا معا لمحاولة تعبير فتاة أجنبية اللغة تماما تحاول أن تتعلم الغناء العربي السليم. وربما كان الجميع في أسى لبعدها كل تلك السنوات، ويضحك الجميع أثناء محاولة تهجئتها الكلمة لتصحيح الطريقة التي قالتها بها، بينما تتثبت الكاميرا للحظات على مشاعر الأسى التي تجلس فيها الفتاة فقط، لأنها لا يمكنها تهجئة كلمة في لغة تمثّل نصف تكوينها الشخصي.

محاولة للهروب

هذا الفيلم الهادئ المليء بالسلام والغناء ومحاولات التعامل مع اللغة العربية، لا يبدو سوى فيلم سياسي عميق عن الوضع العراقي الحالي في عيون عائلة أبعدها الشتات وتحكمت فيها الغربة أكثر مما يبدو. وهي المسؤولية السياسية التي تنصل منها كل من تسبب فيها، ليصل بنا إلى فتاة نصفها عربي ظاهريا بينما لا تعرف شيئا عن حياتها العربية فعلا. بل يبدو أن معرفتها للغة ستتطلب الجهد المضني كي تنغرس فعلا في ماضيها الحقيقي، وليس بسبب الحادث الأليم الشخصي، بل بسبب الحادث الأكثر ألما، الذي دمرت فيه أميركا بلد والدها كما سعت في تدمير الكثير من الدول العربية الأخرى.

عبدول الوالد مع زوجته الفرنسية

يقص عبدول الأب لابنته أشياء يقول إنها أسرار لم يستطع إخبارها بها من قبل؛ فعندما اعتقلت السلطات زملاءه نتيجة ثورتهم وكادوا أن يعتقلوه، فكر بالهرب، بل إنه قرر في إحدى المرات أن يشتري بعض المتفجرات بسبب ما لاقاه من مآس معهم.

ولهذا الحد وأكثر كانت الأمور تصل في العراق التي دمرتها حكومات قررت أنها تتجاوز رغبة أبناءها الشباب في بنائها، وسريعا ما يقرر الرجل الهرب خشية القتل مثل زملائه.

بين النصف العربي والأجنبي

في أغلب مشاهد الفيلم، كانت ليلى تستمع إلى والدها وإلى الشارع بل حتى إلى أغنياتها -التي كتبتها معه- بعين زجاجية تسعى لفهم السبب في كل ذلك، لكنها في ذات الوقت لا تحمّل أحد المسؤولية بشكل مباشر، فهي تفهم جيدا مدى ما وصلت إليه من تشتت في هوية تحاول أن تستجمعها.

وفي رحلتها تمر المخرجة على عدد من العرب المقيمين في دول غربية مثل ألمانيا وفرنسا، عرب آخرين تمر عليهم سريعا، أيضا هجّرتهم الحرب المأساوية في سوريا وليبيا وغيرها، ويمكن تخيل المصير ذاته من الأمر كذلك.

ليلى ترسم لوالدها وللعراق

ففي أحد المرات تستمع ليلى إلى حكاية معتقل اضطر إلى ترك بلاده بعد التعذيب الشديد الذي لاقاه، وتستمع المخرجة إلى قصته بتأثر وبكاء بينما يخبرها جيدا أنه “لم يعد يتأثر بالموت، الذي أصبح ملازما لقصصه وتكوينه من كل تلك الحروب”، فتبكي ليلى ذاتها.

وتقف البطلة دائما في منطقة برزخية تتعاطف فيها مع نصفها العربي المليء بالشتات والحرب والاقتتال، بينما لا يمكنها تحميل المسؤولية على المتسبب في كل ذلك الذي يبدو واضحا أنه الإنسان الأبيض الذي ينتمي إليه نصفها الثاني، وتظهر ليلى في كثير من الأحيان مخلّصة يتم صلبها لتتجرع كل تلك المشاعر المتضاربة دون أن يتحملها أحدٌ آخر معها حتى عبدول الذي تدّعي أن كل تلك الرسائل منه.

فيلم من عبدول إلى ليلى، هو أغنيات فتاة تبحث عن أصولها العراقية، وهي حكاية شتات أخرى عن العراق، ثم عن العالم العربي في عالم ما بعد الحداثة، نتيجة دمار تسببت به أمريكا ومعها الكثير من حكومات الإنسان الأبيض الذي لم يدنها أحد حتى. هي حكاية أغنيات ترددها فتاة تبحث عن أصولها ولغتها وكيانها وتخبرنا كل شيء سياسي دون أن تقصد ذلك.