رمضان في غيانا.. أقلية مسلمة تحتفي بالشهر الكريم في القارة اللاتينية

مسلمون في دولة غيانا يتناولون طعام الإفطار في رمضان

تقع دولة غيانا في شمال شرق القارة اللاتينية أمريكا الجنوبية، وهي البلد الوحيد الذي يتكلم الإنجليزية في القارة، وتعتبر امتدادا ثقافيا لدول منطقة الكاريبي، وتوصف بأنها بلد الماء الوفير، وتكاد تكون محاطة بالماء من كل الجهات، لمرور نهر الأمازون حول حدودها الجنوبية الغربية، وإطلالها على المحيط الأطلسي من الجهة الشرقية الشمالية.

ضمن سلسلة “رمضان ومدينة” التي تعرضها الجزيرة الوثائقية خلال شهر رمضان المبارك، أفردت حلقة خاصة تتحدث عن الشهر الكريم في هذه البلاد النائية ذات الأقلية المؤثرة من المسلمين، وتعرض طقوسهم ونشاطاتهم، وتفاعلهم مع المجتمع الكبير الذي لا تدين غالبيته بالإسلام. وعرضت هذه الحلقة تحت عنوان: “رمضان في غيانا”.

شهر رمضان.. موسم الخير والبركة والأعمال الجماعية

يقول معين الحق، المدير التعليمي في المنظمة الإسلامية في غيانا: كانت البلاد محتلة من قبل البريطانيين والهولنديين، وقد استقلت في عام 1966، وهي تملك العدد الأكبر من المساجد في النصف الغربي للكرة الأرضية، مع أخذ مساحتها وعدد سكانها بعين الاعتبار، ففيها أكثر من 150 مسجدا على 83 ألف ميل مربع، والمسلمون يشكلون 12% فقط من عدد السكان، وشعبها كريم، وخصوصا في المناطق الريفية.

طعام الإفطار في رمضان نشاط جماعي في دولة غيانا في أمريكا اللاتينية

أما مؤمن علي -وهو إمام مسجد- فيقول: رمضان شهر جميل أحبه كثيرا، فحين يأتي يجلب معه الخير والبركة عليّ وعلى عائلتي، فبعد صلاة الفجر في المسجد أذهب إلى السوق لشراء الخضار والفواكه واللحوم للإفطار الجماعي في المسجد.

ويقول الجزّار رمضان: أنا أعمل جزّارا منذ 26 عاما، وأبيع اللحم الحلال، وقد ولدت في هذا الشهر الكريم.

“أنا الآن سعيدة جدا بإسلامي، أحببت فيه سهولته ويسره”

أنشئ أول مسجد في البلاد عام 1860، بناه العمال المسلمون القادمون من الهند، وقبل ذلك أثناء فترة العبودية جُلب المسلمون من أفريقيا، ولم يكن بإمكانهم إقامة شعائرهم الدينية، فقد منعهم مالكوهم من إقامة الشعائر الإسلامية في العلن، بل أُجبِروا على اعتناق المسيحية وتغيير أسمائهم، أما المسلمون الهنود فكان وضعهم مغايرا، وسمح لهم بإنشاء المسجد.

المنظمة الإسلامية في غيانا توزع المعونات في شهر رمضان على المسلمين

يقول نصر الدين: أعمل في زراعة القصب منذ 29 عاما، وعلينا تقليم السيقان أولا، ثم تقطيعها قبل نقلها، إنه عمل شاقّ للغاية وخصوصا في رمضان، إذ يعاني العمّال من العطش الشديد. وفي المساء نذهب إلى المسجد لتناول طعام الإفطار من التمور والفواكه والعصائر والفتَّة، فهم يطهون الطعام في المسجد أو في منازلهم ويحضرونه للمسجد.

وتقول زوجته: قبل الزواج لم أكن مسلمة، وقد أسلمت لإتمام معاملة الزواج، وأنا الآن سعيدة جدا بإسلامي، أحببت فيه سهولته ويسره. وتقول والدة نصر: نشأت في بيت مسلم، فوالدي كان إماما، وأحب اجتماع العائلة في رمضان، وأذهب للمسجد لأداء الصلاة ثم أعود لتحضير الطعام، وقد يسّر الله الصيام على المسلمين، فليس فيه تلك المشقة.

تحرير العبيد.. احتفال بإقامة الجمعة تحت الاحتلال

في 1838 حُرّر العبيد، وتقول الوثائق إن عددا منهم احتفلوا بالتحرر بإقامة صلاة الجمعة، وبعد تحريرهم اتجهت أنظار البريطانيين نحو الهند لجلب العمالة الرخيصة، لزراعة أرض غيانا الخصبة بقصب السكر، وكان معظمهم من الهندوس ونسبة 17-20% من المسلمين، وكان مسموحا لهم بإقامة شعائرهم والتجمع بحرية.

تحرير العبيد في دولة غيانا سمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية وبناء المساجد

وفي الستينيات غادر كثير من المسلمين غيانا لدراسة الإسلام في بلدان العالم الإسلامي، مثل باكستان والهند والجزيرة العربية ومصر، ولذا أقبل المسلمون على دينهم أكثر وازداد ارتيادهم للمساجد والمحافظة على صلاة الجماعة، وزاد بناء المساجد وإقبال الناس على تعلم اللغة العربية.

يقول ناصر، وهو إمام مسجد من أصول مصرية: تخرجت من الأزهر في 2006، وقدمت إلى العاصمة جورج تاون في 2017، وأقوم بالدعوة إلى الله وتعليم القرآن واللغة العربية، وقد فوجئت بكل شيء عندما قدمت إلى هنا؛ من حيث اللغة والعادات وفرق التوقيت، وحتى الإقبال على الإسلام وتعلم القرآن والعربية، فالناس هنا مسالمون ويحبون الإسلام، وحتى من غير المسلمين، بل إن بعض غير المسلمات يرتدين الحجاب.

رئيس الدولة.. ابن الأقلية المسلمة يصل إلى سدة الحكم

غيانا بلد غني بالتنوع والاختلاف، والمسلمون هم الأقل بين الطوائف الرئيسية الثلاث، ورغم هذا فقد انتخب الشعب رئيسا مسلما. ففي الكثير من المساجد والتجمعات العامة تستشعر روح الوحدة والترابط بين أفراد المجتمع.

“محمد عرفان علي” أول رئيس مسلم لدولة في أمريكا اللاتينية

وتحدّث إلينا أيضا رئيس الدولة محمد عِرفان علي قائلا: ولدت في أسرة مسلمة عادية في غيانا، وساهمت أسرتي بشكل كبير في الخدمة العامة، وأثناء طفولتي كنا نلعب في مجمع مسجد ليونورا، وكنت أتشوق لشهود رمضان، ليس للتراويح فحسب، بل لتلك الأجواء الاجتماعية، حيث كانوا يجتمعون للإفطار كأسرة واحدة كبيرة، فالصغار والكبار يتشاركون أطعمتهم ويأكون من نفس الطبق، ويصلون سويا.

إفطار المساجد.. فرصة للقاء والألفة في الشهر الفضيل

يلتقي الفيلم طباخا في أحد المساجد، ويتحدث قائلا: أطبخ كل يوم من أجل جميع الناس الذين يأتون للإفطار هنا، حيث يأكل هنا الصائمون وغير الصائمين، الرجال والأطفال والنساء، بواقع 200 شخص -على الأقل- يوميا. وقد كنت اعتنقت الإسلام منذ 27 عاما، حين قابلت فتاة مسلمة، فالإسلام هو أكثر الأديان بساطة، وما دمت تقوم بالأشياء الصحيحة، وتبتعد عن الأشياء الخاطئة، فعندما أنطق بكلمات الذِّكر تمنحني تفاؤلا وإيجابية.

تجتمع النساء في دولة غيانا في شهر رمضان على موائد الرحمن

وهذه امرأة مسلمة تقول: اعتنقت الإسلام حين بلغت 21 سنة، لأن زوجي مسلم، وأصوم رمضان منذ ثلاث سنوات، فالصيام سهل في الأجواء المعتدلة، ونتناول الإفطار بعد أداء صلاة المغرب، وهو فرصة للقاء والاجتماع.

وبعد صلاة المغرب يحرص الإمام على دعوة جميع المصلين، رجالا ونساء، لتناول طعام الإفطار في المسجد، ويشعر الناس بالألفة والتحاب، ويشعرون ببركات الشهر الكريم تتنزل عليهم، فتملأ قلوبهم سكينة وطمأنينة، وهو شعور غامر بالسعادة والرضا يستشعره الرجال والنساء والأطفال على حد سواء.

إطعام السجناء.. تأثير قوي على سلوك المسلمين خلف الأسوار

تأسست المنظمة الإسلامية في غيانا في يوليو/ تموز 1979 بمكان صغير جدا، وكانوا ينفقون أموال الزكاة على عدد محدود بين 20-30 فردا، أما الآن فالمستفيدون من الزكاة يتجاوز عددهم 1200 شخص، وتوزع المنظمة ما يقرب من 50 ألف دولار على المستحقين وكفالات الأيتام، كما يقومون بتوزيع السلّة الغذائية على حوالي 2000 مستفيد، على مدار العام وليس فقط في رمضان.

يتبرع بعض الطباخين بتحضير الطعام لنزلاء السجن من المسلمين في شهر الصيام

والتقت الكاميرا طبّاخا يجهز الطعام للمساجين، فقال: أجهز الطعام لآلاف الأشخاص، أطبخ خلال شهر رمضان لإرسال الطعام إلى سجن كامب ستريت وسجن مقاطعة لوزيكنان، نسأل الله أن يجزينا خيرا على هذا الفعل، من أجل إطعام إخوة لنا في تلك السجون، وفي كل يوم نحاول أن نطهو لهم شيئا مختلفا، ووجبة اليوم هي الدجاج والأرز بطريقة المندي.

يقول أحد المسجونين: اعتنقت الإسلام داخل السجن عام 2017، في المسجد الذي أؤم فيه اليوم، فقد حُكم علي بالسجن 25 عاما، وأقوم بالخدمة الاجتماعية داخل السجن من أجل تخفيف مدة حكمي، واليوم نوزع وجبات الإفطار على المساجين. في أحد الأيام كنت أسمع أحدهم يقرأ القرآن ويشرحه للآخرين، مما أثار فضولي، فاقتربت منه وبدأ يشرح لي تعاليم الإسلام، فانشرح صدري لذلك.

صلاة الجماعة في أحد سجون دولة غيانا

وتحدث ضابط سجن اسمه “ميتش” عن السجناء المسلمين قائلا: المسلمون في هذا السجن منضبطون ومتعاونون، أظن أن دينهم يملي عليهم ذلك، إنهم يؤدون صلواتهم اليومية جماعة وبانتظام، وذلك يبعدهم عن افتعال المشاكل والمشاحنات بينهم، فهم مختلفون كليا عن غيرهم من النزلاء، وشهر رمضان له استعدادات كثيرة هنا، إنهم يصنعون الطعام الحلال ويأكلون معا.

“نذرتُ إن سارت أموري على ما يرام لأعتنقنّ الإسلام”

شهدت فترة التسعينيات بحثا كثيرا في الشؤون الإسلامية، خاصة بين ذوي الأصول الأفريقية، فقد اعتنق كثير منهم الإسلام، وهم يكونون عادة أكثر حرصا على أداء الشعائر التعبدية من الذين يولدون مسلمين، ويحرصون على أن يكون إمامهم منهم.

“أوزيل هدسون” اعتنق الإسلام بسبب نذر نذره على نفسه

يقول “هودسون”، وهو أحد قدامى المسلمين الأفارقة في غيانا، واسمه اليوم أسعد: كنت شابا طائشا، أشرب وأمرح مع الأصدقاء، ثم توقفت فجأة، وقلت لنفسي: ما هذا؟ إلى أين أنا ذاهب؟ عليّ إعادة تقييم سلوكي وصياغة حياتي، كنت ذاهبا إلى الخدمة العسكرية فأديت صلواتي المسيحية، ونذرتُ إن سارت أموري على ما يرام لأعتنقنّ الإسلام، وهكذا كان.

التزم أسعد منذ أسلم بخدمة المسجد، ويقول عن ذلك: أخذت على عاتقي خدمة هذا المسجد، فأنا أواظب على الصلوات الخمس حتى أصبحت مؤذنا، وصارت مسؤولية المسجد على عاتقي، فإذا تأخرت عن صلاةٍ وجاء أحدهم ووجد المسجد مغلقا، فسيحاسبني الله لأنني ضيعت على المسلمين صلاة جماعة، فصرتُ لا أغيب عن الصلوات الخمس أبدا.

انخفاض معدل الجريمة.. دين السلام يخدم القانون والمجتمع

يقول عاصف إمام مسجد صوفيا: معظم السكان هنا أفارقة، وهذه المنطقة موسومة بأن أهلها متورطون في نشاطات ضد القانون، لكني منذ جئت هنا بدأت ألاحظ انخفاض معدل الجريمة، فنحن نقدم الكثير من المساعدات الإنسانية، ونمد يد العون لأفراد المجتمع ونساهم في حل مشاكلهم، وأصبح أهل الحي يقدروننا ويشاهدون بأعينهم ما نقدم لهم بمصداقية وتسامح واحترام متبادل، فبدأ كثير منهم يهتمون بالإسلام وبالكيفية التي نعاملهم بها، وبالرحمة والحب الذي يتصف به المسلمون.

بسبب سلوك إمام المسجد الإيجابي مع الأهالي، انخفض معدل الجريمة في المنطقة

ويقول “هاريس”: هذا أول رمضان أصومه، ففي رمضان الماضي لم أكن مسلما، والصيام صعب بعض الشيء ولكنه التزام، ومن الأسباب التي دفعتني للإسلام زوجتي المسلمة. فأمي نصف أمريكية ونصف أفريقية، ووالدي أمريكي هندي، وأنا كنت ناشطا في الكنيسة أدق الطبول وأعزف الأورغ، وقد توقفت عن ذلك منذ اعتناقي الإسلام، فالإسلام يعني لي السلام في الحياة، وعندما أكون متوترا أقرأ القرآن وأصلي، فأحس بالهدوء والطمأنينة، فالإسلام يجعلك صالحا في نفسك ومع الآخرين.

في باحة المسجد يتجمع المسلمون لمواساة عائلة توفيت أمهم في رمضان، تقول إحدى بناتها: كانت أمي تتمنى أن تموت في رمضان، إنه لشرف عظيم، ولا أحد يمكن أن يعطيها نعمة وشرفا أكثر من أنَّ الله اختار لها أن ترحل إلى الدار الآخرة في رمضان.

دولة غيانا.. مثال يحتذى في التعايش والتسامح

يقول معين الحق من المنظمة الإسلامية: في الماضي كنا أسرة صغيرة، واليوم أصبحنا مجتمعا كبيرا ومنفتحا بفعل شبكات التواصل الاجتماعي، ولم تكن لدينا محطة تلفاز وكنا نعتمد على المذياع، واليوم لدينا برامج عدة على التلفاز وعلى منصات الإنترنت، وتمنحنا الحكومة وقتا مخصصا على التلفزيون الوطني لعرض برامجنا الإسلامية. لقد تطور المجتمع الإسلامي كثيرا في غيانا، فلدينا رئيس مسلم ووزراء في الحكومة مسلمون، والنائب العام أخت مسلمة، وهناك عدد من المحامين مسلمون.

تتحدث النائب العام شلمار علي حق، قائلة: أمضيت 18 سنة في هذا المنصب، وأنا أول امرأة تولت إدارة النيابة العامة، وكنت أول محامية مسلمة ترتدي الحجاب في قاعة المحكمة، وقد أديت فريضة الحج في عام 1985، وبعدها قررت ارتداء الحجاب، ولم أتلقَّ أي رد فعل سلبي على قراري، وأقابَل بالاحترام والمعاملة اللائقة داخل المحكمة وخارجها.

وتقول سعدية فيروز، وهي سيدة أعمال: ننتظر رمضان بشوق ولهفة، إذ تلتقي العائلات والأصدقاء والأقارب على طعام الإفطار، وأحب أن أستضيف الناس في منزلي وأطهو لهم الطعام بنفسي، فأنا أستضيفهم بين 10-12 مرة في بيتي، ففي رمضان الفائت لم نجتمع كثيرا بسبب جائحة كورونا، ومع ذلك فقد تعززت الروابط داخل الأسرة الواحدة، فهو شهر الروحانيات، ونستشعر قيمة الأعمال في رمضان، فالكل هنا يعيش في تآلف واتفاق، الهندوس والمسيحيون والمسلمون.

“شاليمار علي حق” أول امرأة مسلمة تتولى منصب النائب العام في دولة غيانا

وفي الختام تحدث الرئيس محمد عرفان علي قائلا: التنوع هنا ليس دينيا فقط، بل عرقيٌّ أيضا، فهنالك 6 أعراق تتشارك هذا الوطن الواحد، ونحمل هوية واحدة، فهم يجتمعون على الاحترام المتبادل والحرية والكرامة الإنسانية، بحيث يمكن أن نكون مثالا يحتذى حول إمكانية التعايش السلمي بين الناس من مختلف الشرائع والمعتقدات.