“بابوا غينيا الجديدة”.. عودة لتصوير طقوس إعلان الرجولة وتكريم الراحلين

إذا كنت من عشاق الكاميرا، وإذا كنت من محبي التعرف على حياة المصورين الرحالة المتنقلين من بلد إلى بلد ومن جزيرة إلى أخرى، لينقلوا لنا اللحظات الإنسانية بكل دقة، وإذا كنت من هواة التعرف على عادات الشعوب، وترغب في إثراء معلوماتك، فإن هذه السلسلة لك.

عرضت قناة الجزيرة الوثائقية سلسلة أفلام من أربعة أجزاء بعنوان “المصورون الرحالة”، في كل فيلم منها يأخذنا أحد المصورين الفوتوغرافيين المحترفين معه في إحدى رحلاته، نسير في استكشاف عالم معرفي جديد.

يعرض لنا فيلم “بابوا غينيا الجديدة” أسرار سكان بعض تلك الجزر التي تقع في المحيط الهادئ؛ إلى الشمال من أستراليا وإلى الشرق من إندونيسيا، تلك الجزر التي تستولي على الأحاسيس، وتحيي في النفس خليطا من المشاعر.

جزيرة كابو.. احتفال شعبي واستعداد لحدث كبير

عندما علم سكان جزيرة كابو الصغيرة -إحدى جزر بابُوا غينيا الجديدة- الذين يتحدثون لغة البيجين بقدوم المصور الفرنسي “مارك دوزييه” -الذي يلقبونه بالمهرج ذي الكاميرا- لتصوير طقوس الختان عند “قبيلة كومباي”؛ أعدوا له حفلا ترحيبيا شعبيا كبيرا، شارك فيه الراقصون ورجال القبيلة ونساؤها وصغارها.

جزيرة كابو، إحدى جزر بابُوا غينيا الجديد

هذا الاستقبال وضخامة الاحتفال مؤشران على وفائهم وعلى فرحهم الجمعي، وعلى اهتمامهم بالحدث الوشيك، إذ سيرقص الجميع بالأقنعة المقدسة للإعلان عن ختان ثلاثة فتية أعمارهم بين 8-15، وهي خطوة أساسية وضرورية، ولا بد منها في حياة الفتيان كي يصبحوا رجالا.

وبعد هذه المراسم يمكنهم أن يتزوجوا؛ وينشئوا أسرة، وأن يدخلوا منتدى الرجال لأول مرة في حياتهم، ووفق تقاليد القبيلة، فهذا المنتدى المسمى “لومو” مخصص للرجال، ودخوله محظور على النساء والأطفال غير المختونين، فهنا يتخذ الزعماء القرارات الهامة كما في مجلس النواب.

وتوجد في الجزيرة مدرسة يدرس فيها الأطفال اللغة الإنجليزية والرياضيات، ويتعلمون فيها الثقافة المحلية والعادات والتقاليد وطقوس القبيلة، وتغلق المدرسة أبوابها في يوم الاحتفال، حتى يتمكن كل الأطفال من المشاركة.

تجهيزات الحفل.. رحلة بالزورق واستقبال خاص في الجزيرة

يحرص “فرانسيس” -وهو عم الأطفال الثلاثة الذين سيُختنون- على أن يحظى أبناء أخيه بأفضل احتفال ممكن، فهذه المراسم تجري مرة واحدة في حياة كل رجل، لذا فعليه أن يشتري الطعام والبساط والتبغ والشراب لجميع الحاضرين، ويجب أن يذهب إلى جزيرة تامونياي التي تبعد عنهم ثلاث ساعات بالزورق لشراء كل ذلك.

احتفالات تحضيرية قبل يوم واحد من مراسم حفل”الختان” في جزيرة كابو

وهذه الرحلة ستكون فرصة لالتقاط مئات الصور بالنسبة للمصور “مارك”، وقد استُقبِل بحفاوة بالغة عند وصوله إلى تامونياي، فقد مضى زمن طويل منذ أن جاء آخر مرة إلى هذه الجزيرة.

وكالعادة تجمهر الأطفال أمام الكاميرا، فوجود مصور في مثل هذا المكان النائي يثير استغرابهم، فهو رجل فرنسي أبيض البشرة يحمل معدات تصوير ويرتدي ملابس غير مألوفة، كما لو أنهم يشاهدون فيلما على التلفاز، ومن الواضح أنهم يريدون مراقبة كل حركة يقوم بها.

تسلق الأشجار.. جلسة تصوير مع أبناء الغابة المهَرة

بينما يشتري “فرانسيس” جوز الأريكة وقلائد الاحتفال والتبغ والحاجيات الأخرى؛ يستغل المصور “مارك” الفرصة، ويتجول برفقة أطفال جزيرة تامونياي كي يصورهم وهم يتسلقون الأشجار المرتفعة الشاهقة الارتفاع، برشاقة وخفة نادرتين، ثم يمارس هواية الصيد والتصوير البحري برفقة رجل يدعى “سايمون”، على هذه الجزيرة المشابهة للجزيرة التي عاش “روبينسون كروزو” (بطل رواية خيالية).

ألوان وريش وطبول استقبالا للرجال الجدد

حياة السكان على هذه الجزيرة ليست سهلة كما تبدو، صحيحٌ أنهم سعيدون بالعيش فيها، فالبحر غني بالأسماك، والغابة توفر لهم الكثير من الطعام، وكل شيء عندهم بالمجان، لكن الأطفال لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة، وليس لديهم طبيب أو عيادة، وتقطع زوجاتهم مسافات طويلة في حالات الولادة.

يدرس الأطفال اللغة الإنجليزية والرياضيات، ويتعلمون الثقافة المحلية والعادات والتقاليد وطقوس القبيلة

لقد انتهى “فرانسيس” من التسوق وحان الوقت للعودة إلى كابو، لكن الكلمة الأخيرة لم تكن لهم، فلا يمكنهم العودة الآن، فالبحر شديد الاضطراب والخطورة، وقد سُرَّ أهل الجزيرة بتأخر سفر الضيوف وعودتهم إلى كابو بسبب وجود “مارك” معهم، وهكذا يكون الترحاب بالمصورين المعروفين أصحاب الخبرة والعلاقة الطيبة مع الناس في كل مكان، فقد قضوا ليلة أخرى في تامونياي، بينما تواصلت الاستعدادات في كابو.

دبيب الحياة في الأقنعة المقدسة.. طقوس الأجداد

في كابو وتحت جنح الظلام، أقام بعض الرجال وراء منتدى الرجال المحظور على غير المختونين صرحا سريا لإعداد القناع، وهو من طقوس الأجداد عندهم.

وفي صباح اليوم الموعود وُزعت قلائد الأصداف النقدية على أفراد أسرة “فرانسيس” وفقا للتقاليد، والآن تدب الحياة في الأقنعة المقدسة أخيرا، إذ يعتقد الأهالي أن هذه الأقنعة التي ترمز إلى السلطة تنام بين الاحتفال والآخر، وهم يُكِنّون احتراما كبيرا لهذه الأقنعة العظيمة التي يدعونها “أولوا”، فالأقنعة عندهم ترمز إلى الانضباط -كالشرطة مثلا- ويتصل بها عدد كبير من الأنظمة والقوانين التي يجب التقيد بها.

قبيل الفجر، يتم توزيع التبغ على الحضور للاستمتاع به قبل طلوع النهار حيث ستبدأ طقوس الختان

ومن الغروب إلى صباح اليوم التالي ترقص الأقنعة على إيقاع الطبول، ليعلم أفراد المجتمع كلهم أن يوم غد سيشهد السماح لثلاثة من الفتية بدخول منتدى الرجال لأول مرة في حياتهم، بينما يتوارى الفتية الذين يُحتفل من أجلهم عن الأنظار، حسب العادات التي يلتزمون بها بصرامة.

شروق الشمس.. موعد الانتقال من الطفولة إلى الرجولة

خيوط الفجر الأولى هي الإشارة التي ينتظرها الرجال بفارغ الصبر، حتى تبدأ طقوس توزيع التبغ على الحضور، ويأخذ راقصو الأقنعة استراحات قصيرة خلال الليل، إما لتدخين التبغ أو لتناول جوز الأريكة، وعند شروق شمس اليوم التالي يجتمع أفراد القرية جميعا، فلا أحد يتجاهل أصوات الطبول والغناء، وبعد ليلة طويلة من السهر يتوجه الرجال إلى منتداهم لمشاهدة الاحتفال، ويظل أبناء شقيق “فرانسيس” متوارين عن الأنظار تبعا للتقاليد.

ثلاثة فتية سيدخلون عالم الرجولة بعد طقس الختان الذي سيسمح لهم بامتلاك القوارب والجلوس مع الرجال

وما إن يحن موعد خروج الثلاثة، حتى يصبحوا محط أنظار الجميع، فمع شروق الشمس ودخولهم إلى منتدى “لومو” لأول مرة، سوف يُختن الثلاثة ليبدؤوا حياة الرجولة، وسوف يُعَدّون من البالغين، وسيجدون لهم مكانا في هذا العالم، وقريبا سيتملك كل منهم زورقا، وسيسمح لهم بالرقص بالأقنعة والتحدث مع الرجال كبار السن، وامتلاك حدائق خاصة بهم.

إنها لحظات الكاميرا، وعليك أن تبحث عن اللقطة المناسبة ثم تضغط على الزر، وإذا كانت اللقطة مناسبة التقط الصورة، إنها لحظة تخليد الذكرى. وبعد انتهاء الحفل سيتابع “مارك” حياة المغامرة والسفر ليذهب إلى المحطة التالية في الغابة المطرية، إلى أعماق “بابُوا غينيا الجديدة” وأدغالها، حيث تقع قرية سوجو.

قرية سوجو.. رحلة لتصوير مراسم تكريم الأب الراحل

تقع قرية سوجو أسفل جبل بوسافي على مسيرة بضعة أيام أو ثلاثين دقيقة بالطائرة عن أقرب بلدة إليها، حيث يعيش فيها أفراد قبيلة “كالولي” وعددهم 2500 نسمة. وكان الهدف من الزيارة مشاركة أهل القرية أحزانهم، فقد توفي مؤخرا العجوز “بابا مينوا” وقد دعي “مارك” لتصوير مراسم تكريمه، وما زال يتذكر زيارته الأولى لهم، فقد ألبسوه ثيابا من ثيابهم، وكان آنذاك شابا صغيرا.

في قبيلة “كالولي” بقرية سوجو يتم تكريم المُتوفى بعد مرور عام على وفاته

وتقتضي التقاليد عند قبيلة “كالولي” تكريم المُتوفى بعد مرور عام على وفاته، والرقص حول النار، وسوف يخلع القرويون قمصانهم ويتخلون عن الأزياء المزينة بالريش، ليتحولوا إلى راقصي النار.

وفور وصول المصور “مارك” إلى القرية أخذته “ويندي” ابنة المُتوفى وابن عمها “تيمون” إلى أطراف القرية، وأشارت إلى قبر أبيها الذي مضى على وفاته عام كامل، وخلال الأيام القادمة سوف يجمع أهل القرية كل ما يلزم لإحياء تلك المراسم السنوية المسماة “كولوبا” لإحياء ذكرى “بابا مينوا”.

دقيق الساجو.. عشر سنوات من الانتظار

سار الجميع إلى قطعة أرض مزروعة بأشجار شاهقة الارتفاع تركها “بابا مينوا” لابنته “ميندي”، إنها أشجار نخيل الساجو التي كان قد زرعها لها والدها كي تعيش منها، إذ يُستخرج منها دقيق الساجو الذي هو مصدر الغذاء الأساسي لقبيلة “كالولي”، وهو من أهم ما ورثته “ويندي”، فليس في هذه القرية محلات بقالة أو مطاعم، بل إن كل شيء يأتي من البرية.

عملية سحق النخيل لتحويله إلى طحين عملية طويلة وشاقة تستغرق جهدا كبيرا من الرجال والنساء

يبدأ الرجال بقطع الشجرة -التي يستغرق نموها نحو عشر سنوات- ويأخذون بنزع لحائها، فالجزء الداخلي من هذا النوع من النخيل يعتبر من الأطعمة الشهية التي تؤكل نيئة، ويتقاسمها في العادة الأصدقاء، وبينما يقطع الرجال الجذع تقوم النساء بشد الألياف الخارجية، إنها مهمة شاقة، إذ عليهم أن يسحقوا المعجون ثم يقوموا بتصفيته ثم يسكبوه ويجففوه لإنتاج الدقيق.

فراء الكنغر.. درع يحمي الأجساد من مشاعل الرقص

ذهب “تيمون” إلى القرية كي يتفقد ثيابه وليتأكد من اكتمال الإعدادات لإقامة المراسم. فهذا ريش “الكوكاتو”، وهذه مخالب السلطعون النهري، وهي تصدر أصواتا مرتفعة عند الرقص، وهذه فراء الكنغر الشجري يضعونه على ظهورهم لحمايتها من مشاعل النار، وهذا غطاء الرأس لتثبيت الفراء بإحكام.

رقصات يقدمها أهل قرية سوجو تكريما للميت بعد مرور سنة على وفاته

ورغم الحماية التي يوفرها لهم هذا الفراء، فإن الراقصين يصابون أحيانا بحروق أثناء تأدية الطقوس، مع أن المقصود بهذه الطقوس هو تكريم الميت وليس إيقاع الأذى. ففي أحد الاحتفالات قبل سنوات كان الرجال يرقصون في ذكرى صديق آخر مُتوفى، وقد احترق ظهر أحدهم، وظن في البداية أن الإصابة بسيطة فاستمر في الرقص، لكنه اكتشف في اليوم التالي أنه يعاني من حروق شديدة حالت دون دخوله الغابة شهرا كاملا.

الجزء الداخلي من النخيل (اللب) طعام شهي يؤكل نيئا، ويتقاسمه في العادة الأصدقاء

وقبل بدء المراسم، يتوجه الجميع إلى الغابة للبحث عن عصارة خاصة تُستخدم في صناعة المشاعل الشهيرة، والمسافات هناك لا تقاس بالكيلومترات أو بالساعات، وإنما تقاس بعبور المسطحات المائية، ففي العادة يقولون: “سوف نجتاز تسعة أنهار”، ويا لها من رحلة في قلب الغابة، حيث الأفاعي والأخطار.

مخيم النهر.. عشاء فاخر من يخنة الثعابين ويرقات السيجو

وفي رحلتهم في الغابة ومع حلول المساء، أقام الجميع مخيما عند النهر الذي كان “بابا مينوا” يحب زيارته، وشرعت “ويندي” في إشعال النار، بينما أعدت زوجة “تيمون” سلطة من يرقات السيجو اللذيذة، لتكتمل مائدة العشاء المكونة من موز مشوي على الحطب، وفطائر السيجو المطهوة على الجمر، أما الطبق الرئيسي فهو يخنة الثعابين التي اصطادوها في طريقهم، مع يرقات السيجو المدخنة.

في رحلةالبحث عن المشاعل، وجبة عشاء من حساء أفاعي الأشجار

وفي جلسة السمر بعد العَشاء تداول الجميع أطراف الحديث حول الحياة في الغابة، فقالوا إنه صحيح أن الغابة توفر لهم كل شيء تقريبا، لكن الحياة فيها شاقة، ولا يستطيع أحدهم تحمل تكاليف نقل زوجته المريضة إلى المستشفى، فكل شيء بعيد عنهم، والسبب في وفاة “بابا مينوا” هو نقص المعالجة الطبية إثر إصابته بالتهاب بسيط. هذه هي الحقيقة البشعة لمن يعيشون في أدغال غينيا الجديدة، وهو الموضوع الأبرز في أناشيد قبيلتهم “كالولي”.

وفي الصباح التالي وصلوا إلى غابة تضم أشجارا نادرة تدعى “أوليس”، وفيها كميات وفيرة من العصارة تكفي لصنع عدد من المشاعل للاحتفال.

ليلة الرقص العظيم.. طقوس وأناشيد لإحياء الذكرى

ليس في القرية أي هاتف أو مذياع أو تلفاز أو حتى كهرباء، ولإبلاغ أهل القرية باكتمال الاستعدادات، يقوم رجل يدعى “راديو بوسافي” ببث الأخبار في كل صباح بصوته الجهوري فحسب، دون استخدام آلة تكبير، إذ يسير في القرية ماشيا مناديا عليهم أن جهزوا ثيابكم، وجهزوا ريشكم، وجهزوا مشاعلكم، فالليلة سوف نقيم مراسم القلوب في المنزل الكبير، إحياء لذكرى “بابا مينوا”.

وعندما يؤدون رقصة “كلوبا”، يرتدي أعيان الرجال أغطية الرأس المكونة من الريش، ولا يسمح للأطفال بارتدائها، ويجعلونهم فقط يكتفون بمراقبتهم ويحاولون تقليدهم، وهكذا يحافظون على ثقافتهم.

أغطية الرأس المكونة من الريش يرتديها أعيان الرجال، ولا يسمح للأطفال بارتدائها

ومع حلول الظلام، يتوافد أهل القرية لحضور احتفال “كلوبا” العظيم، فالجميع هنا لإحياء ذكرى “بابا مينوا”، حيث تستذكر الأناشيد الأماكن التي كان والد “ويندي” يحبها، والشلال الذي كان يصطاد فيه السلطعون النهري، وكوخه الصغير المفضل على مدخل القرية. الكثير من الأماكن التي تُذكّر “ويندي” وأسرتها بالراحل.

آخر ما بقي من ملامح الراحلين.. كنز يعيد الحياة

حين أراد “مارك” مغادرة القرية أخرج من جيبه هدية من أجل “ويندي”، وهي صورة لوالدها التقطها له عندما زارهم في المرة الماضية، وقدمها لها كتذكار، فعندما يموت الإنسان عندهم لا يراه أحد بعد ذلك أبدا، فهم لا يستعملون الكاميرا، ولا يلتقطون الصور التذكارية.

صورة تذكارية لوالد “ويندي” التقطها المصور في زيارته السابقة ويهديها لها كتذكار

لقد كانت هذه الصورة هدية قيمة لها، فقد توفي والدها منذ عام ولم تعد تتذكر شكله بسهولة، وهذه الصورة وسيلتها الوحيدة كي تراه ثانية، فعندما تتحول الصور إلى كنوز وتذكارات ثمينة للأشخاص الذين أحببناهم، فإنها تذكرنا بالماضي، وتنبهنا أيضا على مرور الوقت.

ولما حان وقت الوداع أركب “مارك” معه في الطائرة زوجة أحد رجال القرية وابنها لإيصالهما إلى المستشفى.. إننا لا شيء بدون إنسانيتنا.