“تنزانيا”.. طقوس عريقة في أكناف الصخرة المقدسة وجبل الرب البركاني

نحط الرحال في أدغال تنزانيا لنكشف عن علاقة صداقة نُسجت بين المصور الفوتوغرافي “كريستوف راتييه” وقبائل تنزانيا، حيث يأخذنا إلى منطقتين من سهول السافانا التي تعيش فيها قبائل عريقة، جذورها ضاربة في التاريخ، ويعيشون كما عاش أجدادهم من قبلهم.

في هذه الحلقة من سلسلة أفلام “المصورون الرحالة” التي تبثها قناة الجزيرة الفضائية يصحبنا المصور “كريستوف راتييه” إلى رحلة جديدة أخرى ممتعة.

بلاد الهادزا.. عودة إلى أرض الصيد بين البحيرة والمحمية

يجوب أفراد الهادزا سهول السافانا الواقعة شرق أفريقيا بقدر كبير من التقشف ومثير للإعجاب، فأسلوب معيشتهم شاهد على نشأة الإنسانية في أرض لا يملك الإنسان فيها شيئا، ويستفيد مما أوجده الله تعالى في الطبيعة.

وسبب اختيار “كريستوف” لهذه القبيلة هو إعجابه الشديد بأساطيرها، والصيادين جامعي الثمار، إذ تمتد أراضي الهادزا بين بحيرة إياسي ومحمية نغورونغورو، وهي أراض صخرية تكسوها الغابات مناسبة للصيد.

المصور “كريستوف” في رحلة عودته إلى قبيلة “الهادزا” بتنزانيا يريهم صورهم يوم كانوا صغارا

في رحلته السابقة إليهم قبل 15 عاما توطدت علاقته بكبير القبيلة، وأصبح صديقا حميما للصياد ذي الابتسامة العريضة المسمى عندهم “غودو”، ففي إحدى ليالي تلك الرحلة، وفي جلسة سمر أمام النار رُويت له حكاية شغلت باله، إذ قيل له إنه في مكان ما في السافانا؛ توجد صخرة يقدسها هؤلاء الهادزا الذين لا يعبدون إلها ولا يتبعون زعيما، هذه الصخرة تدعى دوندوبي، فتمنى “كريستوف” أن يتمكن من الوصول إليها وتصويرها يوما ما.

صخرة دوندوبي المقدسة.. وعد قديم آن وقت الوفاء به

بعد غياب طويل تعرّف “كريستوف” بصعوبة بالغة على منغولا، وهي القرية التي تشكل مدخلا لأراضي الهادزا، فقد حولت القبائل معظم أراضي تنزانيا إلى أراض زراعية، وقيل له إن عشيرة “غودو” أقامت مخيما على التلال المحيطة بمنغولا.

يعيش أفراد قبيلة “الهادزا” حياة البدو الرحل ومهنتهم الصيد

وعند وصوله استقبله الجميع بحفاوة وترحاب، بينما جهز “كريستوف” لهم المفاجأة التي يحبونها، إنها صورهم في الرحلة السابقة، لقد جعلتهم تلك الصور يتذكرون أنفسهم وهم صغار السن، وأخذت من قلوبهم كل مأخذ. وهنا استغل “كريستوف” الموقف، وذكّر “غودو” بوعده له أن يأخذه إلى مكان الصخرة المقدسة دوندوبي، فاستجاب لطلبه واعتبرها فرصة لتعريف أفراد العشيرة الأصغر سنا بموقعها. وقد دب الحماس في الشباب صغار السن الحاضرين، وطلبوا منهم السماح بمرافقتهم لأنهم سمعوا الكثير عنها.

وعلى خلاف القبائل الأفريقية الأخرى، فليس للهادزا زعيم، وإنما تتخذ القرارات بصورة جماعية، ويحظى “غودو” بالاحترام لكونه من كبار السن، لكنه ملزم باستشارة الجميع، ونتيجة الاستشارة تقول إن الأغلبية تريد مرافقتهم، وسوف يذهبون غدا إلى موقع الصخرة المقدسة على الجانب الآخر من الجبال في واد غير مأهول، فهم لا يعبدون الآلهة، بل يؤمنون بأن أسلافهم هم الذين يرعونهم، وغدا سوف يخاطبونهم ويصلون لهم.

حياة البدو الرحل.. أسلوب الإنسان الأول الصياد

يتمسك الهادزا بحياة البداوة ولا يهتمون بمفهوم المسكن أو القرية، إذ ينصبون خيامهم بضعة أسابيع، ثم يرحلون هكذا وبكل بساطة، وتبعد صخرتهم المقدسة مسيرة بضعة أيام سيرا على الأقدام، ومن هنا ستبدأ المغامرة.

فأسلوب العشيرة في التنقل هو بحد ذاته درس من دروس الحياة، فهم لا يحملون معهم إلا ما يلزم لحفظ الحياة فقط، فيحمل الرجال أقواسهم وسهامهم للصيد، وتحمل النساء أدوات الطهي ومعدات التخييم.

يحترف أفراد قبيلة “الهادزا” الصيد فهم يتحركون أثناءه بخفة شديدة

والماء سلعة غالية في السافانا، فمن النادر أن تشاهد نهرا متدفقا، لذا فإنهم لو شاهدوا نهرا متدفقا فسيقومون باستغلاله إلى الحد الأقصى، لهم وللحيوانات، فهو يجذب الحيوانات للشرب، وهم يصطادونها، وهذا فألٌ جيد لهم.

وإذا لو لم يتدفق الماء، فإنهم يحفرون في المناطق الرطبة بمكيال الشرب بعمق 10-20 سنتيمترا، فيتدفق الماء العذب المخلوط بالتراب بطبيعة الحال.

وأثناء الرحلة تابع بعضهم المسير، بينما ذهب آخرون للصيد، فما زال الطريق أمامهم طويلا.

تسلق الباوباب.. سر الشجرة الأسطورية ذات الثمار الوافرة

توجه “كريستوف” برفقة “غودو” والآخرين الذاهبين إلى مناطق الصيد، ورغم صعوبة لحاقه بهم بين الشجيرات، فإنه كان ملزما بذلك، وفي العادة لا يغادر “كريستوف” أراضي الهادزا إلا لمرافقتهم إلى الصيد، فـالهادزا يمتازون بقدراتهم الفائقة على الصيد، إذ يتسللون خلسة بكل ثقة، وأكثر ما يثير اهتمامه في تصوير الصيد هو لحظة إطلاقهم لسهامهم، وما يسبقها من التركيز عند الاصطياد، وهذا ما تلتقطه صوره دائما.

تسلق شجرة الباوباب الأسطورية ذات الجذع الضخم للحصول على ثمارها اللذيذة

يشعل “دوشو” النار حسب الطريقة المدهشة التي يتبعها الهادزا في إشعال النيران، إذ يفركون الجزء الخشبي من سهامهم بلوح خشبي بطريقة الاحتكاك، ليعد لهم وجبة منتصف النهار من الفريسة التي اصطادها. وأثناء مسيرهم ظهرت في حقول السافانا أمامهم شجرة الباوباب الأسطورية ذات الجذع المشبع بالماء، ويبلغ قطر جذعها أحيانا أحجاما كبيرة مدهشة، فتراكض الجميع لتسلق الشجرة.

في شجرة الباوباب هذه تجاويف كثيرة، يضع الهادزا فيها مقابض خشبية تساعدهم في تسلق الأشجار الضخمة، إنها متقنة الصنع لكن التمسك بها ليس سهلا، وها هما “دوشو” و”مايا” يتسلقان الشجرة، ليس من أجل الإطلالة، وإنما من أجل السر الذي تخفيه الأغصان.

صورة معبرة لبعض أفراد قبيلة “الهادزا” وهم يحملون أقواسهم وسهامهم

إن سر شجرة “البواباب” هو ثمرتها، وعليك أن تتحلى بالشجاعة لتتسلق إلى القمة فتجنيها، فهي مشهورة بكثافة إنتاجها، لذا فكمياتها كبيرة، حتى أنك تستطيع أن تقيم وليمة مما تقطفه منها، وبطبيعة الحال لم يفوِّت “كريستوف” الفرصة، فالتقط صورا حية للمتسلقين الشباب مستفيدا من المشاهد غير الاعتيادية في المكان.

وثمار “الباوباب” مفيدة، وهي ذات مذاق لاذع، وفيها من فيتامين “سي” أكثر مما في البرتقال، وهي غنية أيضا بالبوتاسيوم والكالسيوم ومنتشرة في أراضي الهادزا، كما أنها شهية كذلك. لقد جمعوا كمية كافية من الثمار لأخذها معهم إلى المخيم.

مرشد العسل الأكبر.. تعاون مثمر مع صديق الإنسان المحلّق

في طريقهم يمرون بالوادي المزهر، يأمل الهادزا بالعثور فيه على طائر يدعى مرشد العسل الأكبر، فالعلاقة بين الطرفين هي صورة مدهشة من التعاون بين الإنسان والطير، فهذا الطائر الصغير أصغر من أن يواجه أسراب النحل بمفرده، لذا يستعين بـالهادزا ليحصل على العسل.

بالاستعانة بطائر العسل، يحصل الرحالة على عسل الأشجار ويتركون بعضه هدية للطائر المرشد

عندما يرى الطائر أفراد الهادزا قادمين، يطير أمامهم من شجرة إلى شجرة، وهم يتبعونه حتى يدلهم على خلايا العسل، وعندما يجدون العسل الشهي يقيمون منه مأدبة لأنفسهم، ويتركون بعض العسل على الصخور، من أجل الطائر الذي دلهم عليه، وهي طريقة لطيفة لشكره ولتشجيعه على مساعدتهم في المرة القادمة، ويعتبر الهادزا تعاون الطائر معهم إشارة إلى أن أسلافهم هم الذين يوجهون رحلتهم اليوم.

وعندما وصلوا إلى المكان المقصود، بدأوا بالرقص وغناء التراتيل والأهازيج التي يحفظونها، وأخذ كبيرهم “غودو” يوضح للشباب الصغار بأن هذا هو الموقع المقدس الوحيد لديهم على الأرض، فلا يقدس الهادزا أي مكان آخر.

على الصخرة المقدسة، يقوم أفراد قبائل الهادزا بالرقص وغناء التراتيل والأهازيج التي يحفظونها

وقال لهم إنهم في دندوبي يُصلّون من أجل المطر الذي يهبهم الحياة، إذ ينمو العشب وتمتلئ الأنهار بالماء الذي يشربونه، وبعد موت الآباء والأجداد يأتي الأبناء لمخاطبتهم من خلال تلك التراتيل الخاصة التي يقومون بها عند الصخرة المقدسة.

وقد شكر “كريستوف” “غودو” على اصطحابه إلى هذا المكان المقدس، واستكشافه برفقتهم، وعلى تعريفه بالجانب الروحي المتعلق بالأسلاف.

صورة استثنائية لبعض أفراد القبيلة يشربون من ماء النهر الجاري

وفي الواقع فإن الهادزا لديهم مقدرة كبيرة على العيش في هذه الطبيعة القاسية، فهم يكتفون بالأساسيات في معيشتهم، وهم آخر تجسيد لماضي كثير من البشر المتحضرين، عندما كانوا صيادين وجامعي ثمار، وهذه حقيقة نسيها الكثيرون منا.

جبل الرب.. قبيلة تعيش تحت البركان النشط المقدس

توجه “كريستوف” بعد انتهاء رحلته السابقة إلى عشيرة كيسونغو وهم عبارة عن رعاة ماشية ومحاربين من فروع قبيلة ماساي الشهيرة الكبيرة في تنزانيا، وتعيش العشيرة أسفل بركان نشط يقدسونه يُدعى “لينغاي”، وتعني جبل الرب. أما قبيلة ماساي الأم فتعيش في شمال تنزانيا، وتمتد أراضيهم بين بحيرة ناترون وبركان أولدينيو لينغاي النشط.

تحضير أحد فتيان عشيرة “كيسونغو” الذي سيتحول إلى محارب أو “موران”

وسبب هذه الرحلة أن أحد فتيان العشيرة سيتحول إلى محارب أو “موران” كما يسمونه. وهكذا سيسافر “كريستوف” إلى المنطقة لتصوير هذه الطقوس، وهناك سيلتقي بصديقه الصغير في رحلته السابقة “روكوين” الذي غدا رجلا ذا لحية الآن، ولديه قطيع كبير من المواشي.

كان لدى “روكوين” كثير من المواشي حتى وقت قريب، ولكن الثوران الأخير للبركان غطى الوادي كله بالرماد، ومنذ ذلك الحين تراجع نمو العشب، وأصبح كل الماساي في المنطقة قلقين على قطعانهم، فالنشاط البركاني هناك لا يتوقف، وقد ثار آخر مرة عام 2007، لكن عشيرة كيسونغو لا تغادر هذا الموقع، وتقع القرية التي سيقام فيها الاحتفال على بعد بضعة كيلو مترات فقط عن البركان العملاق.

طبقات المجتمع.. نظام عمري صارم وأزياء مدهشة

تعرف “كريستوف” على “لميوشي” وهو محارب وصديق مقرب لـ”روكوين”، إنه شاب قوي البنية تتدلى من شحمة أذنيه أقراط ثقيلة أدت إلى تمزيق الشحمة في كلتا الأذنين وتطويلهما إلى أسفل، وهو ليس مجرد صديق له فحسب، بل يعتبره أخا له، وذلك لأنهما أصبحا محاربين في احتفال واحد معا.

يهتم أفراد قبيلة “كيسونغو” بألوان اللباس والأزياء

هنا تتوزع طبقات مجتمع الماساي على الفئات العمرية والاجتماعية المختلفة، ولكل منها قواعد يجب التقيد بها، حيث يبدأ الأطفال العمل في رعي المواشي، ويتعلمون كيفية توجيه القطيع داخل الأدغال، وعندما يتحول الفتيان إلى محاربين، فإنهم يتولون حماية الأراضي والمواشي.

إنه نظام اجتماعي مدهش، ومن المدهش كذلك اهتمامهم الشديد بالملابس والأزياء، فرغم أراضيهم القاحلة، يحرص أفراد القبيلة على ارتداء الملابس والمجوهرات البراقة.

ويمكث عدد قليل من الفتيان المميزين أو ما يسمون “سيبوليو” في القرية، وهم الذين اختتنوا مؤخرا، فلم يعودوا أطفالا، لكنهم لم يصيروا رجالا بعد، ويتميزون بملابسهم السوداء عن بقية أفراد العشيرة، ومن هؤلاء “تاياي” الذي يبلغ من العمر 14 عاما، وخلال أيام سوف يحضر الجميع احتفال تحوله إلى محارب.

خروف أسود على سفح الجبل.. قربان إلى البركان

تدل سحابة الغبار الثائرة عند الغسق على عودة القطيع، حيث تقضي مئات الأغنام والأبقار ليلتها في وسط القرية، فالمواشي هي أثمن ممتلكات الماساي، إذ إن بقاء العشيرة مرهون بها، وفي هذه القبيلة يمتلك جميع الذكور وسائر رجال الماساي المواشي، بينما تملك النساء الحليب الذي يعد مصدر الغذاء الرئيسي للقبيلة، وهم لا يأكلون اللحم إلا في المناسبات.

لمنع ثوران البركان، على أبناء قبيلة “كيسونغو” أن يقدموا خروفا أسود اللون قربانا للبركان

وقد خسر عدد من رجال القبيلة ماشيتهم خلال الشهور الماضية، لذا توجه الجميع إلى أحد العرافين القريبين في الجوار لعله يكون عنده حل لتلك المشكلة، وبعد ساعات من المشي، وصلوا إلى قرية العرّاف “لايبوني” الذي يملك القدرة على تفسير رغبات البركان “أنكاي” حسب الاعتقاد السائد في المنطقة، فقد انتقلت إليه هذه الموهبة من أجداده، لذلك فهم يعدونه عرافا مخضرما.

وقد أشار عليهم بتقديم قربان للبركان، ويجب أن يكون خروفا أسود اللون، وأن يذبحوه أثناء الصلاة على سفح البركان، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لمنع ثورانه من جديد، حسب قوله لهم، وهم يؤمنون بأن الرب يتجسد في البركان وفي الأخاديد وفي الكهوف، وهي الأشياء التي نستطيع أن نراها ونلمسها بأيدينا.

فوهة البركان.. رحلة التسلق الليلة على ضوء القمر

بينما كان أفراد العشيرة يضحون بالخروف، أراد “كريستوف” أن يصعد إلى قمة البركان، كي يشاهد الفوهة عن قرب ويصورها، وقد حظي برفقة بعضهم وأحد كبار السن، وهو يعرف كيف يتعامل مع الصعوبات التي قد تواجههم.

سبع ساعات كاملة تلزم لتسلق جبل البركان “لينغاي” الذي يرتفع 3000 متر عن سطح البحر

ولطالما أثار جبل الرب الإعجاب، فهو بركان نشط يتجاوز ارتفاعه ثلاثة آلاف متر، فهو أشبه بكائن حي عملاق، وتستغرق رحلة التسلق سبع ساعات، وقد قرروا أن يتجنبوا الحرارة، وأن ينطلقوا في آخر النهار حتى يبلغوا القمة مع الصباح، فهم معتادون على تسلق المناطق الصعبة الوعرة ليلا على ضوء القمر، لكن “كريستوفر” استعان بضوء مصباح يعمل على البطارية، كي يتمكن من مجاراتهم.

وقد حصل “كريستوف” أخيرا على جائزته، إنه مشهد فائق الجمال، خصوصا مع وجود الضباب الذي يضفي أجواء من الغموض على المشهد، ويبدو من بعيد كما لو أن دخانا يخرج من الفوهات.

فوهة البركان “لينغاي” بعدسة الرحالة المصور “كريستوف راتييه”

وفي القرية حان موعد الاحتفال المنتظر، حيث سيتحول “تاياي” إلى محارب، وها هي العشيرة تحتفل اليوم بمحارب موران جديد.

ربما يكون الماساي أصغر الشعوب الأفريقية، وأكثرها عرضة للتصوير، لكنهم تمكنوا من الحفاظ على ثقافتهم المدهشة وهويتهم العريقة التي صمدت في وجه الزمن.